لندن ـ «القدس العربي»: «أولادكم فلذات أكبادكم لا تعنفوهم بالضرب والألفاظ الجارحة. وفكرة أن الضرب يعلم الأطفال السلوك الصحيح والأخلاق الحميدة لم يعد مقبولا، تعلموا أن تحافظوا عليهم بدل ان يضيعوا وتضيع أحلامهم».
هذا ما أكدته لـ«القدس العربي»استشارية الأطفال د.فوزية علي ليدي التي تمتلك خبرة طويلة في مجال طب الأطفال تصل إلى أكثر من 32 سنة منها 25 عاما في بريطانيا. اهتمامها بالأطفال بدأ قبل أن تترك ليبيا حيث نشأت في أسرة سعيدة ومتماسكة كما تقول، وتمنت ان يشعر بقية الأطفال بالأمن والسعادة. عملها طبيبة للأطفال ومتخصصة بأطفال التوحد والإضطرابات النفسية جعلها تعير اهتماما كبيرا لقضية العنف ضد الأطفال بالإضافة إلى كونه جزءا من عمل أي طبيب أطفال في بريطانيا.
تقول: يأتينا أطفال حرقوا بالسيجارة أو كانت لديهم علامات زرقاء في أماكن متفرقة من أجسامهم بسبب الضرب، الطفل يتعرض للعنف من الأبوين أو الأخوة الكبار أو الجيران أو من أطفال المدارس أو من الشارع.
أحيانا تكتشف المدرسة ذلك خاصة في دروس الرياضة أو يتصل جار ليسجل حالة عنف قام بها أحد الأبوين تجاه أبنائه أو قد يشتكي على أم ذهبت لتشتري قنينة حليب من الدكان القريب من البيت وتركت أطفالها لوحدهم وهذا شيء يعاقب عليه القانون في انكلترا.
وعن العنف اللفظي تشير د.فوزية انه في بريطانيا يتم الإهتمام بالأطفال الذين تعرضوا لعنف لفظي أيضا فهو يلحق الأذى بالطفل. فلو قال طفل لمعلمته «أمي تصرخ في وجهي وتقول أني غير نافع والأولاد أفضل مني» هذا الكلام يؤثر على الطفل نفسيا ونعتبره عنفا لفظيا تكون آثاره في أحيان كثيرة مؤلمة أكثر من العنف الجسدي، وللأسف نحن كأهل لا ننتبه لهذا النوع من العنف. الرسول عليه السلام وصانا باللين وسهولة التعامل مع كل الناس فما بالك بأطفالنا؟ عندي أربعة أطفال ممكن يكون أحدهم أصعب من الآخرين لكن الحل بالصبر والتحمل والتعاون مع الزوج أو الجد والجدة ومحاولة تحسين سلوكيات الطفل.
وتقول: من الضروري أن ينتبه المهاجرون إلى أن القانون في بريطانيا لا يرحم أحدا، هناك أناس يشعرون باعتبارهم مسلمين تمارس ضغوط ضدهم وان السلطات تأخذ أطفالهم وبالتالي يحرمون من فلذات أكبادهم. هذا الكلام غير صحيح فأنا أعمل في هذا المجال منذ أكثر من عشرين سنة، لم أر تفرقة في التعامل بين المسلمين وغير المسلمين ما يهمهم هنا في بريطانيا هو احترام القوانين التي تجدد سنويا من أجل توفير الحماية الأفضل للأطفال».
وعن حملات التوعية ضد العنف تقول:» التوعية حول الضرب والعنف تتم في المدارس، وتقع المشكلة في الأسر المسلمة إذ تنصدم عندما يطلب منها تسليم أبنائها ليس فقط الطفل المعنف الذي اشتكى، بل بقية الأخوة وذلك خوفا عليهم من ان يتعرضوا للضرب ويعيشوا المأساة ذاتها، واعتقد ان ذلك مفيد للأسرة فهم يتعلمون الكثير ويقدم لهم الدعم النفسي والمساعدة لحل المشكلات التي تسبب العنف داخل الأسرة، وهذا لا يعني ان ما تقوم به الدولة صحيح مئة في المئة لكن 99 في المئة هم على حق».
وعن تجنب المواجهات العنيفة مع الأولاد تنصح الأهل بالتالي:
– لو عادت طفلة مراهقة إلى بيت أهلها متأخرة بعد منتصف الليل وقام الأهل بضربها فهذا غير مقبول إنسانيا ولا أخلاقيا. أهم شيء هو الجلوس معها والتفاهم بكل هدوء واعتقد ان الوقاية خير من العلاج. والابن الذي منذ صغره يعرف قوانين البيت ويعرف حدود الإسلام غالبا لا يخطأ ولو أخطأ لا يكون فادحا وصعبا.
– يجب علينا ان نستمع لأولادنا ونقضي معهم وقتا أطول.هل سألنا أنفسنا كم مرة قبلنا أولادنا في اليوم؟ أنا أقول الذي لا يقبل طفله مرة في اليوم فهو شخص غير سوي وهذا لا يعني ان يقبله ويذهب بل يقبله بحنان وبحب.
– حتى لو كنت حازما مع طفلك يجب ان تقول له أنك تحبه كثيرا والخطأ سوف يؤثر عليه وعلى مستقبله.
– الطفل يجب ان يفهم انه أخطأ وأن يعتذر لأهله لكن بطريقة سليمة وبسيطة يفهمها.
– يجب ان نجهز برنامجا خاصا لأطفالنا ونحن الآن في إجازة الصيف التي من المفروض ان تكون متعة للأسرة، كتعويدهم على الخروج بشكل جماعي للعشاء أو للنزهة وان يكون المشوار مدروسا وفيه الكثير من المعلومات التي يستفيد منها الطفل.
– لابد ان أحترم عقلية الطفل وأشرح له تفاصيل النشاط الذي نقوم به وعندما أعده بشيء لا أخل بوعدي.
– أرى ان الطفل طالما يشعر بالأمان والحياة السعيدة داخل البيت فمشاكله تقل.
تسليم الأطفال
إلى المؤسسات الاجتماعية
وعن خبرتها مع الجاليات المسلمة تقول: «أعيش في مجتمع إسلامي كبير في مانشستر وجزء من عملي معهم وأرى ان أولادنا معنفون أكثر من أولاد الآخرين ليس لأننا نكرههم لكن طريقتنا في التعامل مع مشاكلهم غير صحيحة وخاصة تعامل الأب. لست ضد الرجل لكن الأب عندما يعود من العمل ويرى ان هناك مشكلة في البيت وان أحد الأبناء ارتكب خطأ أول ما يقوم به هو الصراخ والضرب وتحميل الزوجة المسؤولية وضربها ومن الضروري الإشارة هنا إلى ان تعنيف الأم أمام أطفالها يؤثر على نفسيتهم وللأسف يعتبر الأب الصراخ والعقاب بالضرب هي الحلول وهو بذلك يعقد الأمور أكثر، يجب ان يسأل الأب نفسه أين كنت وهل أعطيت أولادي الوقت الكافي هل جعلتهم يشعرون بأني أحبهم؟
عادات خاطئة
وعن عادات التربية الخاطئة تقول: للأسف نلاحظ في الزيارات العائلية ان الكبار يتحدثون ويتركون أطفالهم يصولون ويجولون وربما يخربون، وهذه مسألة غير مرغوبة، فالهدف من الزيارة أو النزهة هو تعليم الأطفال الخطأ من الصواب والحديث معهم وليس مع الكبار فقط. علينا الحرص على متابعتهم وتعليمهم احترام الامكان العامة وعدم مضايقة الآخرين.
وترى انه لابد من حل مشكلات رأس الهرم أي الأب والأم كجزء من علاج المشكلة عند الأطفال المعنفين بإعطاء دروس للأهالي بشكل مجاني وذلك للمساعدة في التغلب على الصعاب التي تواجههم في التربية.
وتشجع غير القادرين على استيعاب سلوكيات أطفالهم على زيارة المراكز المختصة للمساعدة كما وتشير إلى أهمية الانترنت في حياتنا حيث بإمكاننا ان نستفيد منه من خلال البحث عن مواقع متخصصة تشرح الكثير من الأفكار والنصائح حول طبيعة التربية السليمة.
تأثير العنف على الطفل
وعن أثر العنف على الطفل تقول: الطفل المعنف يشعر بالكآبة ويصاب بالتبول الليلي وقد يقول لمدرسته انه يخاف من العقاب ان علم أبوه أو أمه بانه يتبول، يكره ان يرجع إلى البيت وهنا تبدأ المدرسة بطرح الأسئلة على الطفل خاصة عندما يكون حزينا وتتغير طباعه ويبدي بعض القلق، ويصبح إنطوائيا وعنيفا منهم من يحتاج إلى علاج سلوكي معرفي ومنهم من يحتاج إلى علاج بالأدوية.
وهي توصي الأهل ان يتعاونوا مع هذه المراكز سواء الشرطة أو مراكز الخدمة الاجتماعية أو الطبيب وان يعتذروا ويتعهدوا بعدم تكرار الخطأ مرة أخرى أو التعرض للطفل بأذى أو مكروه، ويجب ان يطلبوا المساعدة ليتعلموا كيفية التحمل والتحكم في أعصابهم وبالتالي يحول الأب أو الأم إلى دورات علاجية للسيطرة على الغضب. أحيانا لا يكون الأب معنفا وقد يكون مهملا وحتى في هذه الحالة يؤخذ الطفل من أبويه لانه قد يعرضه للخطر. شاهدنا حالات مرعبة كطفل كل أسنانه مسوسة أو طفل عنده إنتفاخ في رأسه لأنه يقع باستمرار، هذا الإهمال عندما يتكرر أكثر من 3 مرات يؤخذ الطفل من بيته الذي من المفترض أن يؤمن له الحماية. ولابد من الإشارة إلى ان بعض الأطفال من ضحايا العنف المنزلي تعرضوا للعنف الجنسي وهذه جريمة بشعة يكون أبطالها للأسف الشديد الوالدان وهذا يتسبب بآثار نفسية من الصعوبة علاجها وبالتالي تدمر حياة الطفل ومستقبله.
وتنهي حديثها بالقول أنه لا عيب في السؤال ودائما هناك حلول من الجيران من الأصحاب من الأطباء أو من الأخصائيين الاجتماعيين، حيث ان سعادتك من سعادتهم. متمنية على كل الآباء ان يحترموا زوجاتهم لان الطفل عندما يرى أمه حزينة لن يكون سعيدا أبدا في حياته والعكس صحيح. ويجب ان تعامل المرأة زوجها بأدب واحترام وتتجنب الألفاظ البذيئة. نعمل على تقديم العون للجاليات المسلمة والعربية في هذا الخصوص فنحن نحتاج ان نتعلم الكثير حول تربية الطفل، الآباء يرفضون مناقشة مشاكلهم الأسرية ويجدون صعوبة في ذلك بينما الأمهات أكثر اهتماما لمعرفة المزيد عن التربية الصحيحة. في النهاية الطفل المعنف سوف يصبح عنيفا وقد يؤذي أهله وزوجته وأولاده، فالعنف لا يولد إلا العنف ورأينا ما حدث من خلال الثورات التي شهدتها بلادنا فالعنف يبدأ داخل الأسرة وينتشر إلى المجتمع ويصبح ظاهرة من الصعوبة السيطرة عليها في ظل الفوضى وإنعدام القانون.
وجدان الربيعي