■ لا إعلان حالة وسريان قوانين الطوارئ ولا تغليظات قانون أحمد الزند، يمكن أن تعني شيئا مفيدا في مكافحة الإرهاب، بل أنها قد تكون أقرب طريق إلى التهلكة والانزلاق إلى الجحيم.
قد يقولون لك إن تونس أعلنت الطوارئ لمدة ثلاثين يوما، وإنه لا بأس أن نقلد تونس، وأن يعلن الرئيس السيسي ـ كما فعل الرئيس السبسي ـ حالة الطوارئ، وقد تكون من ضرورات لإعلان الطوارئ بصفة موقوتة، وفي أحوال خاصة جدا، كما جرى في مناطق شمال شرق سيناء، وبالذات في مثلث الخطر شرق مدينة العريش، لكن هذه الأحوال ليست قائمة في مصر كلها، ومن ثم لا يوجد مبرر لإعلان الطوارئ، ولا مد حالتها الكئيبة من واحد بالمئة من مساحة البلد إلى مصر كلها، فشيء من هذا القبيل يضر أكثر مما ينفع، هذا إن وجد له نفع من الأصل، ومع ملاحظة أن إعلان الطوارئ المحدد المدة جدا في تونس، قد لا ينتهي إلى تحسن في الحالة الأمنية، ومن حق التونسيين أن يتصرفوا في بلادهم كما يشاؤون بالطبع، لكن تونس ليست مثالا يحتذى، وموارد الخطر الإرهابي فيها أوسع كثيرا مما عليه الحال في مصر، وحالة جيشها وجهازها الأمني لا تقارن بالوضع في مصر.
وقد سبق لمصر أن عاشت حالة طوارئ متصلة لثلاثين سنة، وهي السنوات نفسها التي نزلت فيها مصر إلى أسفل سافلين، وزاد فيها السعار الإرهابي، وجرت اغتيالات سياسية واسعة، أعقبت اغتيال الرئيس السادات، وشملت اغتيال رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب، وكان الرجل الثاني في سلم السلطة وقتها، كما جرت محاولات اغتيال أخرى، بعضها حقق هدفه كاغتيال المفكر الليبرالي فرج فودة، وبعضها لم يحقق الهدف كاملا، كما في محاولات اغتيال حسن أبو باشا وزير الداخلية الأسبق، ومكرم محمد أحمد نقيب الصحافيين الأسبق، والروائي الأشهر الراحل نجيب محفوظ، بل جرت محاولات عديدة لاغتيال حسني مبارك نفسه، ولم تمنع الطوارئ حدوث الاغتيالات ولا عمليات الإرهاب الكبرى والصغرى، ولم يتوقف الإرهاب في وادي النيل إلا في نهايات عام 1997، مع حادث الأقصر الشنيع، وإن تواترت بعدها عمليات إرهاب أخرى جنوب سيناء بين عامي 2004 و2006، وبدون أن يكون لحالة الطوارئ أي دور إيجابي، فقد توقف الإرهاب مع ضعف وإنهاك الجماعات المسلحة وقتها، ومع رفعها رايات الاستسلام، بما سمته «المراجعات الفكرية». في حين أدى السريان المتصل لحالة الطوارئ إلى إعدام الدستور القائم وقتها، وإلى جعل «الطوارئ» دستورا دائما، وإلى إماتة السياسة، وإلى خلق البيئة المثالية لتضخم جماعات يمين ديني إدعت المسالمة، وسيطرت على مفاصل المجتمع كله، في نقابات الطبقة الوسطى، وفي مدن وقرى وعشوائيات الفقر والبطالة والتعاسة، واستفادت من «ثنائية البؤس واليأس»، التي صاحبت الفرض المستديم لحالة الطوارئ، وخاطبت «اليأس» العام كجمعية دينية، ثم خاطبت «البؤس» كجمعية خيرية، وتقاسمت السلطان مع سلطة الطوارئ، فبينما جلس مبارك وجماعته على كرسي السلطة الرسمية، جلس اليمين الديني على كرسى السلطة الاجتماعية، وجاء أوان انفجار المخبوء من قيح وعفن بعد ثورة خلع مبارك، وأفصحت جماعات اليمين الديني عن هويتها الحقيقية، وخاضت الاستفتاءات والانتخابات كغزوات باسم الله، ثم تطور معنى الغزو إلى صفته المسلحة المباشرة بعد إزاحة حكم الإخوان شعبيا، وجرى ويجري ما نعرفه من «إرهاب متطور» همجي وحشي لا يقاس إليه إرهاب الثمانينيات والتسعينيات البدائي.
والذين يريدون إعادة فرض الطوارئ الآن، وتصويرها كحل ناجز للإرهاب الجديد، هؤلاء يفتشون في الدفاتر القديمة، ويريدون خداع الرأى العام، وإزاغة بصره عن مكمن الداء، ففرض الطوارئ مشكلة وليس حلا، بل هو جوهر المشكلة التي خلقت الأزمة الراهنة في مصر، وشلت قدرة المجتمع على الحركة، وأقعدت فعل السياسة فيه، وتركت الجهاز الأمني عاريا من العطف الشعبي، فقد لا ينكر أحد دور الجهاز الأمني في مواجهة خطر الإرهاب، لكن مشكلة الجهاز الأمني ليست في ضعف ولا طراوة القوانين العادية السارية، وهي مغلظة بأكثر من قوانين الطوارئ نفسها، لكن مشكلة الجهاز الأمني في مكان آخر، مشكلته في ضعف حرفيته وكفاءته، فالحرب ضد الإرهاب حرب معلومات بالأساس، حرب معلومة ومعرفة ومقدرة على التوقع والإنذار المبكر، حرب إجهاض مسبق، وكشف مسبق لتنظيمات وخلايا الإرهاب، حرب وقاية من الخطر لا انتظار لوقوعه، وهو ما يعني ـ ببساطة ـ ضرورة تطوير كفاءة وحرفية الجهاز الأمني، ومضاعفة اعتماده على التكنولوجيا الحديثة، فلدينا أقوى جيوش المنطقة وأقوى أجهزتها الأمنية، لكن قوة السلاح وحدها لا تكفي، وقوة اليقظة والمعرفة وسرعة الحركة أكثر أهمية بمراحل، والمطلوب إنهاء ترهل الجهاز الأمنى، وتطهيره من اختراقات واسعة جرت عليه، وتطهيره من قيادات عاجزة وفاسدة وعتيقة الطراز، ثم تحسين صلة الجهاز الأمنى بالناس، وإنهاء كافة صنوف الرشاوى والتغولات والانحرافات، وإنهاء إساءة معاملة المواطنين في الشارع وأقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز والسجون، فكسب ثقة الشعب هو العنصر الحاسم ـ بعد المعلومات الدقيقة ـ في الحروب ضد الإرهاب، وجعل الناس بيئة حاضنة إيجابية هو أقوى سلاح لهزيمة الإرهاب، وهو ما تلزمه إجراءات أخرى فوق طاقة أجهزة الأمن، وتتعلق بالسياسة المسؤول عنها رئيس الجمهورية نفسه، فالحروب ضد الإرهاب لا تعني قمعا عشوائيا أعمى، يخلط العاطل بالباطل، ودقة المعلومات قد تفيد في تقييد وحصر دوائر الاشتباه، لكن رشد السياسة يبدو هنا أهم، ففي سجوننا الآن عشرات الآلاف من المحتجزين، وثمة مظالم هائلة اعترف بها الرئيس السيسي نفسه، وتعهد بإخلاء سبيل المظلومين، وهو تعهد لم ينفذ إلا في حالات لا تزيد عن بضع مئات، والمطلوب قرار سياسي بإخلاء سبيل فوري لكل غير المتهمين أو المدانين في قضايا عنف وإرهاب مباشر، وهو إجراء من شأنه تفكيك جوانب كبيرة من الاحتقان الســـياسي، وتوسيع نطاق الجبهة الشعبية المناهضة للإرهاب، وحفز المجتمع على الدعم الطوعي لعمل الجيش والأجهزة الأمنية، وعلى العكس تماما من فرض حالة الطوارئ، الذي يميت حيوية المجتمع، ويترك جهاز الأمن وحيدا في وضع المتهم بالقمع والعداوة لحريات الناس المدنية والسياسية.
وما يسمى «قانون مكافحة الإرهاب» ـ لصاحبه أحمد الزند وزير العدل ـ عمل ضال تماما كفرض حالة الطوارئ، وقد عرّف القانون المذكور فعل الإرهاب بأنه الخروج عن الدستور، وهو وصف ينطبق تماما على الكثير من مواد القانون نفسه، فهو عمل إرهابي محض، لا يكافح الإرهاب، بل يكافح الدستور، ويخدع الرأي العام بإيحاءات زائفة لا أصل لها، ففوق افتئات القانون على الصحافة والإعلام، وإهداره لضمانات إلغاء حبس الصحافيين المنصوص عليها في الدستور، وتلك مصيبة صارت معروفة للكافة، ودار بشأنها جدال كثير، بينما المسكوت عنه أخطر بمراحل، فالقانون يصور للناس أنه يسهل ويسرع تنفيذ أحكام إعدام مرسي وقيادات جماعة الإخوان، وهذه فرية عظيمة، فرحت بها دعاية الإخوان، وإلى حد إشاعة توقعات مفبركة عن تنفيذ حكم إعدام مرسي بعد عيد الفطر مباشرة، بينما لا شيء من ذلك حدث، أو يحدث، أو من المتوقع أن يحدث قريبا، ولسبب غاية في البساطة، هو أن القانون المعروف باسم «مكافحة الإرهاب» لن تسرى نصوصه على المحاكمات التي جرت أو تجري أو أحيلت قبل أن يصدر القانون الجديد، فالقاعدة العامة هي أن القوانين الجنائية الجديدة لا تسري بأثر رجعي، وهو ما يعني أن محاكمات مرسي وجماعته سوف تستمر طويلا، كما كان عليه الأمر من قبل، وأن محكمة النقض سوف تلغي ـ في الغالب ـ أحكام الإعدام الصادرة بحق مرسي وقيادات جماعته، وبديهي أن أحكام الإعدام لا تنفذ ما لم تكن باتة ونهائية وصادرة عن محكمة النقض لا عن غيرها، والدستور المصري حاسم قاطع صريح في نصوصه، فالمادة (225) من الدستور تقول بالنص «تنشر القوانين في الجريدة الرسمية خلال خمسة عشر يوما من تاريخ إصدارها. ويعمل بها بعد ثلاثين يوما من اليوم التالي لتاريخ نشرها»، وتضيف المادة ذاتها أنه «لا تسري أحكام القوانين إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها»، أي أن تغليظات قانون الزند لا تسري على محاكمات مرسي وقيادات الإخوان، ثم أنها تعطيهم هدية ثمينة مضافة، وهي حق هيئات دفاعهم في الطعن بعدم الدستورية على تغليظات قانون الزند، وعبثها بالنظام القضائي المدني، وبالذات في مواد تقصير الإجراءات الجنائية لو جرى تطبيقها لاحقا، خاصة أنها تمت بصورة انتقائية مخالفة لمعاني النزاهة والمساواة والتجريد في التشريعات، والمحصلة، أن قانون الزند يفيد الإرهاب ولا يكافحه، وأنه لا فرصة قريبة لتنفيذ أحكام إعدام إلا إذا صدرت عن القضاء العسكري، بينما مرسي وقيادات جماعته يحاكمون أمام القضاء المدني.
وبالجملة، تبدو قضية الإرهاب في حاجة إلى معالجات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية أوسع وأفيد من فرض الطوارئ العامة أو طوارئ الزند، وإن أردتم حربا ناجحة ضد الإرهاب، فحاربوا الفساد أولا، وتلك قصة أخرى على أي حال.
٭ كاتب مصري
عبد الحليم قنديل