الطيب العيدي يقارب المفاهيم التشكيلية بالسيولة الحروفية واللونية

حجم الخط
1

الرباط ـ محمد البندوري: التقنيات العالية للفنان التشكيلي الجزائري الطيب العيدي تقوده إلى الانكباب بروحانية وعلم في لب التراث الحضاري العربي الإسلامي، حيث تتبدى أعماله الرائدة والغنية في مجال الحروفيات وفن الخط العربي قوية حابلة بالمعاني والدلالات، لأن الطيب العيدي طبع مجال الفن التشكيلي بإيقاع الحروفيات والزخارف والمنمنمات العربية الأصيلة بامتزاج الخطوط العربية بأساليب فن التشكيل المعاصر، مرتكزا على علامات خطية وأشكال دائرية وألوان من جنس ألوانها مقابلة لبعضها، إنها ثنائية تبدأ من عملية البناء الفضائي وتفضي إلى مسلك إبداعي بديع، بثنائية تسبح في المثل والقيم التي يكشف عنها المنحى الدلالي.
إن أعمال الطيب العيدي في مجملها تحكمها التقنيات العالية والمؤهلات الكبيرة، ويحكمها الالتزام بالضوابط الجمالية للحروفية العربية. يفصح عن ذلك التركيب اللوني المدجج بالحروفيات المقيدة باللوازم الفنية المعاصرة، خصوصا في الخط الديواني، وهو ما يؤشر إلى أن المبدع يتجاوز التقاليد ويسبح في التشكيل الخطي في الفضاء بحرية مدروسة، ويلتزم بالضوابط المعاصرة التي تفي للخط العربي بالروح الجمالية والمواكبة الإبداعية والضوابط القيمية والأسس البنائية، ما ينم عن وعي الفنان الطيب العيدي بمختلف وضعيات الحروفية العربية وما تنطوي عليه من جماليات. لذلك وغيره؛ فهو يطوع الحروف للألوان والأشكال، ويطوع الألوان للخدمة الحروفية، ويؤلف جملة من التناسقات بين الأشكال والخطوط وبين المادة التشكيلية المعاصرة، بل يطلق العنان للحرف ليسبح بتلقائية في فضاء تشكيلي غير محدود، وبذلك يطرح عمله ضمن سياقات تعبيرية متجددة، تتجاوز المجال الكلاسيكي إلى المجال التشكيلي التعبيري الحروفي المعاصر. ولعل التوظيف الزخمي المعقلن للألوان الممزوجة بالأشكال التعبيرية والرمزية والعلاماتية ذات المعالم الإيحائية، تمنح أعماله مقاربة مفاهيمية تؤطرها السيولة اللونية باعتمادات الدوائر وأنصاف الدوائر على مستوى اللون وعلى مستوى أشكال الحروف، وتستحوذ على معظم الفضاء، ويغلب عليها التنوع، بتركيبات فنية وجمالية تتناغم وتتوالف وتنسجم فيها كل مقومات العمل الحروفي الإبداعي، الذي يوحي بالحركة ويبعث صدى موسيقاه في أشكال جديدة، تتمظهر بعمق ونوعية في الرؤية التشكيلية المعاصرة للفنان ذاته، وفي وضع عناصر العمل بألوان منسجمة، وبطبقات خفيفة وأشكال متعددة فارقة، وكتل لونية منزوية في خانات شكلية، بصياغة وتنغيم ونظم منسجم مع كل المكونات الجوهرية، تحرك تلك الكتل عبر مساحات متقاطعة بكتل أخرى، وبذلك تتبدى لوحات الفنان الطيب العيدي انعكاسا تراثيا حضاريا يختزل العديد من المعالم، ويبث مجموعة من القيم بتقنيات عالية، بانسيابية وانطباعية مؤطرة، على نحو من التروي والدقة والموازنة، بين المادة التراثية القوية، والأصناف التعبيرية، والأشكال والألوان والعلامات التي تشكل في غالبها جماليات ليست محدودة، وأسا يزاوج بين الخيال وواقعية المادة التشكيلية. الأمر الذي يستقطب عين القارئ ويبحر بها في تلك الجماليات التشكيلية.
إنه الأسلوب المميز للفنان الحروفي الطيب العيدي وطريقته في التعبير، لرصد القيمة التشكيلية كملمس رؤيوي يوحي بأبعاد جمالية ومضامين دلالية قوية، تجعله يتوغل في أعماق المفاهيم والقيم التي يبني عليها منجزه التشكيلي الحروفي، ويثير بواسطتها المضمون، بعفوية وتقنية مغايرة تتوخى التجانس بين كل العناصر البنائية.
إن الأسلوب الإبداعي للفنان الطيب العيدي، يتغيا مجموعة من العلاقات التجاورية، والأشكال التعبيرية، والتداخلات الشكلية، والاستعمالات اللونية المتنوعة، التي يسعى من خلالها بناء مجاله التشكيلي الحروفي الخصب، وأسلوبه الخاص، علما بأن أعماله الإبداعية تشكل انزياحا عن المألوف، وانصهارا في التعبير وفق مفردات جمالية رائقة، وهو ما يعد عاملا قويا نحو التجديد والابتكار، خصوصا أنه يحول الأشكال والعلامات والحروفيات داخل الفضاء اللوني وفق وهج فني متعدد الدلالات. وهو إنجاز يمتح من التعبير بالثنائيات، وينم عن تجربة عالمة من حيث عمليات التوظيف الضوئي والحروفي والعلاماتي، وأيضا من حيث تدبير المجال الجمالي فيما يخص تناسق الألوان وشكلية مزج الحروفيات والدوائر وأشكال الحروف الدائرية وفق رموز وعلامات أيقونية تروم التجاور والتمازج والتماسك، مما يصنع التوازن بين كل العناصر المكونة لأعماله، وينتج التنغيم والتباين والتكامل والانسجام. إنه مسلك تعبيري يتخطى الجاهز ويروم أسلوبا يتفاعل مع أنساق لونية مختلفة ومتباينة بتوظيفات خاصة، وبوعي ووجدانية وحروفية إيحائية، تدعم القوة التعبيرية المعاصرة. مما يعطي انطباعا بأن الفنان الطيب العيدي يعمل وفق تصورات ورؤى مركزية، يوزعها وفق طريقته المحكمة التي تفصل بين ما هو كلاسيكي وما هو معاصر.

الطيب العيدي يقارب المفاهيم التشكيلية بالسيولة الحروفية واللونية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية