باريس ـ «القدس العربي» من صهيب أيوب: في كتاب يتحدى الإسمنت، أصدرت دار نشر «آكت سود» بالتعاون مع «المطبعة الوطنية» في باريس، كتاباً يحمل عنواناً بسيطاً، لكنه كثير الدلالات: «عمارات الطين في غرب أفريقيا». وهو أشبه باحتواء رمزي، لتأريخ الظرف المعماري ومكوناته في منطقة عاشت الاستعمار والحروب، وبقيت خاضعة لمرتكزات عيش شبه بدائي. مرتكزا على نماذج عمارية، لم يولها الباحثون اهتماماً، لاعتبارها إرث عمارة «متوحشة».
اللحظة الأولى من تصفح الكتاب، تبدو مذهلة، فليست الصور الآتية من مالي وموريتانيا والمغرب والجزائر وتونس، بإشراكها جميعاً، في نمط توثيقي واحد، إلا إيغالا في فكرة تحدي الإسمنت الظاهر في حياتنا الحديثة على أنه مأوى الحياة ولبسها. ففي أيامنا هذه، ومع تسلط أنماط عمارية، يؤسس الإسمنت والزجاج والتركيب الحديدي، أجزاءها، يتجاوز الكتاب فعل التوثيق، ليقول ما هو أبعد أيضاً من النوستالجيا والتذكر، وأيضاً فكرة «الخطر والتهديد» في العصرنة المعاشة. لا سيما المخاطر البيئية ومستقبلها في ظل الاستهلاك البشري. فهو يحاول وضعنا في القارة السوداء، باستخدام بصري وبنص حافل بالدقة والمعلومة والوصف.
فبين دفتي الكتاب صور التقطتها عدستا مصورين فوتوغرافيين، (جان ميشال رواز، وسيسيل تريال)، لديهما شهرة عالمية، ولهما إصدارات منتشرة في مكتبات العالم، حول المغرب، كدولة ومجتمع وأفراد، حيث وثقا العديد من أساليب العيش والنوع في صور تظهر مكونات المغرب الإثنية والدينية والثقافية. والكتاب، يبدو، تمجيدا للعمارة الطينية، بمعناها التقني والرمزي واستخدامها في بيئات غرب أفريقيا، وتأثيرها على أطباع ساكنيها.
ويستذكر الكتاب، تاريخ العمارة الطينية، وتنوعها، فهناك العمارة التي اعتمدت على شي الطين، وتلك التي تبقيه تحت أشعة الشمس ليجف، حيث يتناول الكتاب هذا النوع من الطين، الذي اسقط عمليا من اهتمام الباحثين، إذ اعتبروه «عمارة الفقراء»، وطينهم. ويوضح الكتاب أن هذا النوع من الاستخدام خلق أشكالا ونماذج معمارية ساحرة، ولم تكن معروفة من ذي قبل. وساعد هذا النوع، كما يوضح الكتاب، السكان على حلّ مشكلات كثيرة كانت تواجههم في حياتهم اليومية، حيث أنه وفر لهم المال والقدرة، وأتاح لهم المجال للتعبير عن رموزهم وتفاصيل حيواتهم بأقل كلفة ووفق ميزات العمارة الجمالية والروحية وأيضاً الاقتصادية منها.
والنص الذي كتبه عالم الإنثروبولجيا جان كولين، يستمهل الصور أو على الأقل يوقفها، للتوجيه والاستدلال. وكأنه صورتها الجلية ومعناها المختبئ. وكولين، الذي يشتهر بعمله البحثي، خصوصاً بعد كتابته كراسات طويلة عن مالي، وتعامله أيضاً مع المادة المصورة، في أفلام وثائقية، اعتمدت على الحياة في أفريقيا كمادة خام لها، استطاع في هذا النص ترسيخ منهجية متحمسة، للاكتشاف والبحث، عن ماهية عوالم «الطين»، ومعناها الإنثروبولوجي وتأثير العمارة في سلوك الأفراد.
ويولي الكتاب أهمية كبيرة للزخارف، التي استخدمت في غرب أفريقيا، وهي زخارف استوحاها السكان من الطبيعة نفسها. فهناك حضور قوي لزخارف هندسية تأخذ شكل النباتات أو الغرس أو الشجر أو الهضاب والجبال والتلال. ويظهر الكتاب، تضافر جهود العائلة وأفرادها في البناء، حيث ينجزون بيتهم (مأواهم)، بأيديهم ويرسمون زخارفهم التي تعنيهم، ووفق موروثات دينية وإثنية آتية من الأجداد.
ويجمع الكتاب نماذج كثيرة، بين دفتيه، لا سيما «الجامع الكبير» في جني (مالي)، وهو أكبر مبنى من الطين المجفف تحت أشعة الشمس في العالم، وهو مسجل على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو. ويعرج الكتاب على عمارات تونس، خصوصا، عمارة قرية شنيني، ومنازل جبال الأطلس في المغرب ومزارات الصوفيين في واحات الصحراء الجزائرية.