العائلة اللبنانية بين تحديات الأوضاع الإقتصادية والاجتماعية ومخاطر التفكك

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: ممّا لا شَكَّ فيه أَنَّ الأسرة اللبنانية التي تواجه في أَيامِنَا هذه تحديّات سياسية واقتصاديّة وَضُغوطاً اجتِماعيّة تَحتاجُ إلى المزيد من العناية والرعاية عبر تأمين شبكة أمان حقيقية لها من خلال مدّ يد العون لها وإغاثة العائلات التي تمرّ بضيقٍ وعوز ولاسيّما العائلات التي تفتقر إلى العَمَلِ أَوِ المَسكَن والعائلاتِ التي تُعاني مِن عَدَمِ القُدرَةِ على التَعليمِ وَالطبابة والاستشفاء والعائلات المُهَدَّدَة بِالتَفَكُّكِ والتَفرِقَةِ لأَسبابٍ عَديدَة. هذا ما استخلصناه خلال جولتنا السريعة على عددٍ من العائلات التي التقيناها والتي دقّت ناقوس الخطر مطالبةً الدولة والوزارات والهيئات والجمعيات المختّصة بالالتفات نحوها لتقيها مخاطر عدةّ أهمها الطلاق بين الزوجين وتشّرد الأولاد والهجرة بسبب البطالة والانحراف نحو آفاتٍ خطرة منها المخدّرات والميسر وسواها.
عماد خضرا ربّ أسرة مؤّلفة من أربعة أولاد، يعمل في شركة خاصة براتب لا يتجاوز 1500 دولار وهو يولي أهمية خاصة لتعليم أولاده، لأنّ العلم هو سلاحهم الوحيد في المستقبل. ولفت إلى انّه تعذّر عليه وضعهم في مدرسة خاصة نظراً للأقساط الباهظة التي سيتكبدها، من هنا قرّر وضعهم في مدرسة رسمية ليخفّف عنه أعباء مالية باهظة وبذلك يمكنه أن يؤّمن لأولاده حياة طبيعية.
أما نجاة الحصري فهي تخشى على ابنها الوحيد جاد 22 سنة من الهجرة بسبب تقّلص فرص العمل، وتقول أنها عملت مع زوجها ليتّمكن «جاد» من تحصيل علمه غير أنّه لا يجد فرصة للعمل، من هنا يفّكر جدّياً في السفر وهذا ما لا ترضاه لانها لا تحبّ منه الإبتعاد عنها، هي التي حرمت نفسها في كثير من الأحيان من رفاهية العيش من أجل أن تؤمن له مستقبلاً أفضل.
عائلة «خير الدين» ليست في أفضل حال، فوضعها مهدًّد في حال خسر معيلها الوحيد عمله بسبب الأزمة الاقتصادية التي تجبر شركات ومؤسسات إلى التخفيف من عمالتها أو استبدالها بيد عاملة أخرى بأقل راتب وذلك لضمان استمرارية عملها. من هنا طالبت الدولة بحزم أمرها وتأمين الطبابة والاستشفاء والتعليم للجميع.
«القلة توّلد النقار» قول مأثور ينطبق على واقع الحال للأسرة اللبنانية التي تشهد خلافات وصراعات بين الزوجين بسبب المتّطلبات التي لا قدرة للطرفين على تأمينها فتوّلد مشاكل تنتهي بالطلاق بين الأزواج وتتفكك العائلة وينفصل الإخوة عن بعضهم البعض هذا ما أكّده لنا عبدالله حجّار الذي ردّ على سؤالنا، حول مدى تماسك العائلة في الماضي على الرغم من صعوبة العيش في ذلك الوقت؟ فأكدّ انّ عائلاتنا تتعرّض اليوم إلى مخاطر جمّة وصعبة على عكس عائلات الأمس التي كانت تعيش في مجتمع ضيّق ومحصور، لافتاً في الوقت عينه إلى أنّ انفتاح العالم على بعضه البعض من خلال العولمة ترك آثاره السلبية على العائلة في هذا العصر نتيجة الانفتاح الذي أدّى إلى تضارب القيم الأساسيّة للشخص الذي أصبح ضائعاً وحائراً ما بين الصّح والغلط، وما بين الذي يتبّناه والذي يرفضه كقيم التضحية والإخلاص والالتزام مدى الحياة بالعلاقة الزوجية فضلاً عن استباحة وسائل الاتصال الإجتماعيّ خصوصيّة العائلات التي حرمتها في كثير من الأحيان فرحة اللقاء والإجتماع والتحدّث مع بعضها وإلى زيادة العزلة والتنافر بين أفراد العائلة الواحدة، الأمر الذي أفقدها قدراً كبيراً من تماسكها ووحدتها وجعلها عرضة للمشاكل والتفككّ. ووجد أنّ أبرز مساوىء التعامل مع وسائل التكنولوجيا يكمن في زعزعة علاقة الأبناء بوالديهم وانتشار الأمراض النفسية ولاسيما منها الاكتئاب والعزلة وقلّة قابلية الشخص لقيم المجتمع.
إلى ذلك اعتبرت حنان مسعود أنّ الأسرة تواجه حالياً مخاطر عدّة خارجية وداخلية ومن أهم المخاطر الداخلية: غياب اللُّحمة بين أفراد الأسرة الواحدة كما عَهِدنا في الماضي، حيث كانت تجمع بين أفرادها وحدة الأهداف والمصير والتكافل والتضامن. فلقد أصبحت «الانا» عند الأفراد تطغى على «نحن» وهذا خطر يهدّد الكيان الواحد للأسرة التي تنبثق عنها وحدة وجسد الأمة. أمّا المخاطر الخارجية فتكمن في المطالبة بتشريع الزواج المدني والزواج المختلط بين الطوائف تحت عناوين زائفة مثل الوحدة الوطنية، ما يتّطلب منّا ومن كل المهتمين تماسك أسرنا ونشرَ الوعي بين الشباب حتى لا ينجرّوا وراء العناوين البراقة على حدّ قولها.
وتمنّت أميرة سيف الدين على أولادها السفر إلى الخارج لأنّ الهجرة أصبحت ضرورة اقتصادية في أيامنا هذه. ولفتت إلى حالات مأساوية يتعّرض لها شبابنا بسسب البطالة المستشرية وعدم قدرتهم على شراء منزل، الأمر الذي يدفعهم إلى اليأس والإنحراف نحو آفة المخدرات.
وختاماً لا بدّ من القول إنّ لبنان وعلى الرغم مّما يحيط به من أوضاع صعبة فهو يقّدس العائلة ويعتبرها ركناً أساسيًّا يجب مساعدتها ورعايتها للحفاظ عليها ومن هنا ينبغي وضع استراتيجيات لدعم الأسر التي هي أكثر حاجة عبر إطلاق مُبادَراتٍ وَمَشاريعَ- مَهما كانَت صَغيرَة أو كَبيرَة- من شأنها أن تُساعِدُ على تَضميدِ الجِراحات وَتَلبِيَةِ الحاجاتِ وَخَلقِ المناخات المُؤاتِيَة لِلعَونِ وَالمُساعَدَة.

ناديا الياس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية