العالم العربي: جدلية الربيع والديكتاتورية مجرد وهم

حجم الخط
0

لقد أعاد الربيع العربي للأذهان طرحا جدليا حول «أفضلية» فترة حكم النظام الكلياني الاستبدادي من الفترة التي لحقته و ذلك جراء انهيار الأوضاع الأمنية و الاقتصادية و السياسية و تأزم الوضع الاجتماعي في بلدان الربيع ( تونس، ليبيا، مصر ).
بيد أن التاريخ يحمل في طياته تغييرات جذرية و عميقة دورية ارتبطت بسنة التجدد و الولادة و من يسوق لفكرة « الحنين» للسابق لا يمكن الا اعتبار ذلك من قبيل مساومة الحرية و حق تقرير المصير بالأمن و الاستعمار و الاستبداد مرة أخرى منتجا معادا على نفس الشاكلة القديمة.
الديكتاتور العربي رغم الدروس الكثيرة التي مرت عليه، مازال حبيس أوهامه وسجين تخيلاته، وبأنه الوحيد القادر على قيادة الوطن والمحافظة عليه، مع أن الواقع يثبت العكس، ويقول إن هـــؤلاء الحكام هم الخطر بعينه على استقلال الأوطان ووحدتها، ومن يتجول في ثنايا جغرافية الوطن العربي هذه الأيام يرى حجم الـكارثة التي خلّفـــها الحكم المطلق على الشعب العربي وأوطانه، فمظاهر القتل والاحتراب الأهلي والدمار هي بسبب الطغيان الذي يقهر الإنسان ويهدر كرامته.
وبما أن التغيير سنة كونية يخضع لها الأفراد والجماعات والدول، وتأخرها هو مرض يصيب الجسد المجتمعي وكيان الدولة بمقتل، ومع مرور الزمن يفقد المجتمع مناعته ومقاومته للاستبداد والظلم، ويصبح مجتمعا لديه القابلية للخضوع والركون، وبالموازاة مع ذلك تزداد قوة الحاكم فتتضخم أناه، ويصبح لا يرى إلا نفسه، نتيجة لذلك يطلب المزيد من السلطات حتى يستولي على كل شيء، فيقول للشعب “أنا الوطن.. أنا الأخ الأكبر”. وحتى يبقى هذا الديكتاتور مسيطرا على عقول الناس وقلوبهم يحيط نفسه بمجموعة من الأساطير التي يمكن دحضها بكل سهولة، ولكن تكرارها على مسامع الشعب تصبح لدى المتلقي من المسلّمات، يصعب اقتلاعها من ذوي العقول الضعيفة، ومن تلك الأساطير:
– أسطورة الأمن والاستقرار: يحاول الديكتاتور ربط الأمن والاستقرار بذاته، ويصور أية محاولة لتغيير الوضع القائم على أنها خطر على كيان الوطن ومستقبل الشعب، وبما أن الشعب يريد العيش في كنف الأمن والاستقرار، فبمجرد تخويفه يتنازل عن حقوقه المشروعة ومتطلباته الأساسية، لذلك يستغل الديكتاتور هذه العلاقة الجدلية بين الأمن والخوف والإنسان من أجل بسط نفوذه وتقوية سلطانه.
– أسطورة المؤامرة الكونية: بما أن الديكتاتور لديه حساسية مفرطة تجاه الحرية والديمقراطية، فهو يربطها بالخارج ويعتبرها مؤامرة خارجية تستهدف كيان الدولة، وأية محاولة من طرف الخيرين من أجل نشر هذه المبادئ لخدمة أوطانهم تجد أمامها آلة التخوين والعمالة، لأن الحرية تحرر الشعب، فيصبح له الحق في النقد والمطالبة بالحقوق، والديمقراطية تقوض سلطة الديكتاتور.
– أسطورة الإنجازات: يسوّق الحاكم لإنجازاته، وكأنها فعل خير يشكر عليه من طرف الشعب في السر والعلن، وأية محاولة من طرف الشعب للمعارضة فمآل هذه الإنجازات إلى الخراب والدمار حسب قوله، وهنا أريد فتـــح قوس لكي أبين الفرق بين الإنجاز والواجب حـــتى أدفع الالتباس، فإنشاء مدرسة أو مستشفى أو جامعة أو ربط القرى والمدن بالطرقات وغيرها.. هذه المنشآت ليست إنجـــازات يستحــق الحاكم الشكر والثناء من أجل بنائها وتشـــييدها، بل هي واجبات الدولة تجاه مواطنيها، أما تشييد مصنع من أجل خلق الثروة وزيادة المداخيل ومحاولة التقليل من فاتورة الغذاء والدواء ببناء قاعدة صناعية وزراعية لكي تتحرر الدولة من التبعية للآخر، فيعد هذا الأمر إنجازا، ويستحق لأجله الشكر ورفع القبعة.
– أسطورة تعلق الشعب به: يصر الحاكم العربي على أن علاقته بشعبه هي علاقة حب، وصلت حد تعلق الابن بأبيه (علاقة أبوية)، ودليله على ذلك قلة المعترضين والرافضين لسياسته، وهذه القلة هي مجموعة من المشاغبين تحاول تعكير الجو العام وإفساده، بإثارة الفتن والقلاقل، كما أن الشعب يقف دائما ضد رحيله وذهابه، ويطالبه بمواصلة مسيرة الحكم، ولكن رغم هذا الحب إلا أن تاريخ الاستحقاقات الانتخابية لتجديد الثقة فيه كلها مزورة، ولا تعبر عن الحب الكبير، ولا تعكس اختيارات الشعب.
– أسطورة محاربة التطرف: من بين الأساطير التي دخلت قاموس التسويق الإعلامي وهْمُ محاربة التطرف، والهدف منه خارجي، لأن أبسط مواطن يدرك أن التطرف هو نتاج السلطة المطلقة والظلم السياسي والاجتماعي، ولأن الغرب مهموم بمحاربة التطرف الديني منذ بداية الألفية الجديدة، خاصة بعد أحداث سبتمبر 2001، فالحاكم العربي يقوم بتخويف الغرب بأنه إذا رحل عن السلطة ستؤول إلى المتطرفين.. هكذا يسوّق الأسد نفسه بأنه يقود معركة ضد التطرف الإسلامي نيابة عن المنطقة والعالم.
– خرافة الديمقراطية والانتخابات: ولأن الديكتاتور لا يعترف بوجود شعب له حقوقه الطبيعية والمكتسبة، فكل ما يقوم به من بناء مؤسسات ديمقراطية كالبرلمان، والسماح بتعدد الأحزاب، وإجراء انتخابات هو عملية تزيينيه فقط، الهدف هو إرضاء الغرب، لأن محصلة كل هذا هي انتخابات مزورة وبرلمان على المقاس، ومعارضة شكلية، ودستور مكتوب على الورق لا أثر له في حياة المواطن.
يقدم الديكتاتور نفسه أيضا بأنه منقذ الدولة من التقسيم والتفتيت، لأن الشعب العربي عبارة عن قوميات وطوائف، وشعب هكذا حاله لا يستقيم أمره في حقيقة الأمر بالوسائل الحضارية كالقانون والديمقراطية والتعددية الحزبية، بل يحتاج إلى العصا الغليظة لكي يخاف ولا يتجاسر على قول «لا»، لذلك تجد هؤلاء الحكام يعيرون الشعوب هذه الأيام، ويقولون لهم: تريدون الديمقراطية وتحبون الحرية، فانظروا إلى الديمقراطية ماذا صنعت بالسوريين، وإلى الحرية ماذا جلبت لليبيــــين واليمنيين، ألم تقسم هذه الديمقراطية الشعب الواحد إلى طــــوائف وشيع في العراق، وينسون أو يتناسون أن الطــغيان هو الذي أسكت مطالب الأقليات وقتل صوتها، وعنــدما وجدت متنفسا للكلام طالبت بحقوقها وألحت على اختلافها. الحاكم العربي يصور نفسه من خلال هذه الأساطير بأنه هو الأول والآخر، والمبتدأ والخبر، وهو مصدر الأمن، وصاحب النعم، ومحارب الفتن.

٭ صحفية من تونس

رزان الحامي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية