يمثل موضوع التصوف سؤالا محرجا وجوهريا، من حيث إنه يثير جدلا مستمرا حول الوجود المتأرجح بين ظواهر العالم الخارجي وتوترات العمق النفسي، أي بين الإغراء والتعفف، وحسب هذا المعنى راح التصوف يبني رؤية الواقع الداخلي ليقارع به طوارئ العالم الخارجي، وخلال هذا المسار المتدافع من الداخل نحو الخارج، تبلورت المنظومة المعرفية والسلوكية للذات الصوفية الفاعلة والمتجلية بكل إخفاقاتها وانتصاراتها.
ضمن هذا المسعى الحفري في نسق «المدارج» ينطرح سؤال التصوف، ولماذا يحتاج العالم المتأزم إلى «مدارج» الهجرة من الداخل صوب الخارج؟
انبثاق الذات/ أزمة النسق:
يمكن الإجابة على السؤال السابق ضمن ما نحتاجه من لباقة روحية لإعادة ترتيب أشياء العالم وفق معطيات الداخل الإنساني، على أساس إن التصوف «يزيد فيه العنصر الفردي على العنصر الاجتماعي»، أي الانطلاق من الذات الجوانية لمحاولة فهم العالم.
هذا الموقف يكشف حالة أزموية يعيشها الراهن، ولعل مسار العقل في إنتاجياته الفكرية يضع المرحلة أمام رهان التجاوز، كما حدث في منتصف تسعينيات القرن الماضي، حينما شهد الواقع الغربي عودة كثيفة إلى الفلسفة ـ والتصوف يشكل مبحثا من مباحثها ـ ومن مؤشرات ذلك:
أولا: «الحدث الروائي صنعته رواية فلسفية نرويجية» بعنوان «عالم صوفي» لجوستاين غاردر، وهي رواية نرويجية في تاريخ الفلسفة، نشرت عام 1991، وترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة، تظهر فيها الشخصية الرئيسة صوفي أمندسن متوترة، تفتح صندوق بريدها لتجد رسالتين غامضتين، إحداهما فيها سؤالان «من أنت» و «من أين جاء العالم».
ثانيا: «ارتفاع مبيعات الكتاب الفلسفي» ومن ثم شيوع سؤال لماذا أصبحت الفلسفة شعبية؟
ثالثا: اختارت الوكالة الفضائية «ناسا» مشروعها للقرون المقبلة تحت شعار «البحث عن أصول الحياة والكون».
تكشف هذه العناصر عن أن أزمة الإنسان التي تتعلق أساسا بعدم تأسيس الفهم للكينونة، ومن ثمة راح يبحث عن أشكال أخرى تستبطن الذات وتختلف في رؤيتها للعالم، لأن الفهم الذي يتم به إدراك الذات «لا يقتصر على سلوك وتصرف اتجاه موضوعات المعرفة، ولكنه الوجود في العالم نفسه (الدازين)». والمقصود بالدازين هو الموجود هناك أو الموجود الإنساني، ذلك الذي ينسق معطياته ويكثف من توهجها لتلمع كتجربة في المدى المعتم للعالم، حيث يغيب التوتر الروحي والشعبية المفعمة بأسئلة الجدوى ورهان البحث في الأصول.
لماذا هذه العودة إلى الفلسفة؟
يجيب أحد الفلاسفة الغربيين: «عندما يكون كل شيء على ما يرام ليس هناك حاجة للتفلسف»، فالدافع وراء الارتجاع إلى الذات، مرده أزمة راهنة في مسار الأنساق، على أساس أن الفلسفة تمرين تأملي منبعه الوعي بالحاجة إلى أسئلة الذات في علاقتها بمنظورات العالم الناقصة.
تعود نشأة التصوف إلى السبب الذي ساهم في انتصار الفلسفة واكتساحها لمساحة المجتمع، كي يجيب الإنسان على سؤالي من أنا؟ ومن أين جاء العالم؟
ظهر التصوف في مستهل الدولة العباسية حينما «عم الترف وكثر انغماس الناس في الإسراف والملاذ، فحدث من جانب آخر من البيئة العباسية ـ ردة فعل ونفرة من ذلك كله واتجه نفر من ذوي الاستعداد المثالي في الحياة إلى الزهد»، والزهد في هذه المرحلة لم يكن قد بلغ التصوف بعد، لافتقاده إلى الاتجاه العقلي والاشتغال السلوكي المميز.
هناك عامل آخر ساهم في نشأة التصوف وهو العامل السياسي، حيث نجد أن الفاطميين في مصر كانوا ينازعون الدولة العباسية جهارا في العراق، ويشجعون الشيعة على الفتنة، تؤازرهم في ذلك دولة البويهيين وهم شيعة فرس حكموا العراق وفارس.
كذلك لا يمكن أن نغفل بأن «عصر الغزالي كان مطبوعا إلى حد كبير بطابع الاتجاهات الارتيابية والزندقة». ومن أشهر الارتيابيين أبو العلاء المعري الذي توفي بعام قبل ولادة الغزالي، وكذلك عمر الخيام الذي عاصر أبا حامد، وتتبين ارتيابية أبي العلاء في مقولاته، التي منها ما كتب على لحد قبره: «هذا ما جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد»، تأتي أهمية أي مقولة في كونها تشكل دالة وجودية على مسار فكري، ومقولة أبي العلاء تحيل إلى إن وجوده كان جناية على أساس إصابته بالعمى، وهو وجود ناقص، ما يعكس مدى الأزمة الوجودية التي كان يعيشها انطلاقا من نقص النظر، حيث ووفقا لموقفه، فالكمال يجب أن يكون سابقا للوجود حتى يصطبغ هذا الوجود بالكمال، لذلك تَحدَد الوجود في دائرته به شخصيا لارتيابه في مساره ـ الوجود ـ المشمول بالنقص، وهو ما ينم عن فكر مشوش ومتشائم. ضمن هذا الوضع الذي لم يكن على ما يرام ظهر التصوف كسؤال جوهري يحرك الباطن لمواجهة أشياء العالم الخارجي.
القبول والمحبة/ الاشتغال نحو الآخر:
عندما تعيش التجمعات البشرية لحظتها المأزومة تحاول أن تنفك من إسارها بشتى الوسائل، أي إنها تعود إلى ذاتها مستثمرة شرارة الوعي الداخلي، فما يجري اليوم من أحداث على مسرح العلاقات بين الكيانات المختلفة القريبة والبعيدة، يترجم حالة تلاشي الوعي بالذات والابتعاد عن مشارفها، وهو ما يستلزم حراكا جديا لإعادة الاعتبار إلى القيم والانطلاق من روح الأديان، التي تدعو إلى التسامح والمحبة، والوعي يتفجر عادة في مثل هذه الأوقات، ولقد قصدت توظيف مفردة الوقت للتعبير عن الزمن، و«الوقت ما أنت فيه» كما يقول أبو علي الدقاق، والوقت مصطلح صوفي، و«الصوفي ابن وقته»، يعني إنه «مشتغل بما هو أولى به في الحال»، وإن كان الحال من متعلقات المقام الذي يرتقيه الصوفي، إلا إنه يرتبط أيضا بالزمن الراهن، وهو لب اشتغال الصوفي الذي يعنيه كثيرا راهنه الروحي في فيوضاته على المحيط، فالصوفي في مدارج السلوك، تتفجر في أعماقه العاشقة للحقيقة حالات المحبة والوجد والقبول، فيتعدى بها ذاته إلى الآخر، أي آخر، ومن هنا كانت أهمية أبيات شعر محيي الدين ابن عربي (560هـ ـ 638هـ)، الذي ولد في الأندلس وتوفي في دمشق، المضمنة في ديوانه «ترجمان الأشواق»، وإعادة قراءتها خارج اتفاق القراءات التي أجمعت على إنها دعوة لوحدة الأديان على أساس «نظرة ابن عربي في وحدة الوجود»:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
إن لم يكن دينه إلى ديني دان
لقد صار قلبي قابلا كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه
فالحب ديني وإيماني
تتأسس بنية الخطاب الشعري عند حقل الدلالة الأخلاقي: (القبول والمحبة)، وحقل الدلالة العقدي: (الدين، الدير، أوثان، كعبة، توراة، قرآن) إذ يتواصل عنصرا القبول والمحبة مع عناصر حقل الدلالة العقدي لإنتاج حالة يُستدل عليها من خلال السياق الشعري، فانخراط قيمتي الحب والقبول ضمن الأنساق العقدية المدمجة رمزًا (الدين، الدير…) في الخطاب، يساهمان في تحقيق قيم تتعلق بتحققهما واقعا كالعيش المشترك والقبول بالآخر والتسامح، فالصوفي كما ورد في أحد أبسط التعاريف للكتاني: «التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الصفاء»، فالصوفي من صفا قلبه لله، ولعل المحبة والقبول تفسر لنا شيئا من مراحل التنقية التي يمر بها الصوفي من تخل وتحل وتجل، فهو يتجلى بالمحبة والقبول، إعلانا منه على إنه في طبيعة وجودية تختلف عما قبل التخلية، وهو التغيير المطلوب في ترقي السالك درب المعارج، وكأن التجلي هو نتاج ما يندمج فيه الصوفي خلال مرحلتي التخلي والتحلي.
٭ كاتب جزائري
عبد الحفيظ بن جلولي