لنُحدّد من البداية معاني ومقاصد كلمات العنوان: المقصود بكلمة «العالم» في العنوان، هو غالبية الراي العام العالمي، مع تركيز على الدول الغربية الديمقراطية، بشكل خاص، وبعض قليل من دول اخرى ذات وزن في تحديد قواعد «النظام العالمي»، الذي يفرض «قوانين اللعبة» على صعيد السياسة العالمية، بالقوة العسكرية وبالمال، في حالات السلم وفي حالات الحروب، ويحدد حقوق وواجبات المنتصر والمهزوم، في كل شأن وموضوع. اما كلمة «اسرائيل» في العنوان، فالمقصود بها: السياسة الاسرائيلية، وليس دولة اسرائيل ذاتها، بمعنى وجودها من عدمه، او، باكثر دقة: بمعنى حقها في الوجود من عدمه. في حين ان تعبير «ليس مع فلسطين» في هذا العنوان، يعني: ان العالم ليس مع «كامل» الحقوق الشرعية لابناء الشعب الفلسطيني، حسب القناعات الفلسطينية، رغم انها مُحقّة تماما، وتستند إلى قواعد العدل المطلق. دون ان ينفي ذلك حقيقة ان «العالم» يؤيد ويناصر الاهم من حقوق ومطالب الشعب الفلسطيني، مثل حق تقرير المصير، واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وكنس جيش الاحتلال والاستعمار الاسرائيلي، ومستعمراته المبنية على اراضي الدولة الفلسطينية؛ ووقف سياسة التمييز ضد الفلسطينيين في اسرائيل بكل اشكالها وتجلياتها، ووقف التحريض عليهم؛ والعمل على التوصل إلى «حل» لقضية اللاجئين ومعاناتهم.
بعد تحديد معاني كلمات العنوان، نصل إلى صلب الموضوع: ما كان مسموحا ايام الاسكندر المقدوني، مثلا، بعد احتلاله بلاد فارس، من نقل عشرات آلاف المواطنين من بلد ولغة وحضارة، إلى بلد ولغة وحضارة اخرى، اصبح الآن غير مسموح؛ ما كان سائدا ومقبولا إلى ما قبل قرن تقريبا، لم يعد مقبولا اليوم؛ ما كان ممكنا ستره من تصرفات عنصرية، ومن «حكم عسكري»، ومن جرائم ضد المهزومين في معركة او حرب، لم يعد ممكنا اخفاؤه في عصر التقنيات الحديثة، التي تنشر للعالم تفاصيل كل حدث لحظة وقوعه. وكل واحدة من مثل تلك الممارسات، اصبحت بلغة عصرنا جريمة حرب، وجريمة ضد الانسانية، تتولى محكمة العدل الدولية جلب «ابطالها» للمحاسبة وللمحاكمة.
تنظر اسرائيل إلى نفسها هذه الايام على انها فوق المحاسبة والمحاكمة ودفع الثمن عن كل ما ترتكبه من اعمال مشينة مدانة، بمقاييس لغة العصر وقوانينه وقواعده، التي اصبحت هي الفيصل في مثل تلك القضايا والشؤون. وهي تنظر إلى نفسها من تلك الزاوية المنحرفة، مستندة إلى قوة عسكرية لا منافس لها لدى أي من ضحاياها، الفلسطينيين اساسا، والعرب بشكل عام، ومستندة بالأخص إلى تحالفها مع القوة العسكرية الاقوى في عالم اليوم: الولايات المتحدة الامريكية، التي تدعم اسرائيل منذ نهاية خمسينات القرن الماضي وحتى الآن، وتدعم جرائمها بحق الفلسطينيين، وتحميها بقوتها وبملياراتها من التعرض للمساءلة والمحاسبة.
على ان كل هذا الدعم الاميركي لخطايا وشرور اسرائيل، لن يكون كافيا، حتى في المستقبل المنظور والقريب، وذلك على افتراض بقاء الدعم على ما هو عليه.
اهتمامنا البالغ بالبعد الدولي لصراعنا مع اسرائيل يرجع لثلاثة اسباب:
ـ أن هذا الصراع هو قضية دولية بامتياز. فاساس وضع فلسطين تحت الانتداب/الاستعمار البريطاني هو قرار دولي من «عصبة الامم» التي تشكلت مع انتهاء الحرب العالمية الاولى، اثر فرض الرئيس الامريكي وودرو ويلسون في ذلك الحين، وضع «نظام عالمي»، اساسه برنامج «النقاط العشر» الذي اعلنه، وكانت اهم نقاطه «حق جميع الشعوب في تقرير مصيرها». واستنادا لقرار الانتداب/الاستعمار، اخذت بريطانيا لنفسها، دون حق، اصدار وعد بلفور. ثم، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة، تم تشكيل «نظام عالمي جديد»، اساسه تحويل «عصبة الامم» لتصبح «هيئة الامم المتحدة»، وتشكيل «مجلس الامن» واعطاء الخمسة الكبار العضوية الدائمة فيه، وحق الفيتو لكل واحد، منفردا، من هؤلاء الخمسة. وهذا النظام العالمي «الجديد»، هو الذي اقر التقسيم، بقرار دولي عام 1947، ثم هو من اعترف باقامة دولة اسرائيل.
ـ ثاني هذه الاسباب، هو ان الحركة الصهيونية ذاتها، حركة دولية عابرة للدول، وللقارات ايضا.
ـ اما السبب الثالث، (وربما الاهم!!)، فهو فشلُنا، في رفع القناع العنصري/الاستعماري عن وجه الحركة الصهيونية، ثم ما تلا ذلك من فشل في فرض ارادتنا على اسرائيل بالقوة، واضطرارنا، لذلك، للاستعانة بالشرعية الدولية عليها.
نصل هنا إلى صلب الموضوع: اذا كان العالم في جزئه الاول يرفض اسرائيل، وفي بقيته يرفض استعمار اسرائيل ومجمل سياساتها ويدينها، لماذا لا يتحول هذا الرفض إلى قرارات دولية ملزمة، تطبقها اسرائيل على ارض الواقع طواعية، او تجبر عليها بفعل ضغوطات وحصار وعقوبات اقتصادية، على غرار ما تعرضت له من قبل «شقيقتها الكبرى»، دولة جنوب افريقيا، ايام الحكم العنصري، وبالعمل على نزع الشرعية عنها، بل وبعمل عسكري مباشر، كما شهدنا ذلك في العراق، اثر غزوه للكويت.
الاجابة السهلة هي تحميل الآخرين مسؤولية ذلك. لكن تلك الاجابة، وبرغم ما فيها من بعض الحقيقة، لا يجوز ان تشكل حاجزا نخفي خلفه التقصير الفلسطيني المزمن في معرفة مخاطبة العالم بلغة العصر. وللحقيقة، يجب ان نسجل للسياسة الفلسطينية الرسمية، على مدى الخمس وعشرين سنة الماضية نجاحات كبيرة في اتقان لغة العصر، ومخاطبة العالم بها واحراز نتائج ملموسة. الا ان التقصير كامن في مسألتين:
ـ اضفاء القيادة الفلسطينية للشرعية على وجود ميليشيات وتنظيمات سياسية على ارض فلسطين، لها «اذرع» عسكرية، مما تسبب ويتسبب بكل الموبقات التي نعاني منها، وابرزها «خطف» قطاع غزة، وتحويل الشعب الفلسطيني على ارض فلسطين إلى شعبين، لكل واحد منهما همومه واهتماماته وسياسته وتحالفاته.
ـ السكوت على ما يرفضه العالم والعقل السليم من استهداف للمدنيين، على غرار ما شهدناه في الانتفاضة الثانية المسلحة، والتي تمكنت من هدم كل ما بنته الانتفاضة الاولى من تعاطف دولي بالغ الاتساع، بل وتعاطف وتفهم في المجتمع الاسرائيلي نفسه، اجبر القيادات الاسرائيلية على الانحناء وتقديم تنازلات بالغة الوضوح، وتراجع عن سياسات كانت شبه راسخة على مدى عقود.
لا يكفي ان يكون العالم ضد اسرائيل. بل ولا يكفي ان يكون العالم مع فلسطين. لإنجاز اهدافنا الشرعية والممكنة التحقق، يجب ان يكون الفلسطينيون مع العالم ومع العصر وقيمه ومبادئه. ذلك ليس صعبا. ذلك ليس مستحيلا. وواجب القيادة الفلسطينية ان تكون واضحة وصريحة وجريئة في مواجهة نفسها وشعبها.
٭ كاتب فلسطيني
عماد شقور