دأبت الكيانات السياسية على استخدام لغة الاشارة والرسائل المشفرة واللغة الدبلوماسية حتى لو كانت تتناصب العداء فيما بينها، ولطالما ظلت هذه الوسيلة الناجعة معتمدة في سائر الصراعات الوطنية والاقليمية والدولية، وما تأكيدات قادة الدولة العبرية ووسائل إعلامها ومراكز أبحاثها بأن الاتفاق الآخذ في التبلور بين الدول الغربية وإيران يشكل خطرا كبيرا على السلام العالمي ويهدد أمن إسرائيل إلا حلقة من حلقات هذه اللغة الدارجة على أوسع نطاق حول العالم، والتي تشكل الاستعارات أهم كتلة في مفرداتها، فتصبح عبارات مثل الشيطان الأكبر والموت لاسرائيل والموت لأمريكا مرادفات لما يلزم من أوراق اعتماد أنظمة الحكم وتحديد مناطق النفوذ والسيطرة في منطقة الشرق الأوسط.
صحيح أن أمن اسرائيل يعتمد،في المقام الأول، على مفهوم الأمن الاجتماعي ببعد ديمقراطي ظاهري يدفع المجتمع إلى تشكيل لغة باسمه من خلال ما يمثله من مؤسسات نخبوية تصبح معها هوية هذا المجتمع وقضيته الأمنية صنوين، مع التلويح دائما بتهديد خارجي لم يعد موجودا إلا على قائمة الوعود الانتخابية الداخلية بعد تأمين الحدود مع دول الطوق بمعاهدات سلام وهدنات طويلة الأجل شكلت معاهدة كامب ديفيد مع مصر ووادي عربة مع الأردن عنوانها العريض، ووضعت أسس بناء الجنة الأمنية الاسرائيلية وسط منطقة تناصبها شعوبها العداء، بينما دخلت أنظمتها في سباق محموم للوصول إلى قلب الدولة العبرية ووجدان قادتها المتعاقيبن وتقديم ما يلزم من أوراق اعتماد للدخول ضمن شبكة الأمن الاسرائيلية، لكن الصحيح أيضا أن هذه الشبكة المتينة عاجزة عن الصمود طويلا لولا تشكل ذلك الحزام الأمني المحيط بهذه الدولة المارقة.
لكن ثورات الربيع العربي جاءت لتهز خيوط تلك الشبكة عموما وعلى الجبهتين المصرية والسورية على وجه الخصوص، بحكم أنهما من دول الطوق، فعمدت قوى الثورة المضادة وحلفاؤها، إسرائيل في مقدمتهم،إلى الانقلاب على المنجز التاريخي الذي حققه الشعب المصري في 21 يناير/كانون الثاني 2011، والانفراد بالسلطة وتأمين استمرار الالتزام بمعاهدة كامب ديفيد وملاحقها، التي لا يزال يكتنفها الغموض، وضبط الجبهة المصرية من الداخل وجبهة غزة من الخارج وربما جبهات عربية داخلية أخرى، بينما كشفت الحالة السورية عن الحاجة إلى وأد الثورة في مهدها قبل أن يقوى عودها وتشكل تهديدا لأحد أهم خيوط الشبكة العتيدة ممثلا باتفاقية الهدنة التي وقعت سوريا وإسرائيل عليها بعد حرب 1973، وكان من شأنها تأمين الخاصرة الشمالية الغربية للدولة العبرية إلى أجل غير مسمى، لكن بما أن النظام السوري أظهر عجزا مؤكدا في مواجهة استحقاق التغيير السياسي، فإنه كان من المنطقي أن يدخل حليفه الإيراني على خط المواجهة المباشر مع قوى الثورة السورية وحماية اتفاقية الهدنة من أي اهتزازات محتملة واستدراك إمكانية حدوث أي فراغ أمني على هذه الجبهة الحساسة، التي اعتادت السكينة والهدوء طوال عمر نظام الأسد كما هو معروف.
في هذا السياق، يأتي اشعال الجبهة الجنوبية السورية التي تشهد المعارك الأشرس في ظل تمسك قوات الأسد المدعومة من ميليشيات «حزب الله» وقوات النخبة في الحرس الثوري الإيراني بالسعي إلى استعادة السيطرة على مثلث درعا القنيطرة من يد ثوار سوريا في محاولة بائسة لربط الشريط الحدودي الذي يفصل بين لبنان واسرائيل بالشريط الحدودي الذي يفصل بين سوريا واسرائيل، ما يشكل رسالة واضحة لقادة الدولة العبرية تقول إلى زمام المبادرة في تأمين هذا الشريط الممتد من رأس الناقورة حتى ريف درعا الغربي عند المثلث الحدودي بين الاردن وسوريا واسرائيل، وبذلك يتم ربط الشريط الحدودي لدول الطوق الممتد من ساحل لبنان على المتوسط إلى ساحل مصر على الجهة المقابلة من المتوسط مرورا بالأردن وسوريا، وبذلك ينغلق الحزام الأمني الذي تتزنر به الدولة العبرية.
في السياق ذاته، تندرج ردود الفعل الاسرائيلية والإيرانية على الغارة الاسرائيلية التي استهدفت مجموعة من حزب الله في القنيطرة السورية، التي رد عليها الحزب في مزارع شبعا اللبنانية، والتي اتسمت بالهدوء والعقلانية وضبط النفس حين صرح حسن نصر الله أنه حزبه لا يريد الحرب مع اسرائيل، بينما أعلن رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، علاء الدين بروجردي، أن بلاده تلقت رسالة سرية من إسرائيل حول الغارة التي استهدفت جنرالاً إيرانياً وعناصر من حزب الله في القنطيرة السورية، وقال: «إننا تلقينا رسالة من الكيان الإسرائيلي عبر قناة رسمية طلبوا خلالها عدم التصعيد بعد اعتداء القنيطرة»، وفي المقابل بحث وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان مع نظيره الروسي سيرغي لافروف الأوضاع المتوترة على الحدود الإسرائيلية اللبناني، ونقل عبر روسيا رسائل طمأنة إلى سوريا وحزب الله وإيران تؤكد عدم رغبة إسرائيل في تصعيد الأوضاع، إلى جانب رفضها السماح بإقامة قاعدة للإرهاب على حدودها في هضبة الجولان.
لقد تمكنت اسرائيل من فرض متطلبات أمن كيانها على اللاعبين الحالمين بالسلطة والنفوذ بالمنطقة أنظمة وأحزابا وتنظيمات ومنظمات دخل العديد منها ضمن منظومة الأمن الاسرائيلية، التي تحول هذا العامل في كنفها إلى عنصر استباقي حاسم وخط دفاع أول وجهاز انذار مبكر عابر للحدود يتتبع احلام الشعوب العربية في تحرير فلسطين واستعادة الأرض المغتصبة، واشتدت حمى رسائل الطمأنة العلنية والسرية والضمنية الموجهة إلى دولة الاحتلال، وأصبحت هذه المتطلبات جزءا من عقيدة جيوش عربية وغير عربية كثيرة، لا من تكتيكاتها فقط، فأضحى قطاع غزة مستهدفا من قبل القوات المسلحة المصرية في زمن الانقلاب على ثورة 25 يناير، وباتت تركيا العدو رقم واحد في عيون النظام السوري وأتباعه، كما أصبح الشعب السوري وثورته المشروعة هدفا استراتيجيا لحزب الله ومن ورائه إيران، لا بل ان القوة الأمنية للسلطة الفلسطينية تشكلت على أساس هذه العقيدة، وأضحت المناطق السنية في العراق ساحة وغى في استراتيجية النظام الطائفي في العراق، ولقد جاء هذا كله متزامنا مع اعلان الدول العربية كافة أن السلام مع اسرائيل هو خيارها الأوحد والوحيد متناسية، دون اكراه، كل ما تبذله اسرائيل من جهود وميزانيات لمواصلة عدوانها وضمان أمنها، الذي باتت حدوده العالم، كما يبدو.
اللاعبون الاقليميون في الشرق الأوسط يمتلكون حق الاختلاف على أي شيء، إلا أنهم جميعا يتفقون على رفع القبعات عندما يتعلق الأمر بأمن الدولة العبرية، وهم لا يملكون ترف إختيار مواقعهم في هذه المنظومة الفولاذية، بل تتوزع الأدوار عليهم كل حسب استطاعته في سمفونية العداء لأي شيئ ما عدا العداء لاسرائيل، ذلك الرقم الصعب في صعود أنظمة وسقوط أخرى وصلت إلى سدة الحكم بقوة الحديد والنار وباستعدادها لتقديم ما يلزم من خدمات أمنية للكيان المارق، الذي بات يبتزها بجرعات أكبر مع اندلاع ثورات الربيع العربي ووصول السكين إلى رقاب رؤوس تلك الأنظمة، التي عمدت أبواقها الإعلامية إلى إدراج أي فكر مقاوم تحت مسمى الإرهاب وراحت تحاكم أصحابه على هذا الأساس، وتبني تحالفاتها مع أعداء الأمس انطلاقا من هذا المفهوم المعوج، الذي لا يعترف بوجود العقل والتفكير السليمين، فارضة توجهاتها بقوة البطش والقمع، ضاربة بعرض الحائط الحياة السياسية والحريات وأبسط حقوق التعبير في معادلة « ان لم تكن معي، فأنت ضدي ومن حقي القضاء عليك».
أما الطامة الكبرى في هذا المشهد، فتكمن في جنوح العديد من المقاربات السياسية لمجمل أحداث المنطقة إلى تنحية العامل الاسرائيلي جانبا، ما يهددها في مصداقيتها وفي جدواها، فتتحول إلى استحالات وعقبات أمام امكانية تلمس حقيقة ما يجري وقراءة واقع المنطقة واستشفاف مستقبلها.
٭ كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة