يمضي عالم اليوم مصحوبا بذلك النوع من الثنائيات المتأرجحة ما بين السيء والأسوأ، لا شيء جيد في الأفق، فتبقى المفاضلات محفوفة بالمخاطر في سائر الأحوال، وتتناسل سياسة المعايير المزدوجة والكيل بمكيالين أو أكثر، وتحقن البراغماتية بجرعات زائدة من الانتهازية التي لا ترحم ولا تفرق ما بين الفضيلة والرذيلة فتختلط الألوان وتتعطل البوصلة ويغص الفضاء العام والفردي بأسئلة كبرى تبدو إجاباتها بعيدة المنال في ظل تشابك غير مسبوق في خارطة العلاقات الدولية التي باتت خالية أكثر من أي وقت مضى من تلك المحاور الثابتة التي لطالما شكلت عناوين صريحة لتوجهات واستراتيجيات مراكز صنع القرار حول العالم وتداعياتها أو امتداتها في شرق المتوسط.
السؤال- المفتاح الأبرز، بصيغته العامة في هذا السياق، يدور حول الوجهة التي تسير على خطاها مجمل الملفات الساخنة في منطقة الشرق الأوسط والتي يبدو أنها تمر بمرحلة مخاض جديدة على أعلى المستويات الجيوسياسية بعد أن ولج إليها، بقوة فلكية، ما يمكن أن نسميه «العامل الإيراني» بحيث لم يعد من الممكن التصدي لمحاولة قراءة المشهد السياسي في هذه المنطقة من العالم بعيدا عن هذا العامل وامتداداته، ومن دون أن يشغل موضع القلب فيه، أما الصيغة الخاصة للسؤال عينه، فإنها تتجلى على الشكل التالي: أيهما أوزن الملف النووي الإيراني، الذي شغل الغرب طوال السنوات العشر الماضية، أم النفوذ الإيراني المتمدد على مدار الوقت في محيطه الاقليمي على حساب مجموعة من الثوابت الاستراتيجية، التي لطالما اعتد بها الغرب نفسه؟
سؤال يفرد جناحين يظللان مروحة من أحداث جسام وأزمات بنيوية تبدو مستعصية تواجهها المنطقة مجتمعة وكل مكون من مكوناتها منفردا، في مشهد لا يخلو من تناقض ظاهري تطغى فيه حكاية الملف النووي الإيراني بصورة شكلية على معادلها الكامن في الممارسة السياسية الإيرانية وتمكن طهران من أن تقبض ثمن قوتها النووية الكامنة سلفا متجاوزة بذلك ما كان من الممكن أن يقدمه لها سلاحا نوويا نعلم جميعا أن استخداماته تنحصر عادة في حالته الكمونية ضمن منظومة الردع والردع المضاد، وهذا ما يفسر طول أجل المفاوضات حول الملف النووي الإيراني ويضع طهران في موقع الهجوم لا الدفاع، أخذا في الاعتبار أن انتقال إيران من حالة الدفاع، بعيد انتصار الثورة الاسلامية فيها وحرب السنوات الثماني، مع العراق إلى حالة الهجوم قد دشنت منذ زمن بعيد عندما بدأت تظهر معالم الحرب على الارهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمر/ايلول 2011، والتي ما كان لها أن تمضي قدما من دون ضمان مشاركة « العامل الإيراني» فيها بدءً من أفغانستان وليس انتهاء بسوريا والعراق واليمن.
بالطبع، ما كان لإيران أن تحظى بهذه المكانة الاقليمية، التي تتفوق في العديد من جوانبها على حلفاء الغرب الإقليميين التقليديين، بعيدا عن إدراك الولايات المتحدة وحلفائها لذلك الخلل في ميزان القوى الاستراتيجي الذي خلفه غياب دور شاه إيران بوصفه شرطي المنطقة جنبا إلى جنب مع الدولة العبرية، ذلك الدور الذي أقنعت طهران الغرب بأهليتها وقدرتها على مواصلة القيام به بشروط محسنة بعد أن حقنت نفسها بذلك البعد المذهبي، الذي فتح لها الطريق واسعا للعب أدوار إضافية وولوج مناطق وملفات إقليمية ما كان بمقدور نظام الشاه القيام بها تحت رايته العلمانية، وهذا هو مرد انزياح مجمل الصراعات السياسية في المنطقة باتجاه جحيم الطائفية، الذي طالت نيرانه وأحرقت استحقاقات وطنية وقومية عديدة تمظهر آخرها في السنوات الأربع أو الخمس الماضية في محاولات الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية في غير بلد عربي والتي كان لإيران دور محوري في إخفاق بعضها ولو إلى حين.
إنه العصر الإيراني في المنطقة، إذن، عصر لا يمكن التعتيم عليه بالإيحاء بذلك البون الايديولوجي الفاصل بين قوة إقليمية ناشئة وقوى عالمية ترغب في تجديد دمائها من خلال إعادة اللحمة لأعمدة لطالما ارتكز عليها ميزان القوى الراجح لصالحها في منطقة الشرق الأوسط، لذلك يبدو من الصعب إدراج الانزعاج الإسرائيلي والعربي من بروز ايران كقوة إقليمية خارج دائرة الاختلافات أو التناقضات الجانبية ضمن المعسكر الواحد أخذا في الاعتبار سيطرة الدائرة الأوسع التي يتحرك فيها الجميع بقيادة الولايات المتحدة، لا بل إن تلك الخلافات الظاهرية يمكن إدارجها ضمن مستلزمات صفحة جديدة تفتح للمنطقة ولا جديد فيها سوى إعادة تدوير الزوايا القائمة لضمان استمرار السيطرة انطلاقا من إعادة رسم خارطة التوازنات الاقليمية وإعادة توزيع الأدوار بين اللاعبين الإقليميين جميعهم(إسرائيل وإيران وتركيا)، والذين يبدو أنهم نجحوا في تسويق أدوارهم ومشاريعهم في البازار السياسي الغربي في ظل غياب مشروع عربي في مشهد الكلمة الفصل فيه لسياسة الأمر الواقع.
مخرجات العصر الإيراني في المنطقة والعالم كثيرة لا تخطئها عين، ولم تعد تقبع داخل دائرة التأثير الخارجي على مجمل ملفات المنطقة، بل صارت جزءا منها إنْ لم تكن الجزء الأهم، فإيران، من الناحية العملية، انتقلت من موقع المساند لقواها الحليفة، التي تعمل ضمن هيكليات تنظيمية ومراتبية صارمة تفوح منها رائحة طائفية وتضمن التزامها، إلى موقع التدخل المباشر الذي يرقى، كما يصفه محللون، إلى حالة الاحتلال المباشر، حيث باتت اليد الإيرانية هي الطولى في العراق وسوريا ولبنان واليمن، هذا عدا المعركة التي تخوضها على جبهات عربية وخليجية أخرى لم يحسم أمرها بعد، حيث باتت تلك القوى تشكل كماشة يحاصر فكاها دولة عربية كبرى مثل السعودية، على سبيل المثال، متحولة إلى منصات انطلاق نحو « فتوحات» إيرانية جديدة لا أحد يعرف أين وكيف ستنتهي، لا لشيء إلا لأن كل هذه الاختراقات تتوارى خلف الكواليس لحظة نقاشها في أي محفل سواء كان عربيا أم إقليميا أم دوليا، فمن يصدق أن ما يطرح على طاولة المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، المستمرة منذ أكثر من عشر سنوات، يقتصر على تفاصيل تقنية تتعلق بنسب تخصيب اليورانيوم وعدد أجهزة الطرد المركزي؟
لا شك بأن كل الاختراقات و»الإنجازات» والأدوار الإيرانية مطروحة للنقاش والتفاوض وحتى الاتفاق والتوافق على تلك الطاولة، ومن المؤكد أن تمديد هذه المفاوضات مرة تلو أخرى يشي بذلك، ومع حلول الأول من يوليو/تموز المقبل، الذي يفترض أن يكون الموعد النهائي للتوصل إلى اتفاق بين الغرب وإيران، سوف تتبلور الصورة الرسمية للدور المناط باللاعب القديم الجديد في المنطقة، ذلك أن هذا الدور واضح وضوح الشمس من الناحية العملية ولا حاجة لأصحابه لاعلان رسمي عنه طالما هم قادرون على فرضه على أرض الواقع بوصفه حقيقة ورقما صعبا لا يمكن لأي قوة إقليمية تخطيه، وطالما يتقدم الغرب في تجسيد سياسة الاحتواء المزدوج، التي تمثل الخيار الأفضل المعتمد من قبل دوائر صنع القرار في العالم، وذلك في إطار منهج نفعي يجيز استخدام أي وسيلة لتحقيق هدف ما بعيدا عن أي اختلافات أيديولوجية لا محل لها من الإعراب في لغة المصالح.
من نافلة القول إن من حق الدول أن تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة، وإنه من الطبيعي أن تؤمن لنفسها خطوط استدراك متقدمة ضمن قوانين وأعراف دولية يحرسها، ولو شكليا، ميثاق الأمم المتحدة، لكن ما لا يمكن تصوره هو غياب إرادة السعي إلى ذلك وغياب المشروع في المعسكر المقابل، المتمثل في هذه الحالة بالنظام الرسمي العربي، الذي تتأرج مواقف دوله من تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة بين المهادنة والاستسلام وتسليم أوراق لعبة الأمم لللاعب القديم- الجديد.
٭ كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة