منذ سنوات يتواصل الحديث عن دور لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في مواجهة النفوذ الايراني في العراق، ويبدو أن تلك الاحاديث والتقديرات ظلت في دائرة التكهنات لا أكثر، إذ ان سياسات الحكومة العراقية ازدادت قرباً وولاءً لإيران ومنظومة الحرس الثوري منذ تولى العبادي موقعه في السلطة.
بل ان أكبر مؤسسة أمنية موالية لايران وهي الحشد الشعبي نشأت وتمددت ومارست كل هيمنتها وتجاوزاتها بتأييد وتغطية كاملة من العبادي نفسه، وفوقها قبلته الشهيرة على رأس أحد رموزها «ابو عزرائيل» الذي يتفاخر بممارساته الوحشية في التمثيل بالجثث، بل ان العبادي منح الشرعية للحشد وحوله من ميليشيا لقوة رسمية مرتبطة بالحكومة العراقية وسط معارضة كبيرة لم يعبأ بها، قائلاً جملته الشهيرة ان «اليد التي تمتد للحشد الشعبي سنقطعها».
حقيقة إن الامر لا يتعلق فقط بشخص العبادي، إذ يجري الحديث عنه أحياناً وكأنه مستقل او تابع لقوى شيعية ليبرالية مثلا! العبادي في النهاية ينفذ سياسات حزب الدعوة الشيعي أحد اعضاء تحالف القوى الشيعية الموالية لايران التي تهيمن على السلطة في بغداد، وهذا لا ينفي وجود خلافات بينه وبين قادة آخرين في حزب الدعوة او بين حزب الدعوة والمجلس الاعلى مثلاً والتيار الصدري، فهذه الخلافات قديمة ومعروفة بين الفرقاء الشيعة، ولكنها تبقى خلافات البيت الشيعي الواحد التي لم تؤثر يوماً على مواقفهم الموحدة مع باقي الافرقاء المحليين كالقوى السنية او بنهجهم السياسي الاقليمي او الدولي، فهم قد يختلفون في كل شيء ولكنهم متفقون على خصومهم، عكس الفرقاء السنة مثلاً بالعراق الذين يتفقون مع الجميع إلا مع انفسهم.
البعض يرى ان العبادي يحاول مواجهة تمدد ايران، وهو يصدر تصريحات في بعض الاحيان تنتقد التدخل الايراني، لكن كل هذه النظرة ليست سوى تكهنات لا تنسجم ابداً مع الافعال وسياسات القوى المنتمي لها والتي تصب جهدها في وجهة اخرى تماماً، ويتناقل كثيرون احاديث تخرج من الدائرة القريبة من العبادي تتناول بالنقد بعض السياسيين الآخرين من الاحزاب الشيعية، وهذه ليست سوى عادة اشتهرت بها اروقة مجالس المشتغلين بالشأن العام بالعراق ولم يتخلصوا من هذه العادة بعد توليهم مناصبهم السياسية، فالجميع ينتقد الجميع، وكلام الليل يمحوه النهار، وعندما كنا نلتقي العبادي في بغداد بعد اشهر من سقوط بغداد كان وزيرًا للاتصالات حينها، كانت هذه الاجواء سائدة حينها وكان البعض ممن يستمع له يخرج بتكهنات مبالغ بها عن طبيعة علاقات الفرقاء الشيعة ببعضهم، قبل ان يتبين أنها ليست سوى ثرثرات مجالس ينغمس فيها الجميع، ورغم خلافاتهم فان مرجعيتهم السياسية والدينية كانت دائما قادرة على ضبطهم، عكس القوى السنية كما قلنا.. والبعض يرى في العبادي سياسياً يمتلك علاقات طيبة مع حكومات عربية وخليجية تحديداً وأكثر قرباً من الولايات المتحدة، حسناً.. هذا هو ما يريده التحالف الشيعي ومن خلفه إيران في العراق.. وكما وصفه أحد الكتاب الشيعة فهو يمارس سياسة «التقية» السياسية ببراعة ..انه الوجه الذي يستفيد منه لكسب دعم بعض الحكومات الخليجية وإدامة الود مع الولايات المتحدة في العراق للاستفادة منها في دعمها السياسي والعسكري واسباغ الشرعية على كل ممارسات حكومته وقواته الامنية والحشد الشعبي الطائفية، لدرجة ان سفير الولايات المتحدة في بغداد زار جرحى الحشد الشعبي في المستشفيات.
فالغطاء الامريكي العسكري والسياسي استفادت منه القوى الشيعية باعادة واخضاع كل المدن السنية لحوزة الحكومة العراقية وميليشياتها الطائفية، وفي المقابل لم تحصل الولايات المتحدة على اي نفوذ لها بالعراق مقارنة بالنفوذ الايراني، فكل القوى التي تملك القرار السياسي والعسكري في بغداد موالية للاحزاب الشيعية المرتبطة بطهران، بل ان بعض الشخصيات الشيعية التي كانت يوماً موالية لامريكا كأحمد الجلبي اضطرت بالنهاية للتخلي عن ملامحها الليبرالية وتتقرب من المنظومة الشيعية التقليدية لتحصل على موطئ قدم ودور سياسي، ليحافظ على مكانه في البيت الشيعي بدفنه بعد وفاته في «العتبة الكاظمية المقدسة».
اما حلفاء امريكا الاخرون من السياسيين الشيعة كإياد علاوي فلا تكاد تجد لهم ذكراً ولا دوراً يذكر في عراق ما بعد 2005 ، وهو الامر ذاته ينطبق على اصدقاء الولايات المتحدة من السياسيين السنة كالهاشمي والعيساوي الذين لم تتمكن واشنطن حتى من حمايتهم من الطرد من العراق! مما حدا بباقي الشخصيات السنية الراغبة بالحصول على حصة من طرف الكعكة ان يولوا وجوههم صوب طهران وليس واشنطن، لدرجة ان ابرز شخصيتين رسميتين دينيتين للسنة اليوم في بغداد وهما الصميدعي والهميم يسبحان بحمد المرشد الخامنئي ليل نهار!
العبادي اذن جزء منسجم من هذه التركيبة، التي قد تكون مختلفة لاسبابها الداخلية ولكنها منسجمة في مواقفها الاستراتيجية من التحديات التي تواجه ايران وحلفاءها في بغداد، هذا التحالف يهيمن اعضاؤه على مراكز السلطة ومفاصل الدولة في منظومة منضبطة ايرانياً، وزملاء العبادي في هذا الحلف هم انفسهم قادة الحشد الشيعي ..وقادة الاجهزة الامنية العراقية وأبرز ضباط تشكيلاتها العسكرية المدعومة أمريكياً هم انفسهم كانوا قادة في ميليشيات بدر، بل ان وزير الداخلية العراقي الاعرجي هو قيادي شهير في منظمة بدر سبق ان قاتل مع الجيش الايراني بالثمانينات، فعن أي دور مواجه لايران ونفوذها يريد ان يضطلع به العبادي كما يتردد؟! الذي يرأس حكومة وزير داخليتها من ميليشيا ايرانية تابعه للحرس الثوري وابرز اعضائها ينتمون للاحزاب نفسها التي تشكل وتقود الحشد الشعبي؟! لذلك يبدو الحديث عن تفضيل امريكي لدعم قوات الحكومة العراقية التابعة للوزير البدري الاعرجي امراً مثيراً للسخرية. صحيح ان هذه القوات التابعة للداخلية والحكومة تملك تنسيقاً وتعاوناً مع الامريكيين لا يتوفر للحشد الشعبي، لكن معظم قادة هذه القوات كما قلنا هم انفسهم منتمون للميليشيات الشيعية نفسها وابرزها منظمة بدر، فالامر اذن لا يعدو كونه تبادلاً للادوار، والهدف منه كما تريد ايران هو الحصول على الدعم العسكري الامريكي، وبما ان الامريكيين لا يستطيعون علناً دعم قوات ميليشاوية كالحشد فان كل ما يريدونه هو تغيير زيها لا اكثر، تماماً كما قال الاخضر الابراهيمي عندما كان مبعوث الامم المتحدة للعراق إن القوات الحكومية ليست سوى «ميليشيات بزي رسمي»، وهذا يتم عبر القوات المسماه حكومية، بينما تقاتل الى جانبها شقيقتها قوات الحشد الشيعي، بل ان قوات الحشد الشيعي باتت تسيطر اليوم على معظم مفاصل القرار الامني في المدن التي شارك في استعادتها الامريكييون في العراق، ولا ننسى ان ابرز قادة الحشد الشيعي الخزعلي كان معتقلاً لدى الامريكيين واضطر الامريكييون لاطلاقه رغم تورطه بمهاجمة قواتهم، وهذا يظهر مدى السطوة التي تمتلكها ميليشيات ايران مقابل الدور الهامشي الامريكي في العراق، والذي لم يستطع حتى من معاونة دولة حليفة له في استعادة مختطفيها الذين ظلوا بحوزة ميليشيات ايرانية لاكثر من عام، فعن اي نفوذ امريكي نتحدث عنه في العراق ؟!
وحتى اليوم في الموصل، تخوض القوات الحكومية المعارك بدعم امريكي، ثم تأتي قوات الحشد الشعبي لتستلم كثيراً من تلك الاحياء، لذلك قوات الحشد الشعبي اليوم ليست في تلعفر وخارج الموصل فقط، بل هي تسيطر بشكل كامل على اهم الاحياء التي تمثل بوابة الموصل في الجانب الايسر الشرقي، وهي احياء كوكجلي والسماح وصدام، وتنتشر قوات الحشد مع الشرطة المحلية كالعصائب وبدر وعلي الاكبر داخل باقي الاحياء بشكل علني، كما ان قوات الحشد تقاتل منضوية تحت لواء الشرطة الاتحادية في الجانب الايمن الغربي بالموصل القديمة، ولكن من الصعب تفريقهم لان الرايات الطائفية التي يرفعها عناصر الشرطة الاتحادية تكاد تكون نفسها رايات الحشد الشعبي!
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
وائل عصام