«العبقري»… وثائقي يرصد حياة «بيكاسو« ويكشف عن إنتاجه الأدبي المجهول

حجم الخط
1

مدريد ـ «القدس العربي» من محمد محمد الخطابي: فى الثامن من أبريل/نيسان الجاري 2018 حلت الذكرى الخامسة والأربعون لرحيل الفنان الإسباني «بابلو بيكاسو«، المتوفى في مدينة «مولان» الفرنسية، والمولود في 25 أكتوبر/تشرين الأول عام 1881 في مدينة «مالقة» الإسبانية.
هذا الفنان الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، عاد الحديث عنه هذه الأيام في الأوساط الفنية والأدبية العالمية خاصة بعد أن أعلنت قناة «ناشيونال جيوغرافيك» و«فوكس 21» في إنتاج مشترك لمسلسل تلفزيوني وثائقي عن بيكاسو.

العبقري

منذ بضعة أشهرٍ في مدينتي بودابست، ومالقة، ومناطق أوروبية أخرى تجرى عمليات تصوير المسلسل الذي يقع في عشر حلقات، من إخراج رون هووارد وبرايان برازر ويحمل عنوان «العبقري»، الذي يسلط الأضواء على حياة بيكاسو منذ ولادته في إسبانيا حتى وفاته في فرنسا. ووقع الاختيار ليقوم بدور البطولة وتجسيد شخصية بيكاسو مواطنُه المولود مثله في مدينة مالقة، «أنطونيو بانديراس» الذي اضطر إلى الخضوع لتغيير جذري في شكله وهيئته لهذه الغاية. مسلسل «العبقري» تم بثه ابتداءً من 24 أبريل الجاري 2018 على جميع القنوات الدولية لـ «ناشيونال جيوغرافيك».

شذرات بيكاسو

بعد العثور في إسبانيا على شذرات ومقطوعات نثرية وشعرية لبيكاسو من طرف دارسيه والمتتبعين لأعماله، تم اكتشاف الموهبة الأدبية لبيكاسو، والتي تضاف إلى مواهبه الأخرى في عالم الفن التشكيلي، ورغم نشر بعض نصوصه الأدبية متفرقة من قبل، إلا أن نشر كتاباته مجتمعة في باريس في كتاب مستقل، صادر عن (دار غاليمار) في طبعة مزدوجة بالإسبانية والفرنسية ــ حسب اللغة التي كتبت بها ــ قد لفت أنظار الأوساط الأدبية والفنية سواء في باريس أو في مدريد نحو هذا الحدث الأدبي المثير. وقد كشفت هذه الكتابات أن ثلثي ما كتبه بيكاسو لم يسبق نشره من قبل، وظل في طي النسيان. ويلاحظ أن هذه الكتابات تعد محاولة لترجمة شطحاته ورصد خيالاته، وتسجيل ملاحظاته في عالم الإبداع التشكيلي على وجه الخصوص، مما يجعلها إفصاحاً علنياً عن الغاية من كتاباته وأبعادها، ومدى تداخلها وإبداعاته التشكيلية، وعليه فإن كلمات من قبيل: الرسم، اللون، الريشة، الليل، الغسَق، الأصيل، المصابيح، النار، الدم، المرأة، الطيور، الحمائم، الشمس، البحر، الغاب، الهياكل، الديدان، الدموع، الثيران، الخراب، وسواها مما يشكل مفردات أو مواضيع أو مضامين رسوماته ومعانيها وأبعادها يكثر تداولها، واستعمالها، وتكرارها في كتاباته، سواء تلك التي كتبها بيكاسو بلغته الأصلية الإسبانية، أو تلك التي كتبها باللغة الفرنسية. ونقدم في ما يلي من اللغة الاسبانية ــ من ترجمة صاحب هذا المقال ــ بعض النماذج الشعرية والنثرية لأشهر فناني القرن العشرين..
لن أرسم بعد اليوم
هبوب الرياح
لن أرسم بعد اليوم السهم
الجاعل من قطرة الماء هدفاً له
المرتعش عند الغسَق
عندما تهب الرياح
وتصفر مع الساعة المكتوبة
التي تتهادىَ بها الأرجوحة
على أنغام ضحكاتها

عضُ السبع على خده

أعطى، أقلع، أعوج، أقتل، أخترق النيران، وأحرق، ألاطف، ألعق، أقبل، أنظر، أقرع جميع النواقيس حتى تنزف دماً – أرهب الحمائم وأجعلها تطير من فوق أعشاشها، وتهوي إلى الأرض ميتة من الإنهاك، أغلق جميع النوافذ والأبواب بالتراب. وبسدائل شعرك، وجدائل ضفائرك، سوف أخنق جميع العصافير الصادحة، سأقطف جميع الورود، وألهو بالحَمل في يدي وأجعله يلتهم صدري سأغسله بدموع حبوري وهمومي، سأجعله ينام تحت أنغام عزلتي المشمسة، سأحفر بماء النار حقولَ القمح والقرطمان حتى تموت في مواجهة الشمس، وسوف ألف الأنهار في ورق الجرائد، وألقي بها من النافذة إلى الجدول، وعلى الرغم من ندمه فإنه سيلملم ذنوبه ويمضي جذلاً ضاحكاً ويضع عشاً له في بالوعة، سأكتم صوتَ الموسيقى في الغاب. وأهشمها على الصخور وأمواج البحر، سأعض السبعَ على خده، وسأجعل ابن آوى يبكي حناناً أمام لوحة من ماء، حيث يترك يده تتساقط فيه من غير اكتراث. (17 سبتمبر/أيلول 1935).

عناقيد العنب

من حجرة إلى حجرة تسبح هياكل الماء، قطاف عناقيد عنب محركة طبيخها تحت لباب الخبز، والآلة الراقنة تلد القطط والفئران داخل قفص الذباب المتأرجح لتأجير جحور الديدان، ولسَعات تورد الخدود، تودع صديد قطعة الشمس الميتة والمنسية في ركن، خرقة حليفة، وقطيفة الجواهر، وتصفيفات الدموع تُسرج المصابيح، وتوقد مراجلَ حِراب الثيران، ورائحة سنبل الطيب.فليـحرقوا اللهيبَ المتخفي تحت الرسومات، وليذهبوا به أســيراً خلف لـطـخات العوْسَج، ملوثة الأصبع في صبغة لون الزعفران، سابحة في مثلث شط أطراف اللحاف الأسود، والسخام المتساقط من الزنار الأخضر يكبل الزمرة المهتاجة في الساحة.

بيكاسو وهيامه
بالأبيض والأسود

كان متحف «غوغنهايم» في نيويورك قد استضاف معرضاً كبيراً لبيكاسو تحت عنوان (بيكاسو.. أبيض وأسود) أي بالاقتصار على عرض أعماله المرسومة بهذين اللونين الأساسيين اللذين يذكراننا بتعاقب الليل والنهار، الناقدة الفنية الإسبانية كارمن خيمينيث التي عهد إليها اختيار اللوحات تشير في هذا الشأن إلى: «أن بيكاسو قد استعمل هذين اللونين على امتداد حياته الفنية الطويلة»، كما تؤكد أن رسوماته للحرب، بل ولجميع الحروب طغى عليها اللونان الأبيض والأسود في إشارة إلى لوحته الكبرى الشهيرة عن الحرب «غيرنيكا» التي تعتبر إدانة صارخة للحروب وويلاتها. «فإذا أراد بيكاسو وضع عمل فني كبير، كان يلجأ في الأساس إلى استعمال اللونين الأبيض والأسود، وكانت اللوحات المرسومة باللونين المذكورين يحتفظ بها لنفسه، وكانت لديها عنده مكانة أثيرة في نفسه، كما كان لها معان وتفاسير خاصة بالنسبة له».
وتضيف: «أن بيكاسو كان يوثر استعمال لونيْ الليل والنهار عندما يتوخى إنجاز أعمال كبيرة، مؤثرة متداخلة ومتشابكة، إذ كان يخشى أن تشغله أو تثنيه الألوان الزاهية عن التفكير بشكل واضح، ويكثر هذان اللونان عنده في رسومات نسائه وغوانيه، وكذا عند رسمه للحروب، فقد عانى بيكاسو الكثير من ويلات الحربين العالميتين الأولى والثانية، ناهيك عن الحرب الأهلية الإسبانية التي وضعت أوزارها عام 1939».

غيرنيكا

وتضيف خيمينيث: «إن لوحة بيكاسو غيرنيكا لا يمكن حصرها في الهجوم النازي المدمر على مدينة «غيرنيكا»، بل هي تعبير عن نبذ كل حروب العالم، أو أي حرب أخرى قد تنشب في المستقبل، فهي لوحة صالحة لكل زمان ومكان. وعلى الرغم من أنها تعكس أهوالَ الحرب وويلاتها، إلا أنها في العمق توحي للناظر إليها منذ الوهلة الأولى أنها لوحة توحي بالسلام أو تحث عليه، لقد أصبحت هذه اللوحة في نظر العديد من النقاد المتخصصين جزءاً لا يتجزأ من تاريخ إسبانيا المعاصر، ومع مرور الأيام لا زالت «غيرنيكا» تقدم للعالم رسالة لإدانة الحروب، والتنديد بصانعيها، وفضح العنف ومرتكبيه، ومهما قدِمتْ حولها من شروح وتفاسير، فإنها ما فتئت تخفي أسرارها وخفاياها وقوتها وعنفوانها. وتشير خمينيث إلى أنه بالإضافة لـ «غيرنيكا» هناك لوحاته الأخرى الجديرة بالإشارة في هذا المقام مثل: «المكوجية، السباحة، مدفن عظام الموتى، والمطبخ»، فضلاً عن لوحته المعروفة «صبايا أو آنسات أفينيون»، و«الفتاة الحافية»، و«المـرأة المشبوكة اليديـن»، و«القراءة»، و«المرأة الحامل» أو «الرسام الشاب». يُضاف إلى ذلك أعماله في ميادين النحت، والرسم، والنقش والخزف، والصور المطبوعة، والتصوير الفوتوغرافي ومعظم هذه الأعمال يطغى عليها اللونان الأبيض والأسود.

عاشق الليل

كان بابلو بيكاسو يعشق الليل، وكان غالباً ما يرسم في جُنحه وغَسقه، حيث كان يمنحه تصوراً خافتاً خاصاً للأضواء والظلال، مقترباً بذلك من التصوير الفوتوغرافي، وبالتالي كان يدنو من ملامسة الواقع ونسخه. واشتهر بيكاسو كذلك بأعماله النحتية التي كان معظمها من اللون الأبيض، لأنه كان هو اللون المفضل لديه عند نحته لوجوه النساء ورؤوسهن. وتشير الباحثة الأمريكية دوري أشتون إلى: أن بيكاسو قال ناصحاً الفنانين الشباب: «إذا حِرتَ يوماً في استعمال الألوان، فلا تتردد في اختيار اللون الأسود بدل الرمادي».

«العبقري»… وثائقي يرصد حياة «بيكاسو« ويكشف عن إنتاجه الأدبي المجهول

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية