بخلاف ما جرى في عدد من البلدان التى تخلصت من حكم الاستبداد وانتقلت إلى أنظمة حكم يجوز نعتها بأنها ديمقراطية، ولو أن بعضها غير ليبرالي، لم تشهد البرازيل أيا من إجراءات ما يعرف بـ»العدالة الانتقالية». حيث قد تكون البرازيل هي الدولة الوحيدة التي اختارت ألا تقلّب صفحات الماضي الأليم والحكم العسكري المظلم، رغم كثرة الجرائم والضحايا. ومع أن الدول المجاورة التي أخذت بخيار العدالة الانتقالية، مثل تشيلي والأرجنتين، ليست الآن أفضل حالا من البرازيل، لا من حيث الممارسة الديمقراطية ولا من حيث التصالح مع الماضي، إلا أن الافتراض الشائع هو أن إقامة العدالة (أو على الأقل معرفة الحقيقة) هي مطلوب الشعوب.
افتراض لا تزال تجلياته ماثلة في تونس، حيث ضلت العدالة الانتقالية الطريق ودخلت في متاهة المساومات والتسويات السياسية والبزنسية، وحيث تضاءلت إمكانية المصارحة والمحاسبة إلى حد يقرب من الاستحالة. ولكن جميع الأطراف لا تزال، مع هذا كله، تعلن تمسكها المبدئي بـ»مسار العدالة الانتقالية»، باعتبارها حقا شعبيا واجب الإحقاق.
ولا يبدو أن الكاتب السياسي البريطاني مايكل نيومن مطلع على هذه «اللاّ-تجربة» التونسية في العدالة الانتقالية، ولا حتى على التجربة المغربية الفعلية التي أعقبت «سنوات الرصاص». إلا أن المحاضرة التي ألقاها نيومن قبل أيام في كلية لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية بمناسبة صدور كتابه «ستة كتّاب يبحثون عن العدالة» قد بينت مدى إحاطته بتعقيدات قضية العدالة، سواء كانت انتقالية أم غير ذلك. ومكمن الطرافة في هذا الكتاب، الذي يحاول تحديد طبيعة العدل أو العدالة في السياق السياسي الذي يخلّفه انهيار الأنظمة القمعية، أن الباحث لا يكتفي بمقاربة قضية العدالة الانتقالية من زاوية تعريفها القانوني السائد، بل إنه يتقصى مفاهيم وتحديدات أوسع وأعمق للعدالة من خلال دراسة أعمال ستة كتاب، هم: خورخي سمبرون أثناء حكم فرانكو في إسبانيا، ونادين غورديمر أثناء الحكم العنصري في جنوب إفريقيا، وفيكتور سارج أثناء حكم ستالين في الاتحاد السوفييتي، وألبير كامو أثناء حكم فيشي في فرنسا، ونغوغي وا ثيونغو أثناء الحكم الاستعماري وما بعد الاستعماري في كينيا، وأرييل دورفمان أثناء حكم بينوشيه في تشيلي. الجامع بين الأدباء الستة أن كلا منهم عاش تحت حكم القمع وأن كلا منهم ناضل وكان مستعدا لركوب المخاطر سعيا لإسقاط هذا الحكم، ثم إن كلا منهم عاش ليشهد الفترة الانتقالية التي سبقت قيام النظام الجديد.
وقد حدد كل منهم موقفه من قضية العدالة الانتقالية وطوّر هذا الموقف بناء على تجربته الحياتية والنضالية وعلى تصوراته الفكرية والفنية.
ورغم أن الأكاديميين اهتموا بهذا الكتاب باعتباره، في الأساس، محاولة لإغناء مفهوم العدالة الذي كثيرا ما يغفل أهل القانون والسياسة عن كونه، مثل الظلم، مفهوما متعدد الأبعاد في فترات الانتقال السياسي، فإن أهم ما جذبني إليه هو أنه قد تطرق بوضوح منهجي للدور الإنساني العظيم الذي يضطلع به الأدب، والفن عموما، في محاولة فهم تجارب المحن الأليمة وفترات الضبابية أو العتمة في تاريخ الشعوب. أي أن أهم ما في الكتاب، الذي يحيل عنوانه إلى مسرحية بيراندللو الشهيرة، هو أنه قد أتى في شكل «نقد أدبي بقلم باحث سياسي». ولهذا فإني أعتبر أن أهم النتائج التي توصل إليها نتيجتان: أولا، أن الأدب يتيح فهم ما لا يتيح فهمه الفكر، أي أن التخييل أنجع في مقاربة المحن والآلام من التحليل. ولعل هذا وجه مما قصدته نادين غورديمر عندما أعلنت أنها لا تستطيع قول الحقيقة إلا في الخيال الروائي.
النتيجة الأخرى هي أنه لا صبر لدى الشعوب على بطء إجراءات العدالة الانتقالية، أي أنها أقدر على محاولة النسيان منها على محاولة خوض غمار مواجهة حقائق الماضي الموجع. ورغم أن الشعار السائد في مثل هذه الحالات هو شعار «الصفح والنسيان» فإن الميل شبه الطبيعي نحو فقد الذاكرة الجماعية لا يعني بالضرورة أن تصفية الحساب مع الماضي قد وقعت فعلا بما يتيح الغفران والتجاوز والتطهر الكاثارسي من الألم وحصاره وذكراه. بل إن الذي يؤشر إليه وعليه هذا الميل هو الهروب، شبه الطبيعي أيضا، من الحقيقة. ذلك أن تجارب الشعوب والأفراد تظهر في حالات كثيرة أن عدم معرفة الحقيقة إنما يعين على تحمل عبء هذا الوجود الذي أشفقت من مشقته الجبال.
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي