الذين يتصـــورون إمكانية إجراء مصالحة قريبة بين النظام المصري والإخوان يعيشون في الأوهام.
لا يوجد سبب واحد لدى النظام يدفعه لقبول مساع من هذا النوع، ولا حتى مجرد النقاش، أو عقد صفقة صغيرة يكون طرفها الآخر هو قيادة الإخوان، ولأسباب ظاهرة جدا، فالسند الدولي الذي لجأ إليه الإخوان تآكل باطراد، فالإدارة الأمريكية تفضل كالعادة سلوكها البراغماتي، وتعترف بحقائق القوة على الأرض، وتميل إلى حفظ ما تبقى من مصالحها مع مصر، والإخوان ـ لدى الإدارة الأمريكية ـ مجرد ورقة لعب، وربما ترى الإدارة الأمريكية أن الورقة احترقت، وأنها لا تريد حرق أصابعها مع احتراق الإخوان، وهو ما يفسر الاعتراف الجزئي لوزير خارجية واشنطن جون كيري بتورط عدد من قيادات الإخوان في تيار العنف، وإن حرصت الإدارة الأمريكية على افتراض وجود قيادات إخوانية أخرى تميل إلى السلمية، وربما تطمع في إعادة إدماجها سياسيا، ولكن بدون استعداد لصنع أزمة كبيرة مع النظام المصري، ولا ميل إلى فرض شروط، فالإدارة الأمريكية الحالية تمضي شهورها الأخيرة بالسلطة، وهي في وضع «البطة العرجاء»، وربما لا يشغل بال أوباما الآن غير محاولة النجاة بالاتفاق النووي مع إيران، ومواجهة معارضة شرسة من الجمهوريين المسيطرين على الكونغرس بمجلسيه، ومع معارضة نامية من الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه الرئيس الأمريكي، وعين الكل في واشنطن على الانتخابات الرئاسية المقبلة، التي قد تأتى برئيس من الجمهوريين الأكثر ميلا للنظام المصري، قد يعصف بما تبقى من أمل للإخوان، فيما يتصورونه قضيتهم الرامية لكسب التأييد الأمريكي، ومع تداعي سعى الإخوان في واشنطن، تبدو الجهات الإقليمية المساندة لإخوان مصر في وضع أضعف، فالداعم التركي دخل في حالة «الخض والرج»، والحليف أردوغان يواجه محنة داخلية غير مسبوقة، تتصاعد فيها مؤشرات العنف الكردي واليساري، وتتراجع أوضاع الاقتصاد، ويفقد أردوغان دعاواه الاستقلالية، ويعود صاغرا للتحرك في سوريا وفق الرغبة الأمريكية، لا الإرادة التركية، وبدلا من أن تعينه واشنطن على التلاعب بورقة إيواء الإخوان، تلجأ إلى ملاعبته وقص أجنحته بورقة الأكراد وقضيتهم، وهكذا ينشغل أردوغان بهمه الداخلي الثقيل، ولا تعود لديه فسحة ترف لمواصلة تهديداته ضد النظام المصري متزايد القوة والدور.
وفي الداخل المصري، لا تبدو جماعة الإخوان أفضل حالا، فرغم التماسك الظاهرى و»الشكلاني» للتنظيم، تتزايد الصدوع والشروخ والخسائر، ليس فقط بسبب كثافة الضغط الأمني ثقيل الوطأة، بل بسبب وصاية قيادات الخارج على إخوان الداخل، وتفشي ظاهرة «الدعشنة» والميل للإرهاب الانتقامي عند ما تبقى مستعدا من قواعد، والسلوك الإرهابي طريقه مسدود في مصر، ومهما بلغت قوته، فالدولة المصرية أقوى بمراحل من كل خطر إرهابء قائم أو محتمل، ثم أن الإرهاب يوفر للنظام سببا جاهزا لتشديد القبضة، وحرب مواجهة الإرهاب تزيد من شعبية النظام، واستمرار الصدام مع الإخوان يضاعف الشعبية، ويجرف في طريقه ما تبقى من نفوذ محدود جدا للإخوان، الذين تآكلت شعبيتهم، فلم يعد يؤيد جماعة الإخوان غير الأعضاء المنضمين إليها، وأغلبهم يؤيدها سرا، ولا يجهر بالقول مخافة العواقب، ولا يشارك في مظاهرات العشرات التي يواصل الإخوان تنظيمها كل يوم جمعة، وفى جغرافيا منزوية، وبهدف مخاطبة الداعمين الخارجيين، الذين لم يعد بوسعهم أن يفعلوا أكثر ما فعلوا، ولم يحصدوا سوى الفشل، وبسبب نفور المصريين الغريزي من أي تدخل خارجي في شؤونهم الداخلية، وروح الاعتزاز الوطني الجارف التي تميز سلوكهم السياسي، وكل هذه الدواعي ـ مع غيرها ـ لا تجعل النظام مستعدا لفتح حديث المصالحة مع الإخوان في المدى المنظور.
والمعنى بالجملة، أنه لا سبيل ظاهر لمصالحة سياسية يكون الإخوان طرفها الآخر، ربما لأنهم سلكوا طريق الإرهاب، وهذه سكة خطرة في مصر بالذات، ولا يعود منها الذاهبون إليها أبدا، وقد يقول لك الإخوان إنه لا علاقة لهم بالإرهاب، وهو كلام لا يؤخذ على محمل الجد، وأقرب إلى الطرفة المشهورة الموروثة عن مرشد الإخوان الأول حسن البنا، الذي كان يتنصل من أفعال إرهابيي جماعته على طريقة «ليسوا إخوانا. وليسوا مسلمين»، وهو كلام لم يعد ينطلي على أحد، حتى لو علقت قيادة الإخوان بياناتها المراوغة على أستار الكعبة، فلن يصدقهم أحد، إلا إذا توقف الإرهاب فعلا لا قولا، وأن تُجرى مراجعات جدية نهائية لصلب الفكرة الإخوانية الميالة بطبيعتها إلى العنف، وهو تطور مرغوب، لكنه يبدو عسيرا في ظل الذهنية المتكلسة التي تحكم الإخوان، التي تريد جمع المتناقضات في نفس واحد، وتضحك على ما تبقى من أنصارها بادعاء «ثورية محدثة» لم تكن يوما من طبع الإخوان، أو بترويج أوهام من نوع «مرسي راجع»، أو بافتعال ديباجات دينية تسيغ الإرهاب باسم القصاص، وتدفع شباب الإخوان إلى مهاوي التهلكة، وتبرر جرائم سفك الدماء وقطع الرؤوس على طريقة «داعش»، ويروح ضحيتها مصريون بينهم إخوان.
طريق المصالحة ـ إذن ـ مغلق، ولا أمل فيه إلا أن يغير الإخوان ما حل بهم، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وهذه قصة لا نملك من أمرها شيئا، سوى النصح، والأمر فيها للإخوان أنفسهم، وهم وشأنهم، غير أن تصورات السياسة لا يصح أن تجور على مبادئ الحقوق الإنسانية، وخلافات السياسة لا يصح أن تتغلب على حساب الضمائر، وما من شخص ذي ضمير يقبل انتهاك حرمة الدم، وهي أشد عند الله من حرمة الكعبة ذاتها، وقد سال في مصر دم كثير بغير حق، لا نتحدث هنا عن الإرهاب المفهوم أمره، وهو ملة كافرة بامتياز، ومواجهته واستئصال شأفته واجب وطني وديني بامتياز، بل نتحدث عن الدم البريء الذي يسيل في المواجهات الخاطئة، وأيا كان اسم أصحابه أو رسمهم، وسواء كانوا من الجيش والشرطة، أو من المواطنين العاديين، أو من الإخوان ومن غيرهم المختلفين، وقد كان موقفنا واضحا صريحا من اللحظة الأولى لاتساع رقعة الدم، وكتبت مقالا نشر بعنوان «ظالمون ومظلومون» عقب فض اعتصام رابعة العدوية قبل عامين من الآن، ولم أدخل في مزايدات ولا مناقصات ولا مماحكات حول أرقام الضحايا، وقد سقط وقتها مئات من المعتصمين وأعداد من رجال الشرطة، ولا تسأل عن الذي قتل رجال الشرطة؟ فالسبب ظاهر عقلا ومنطقا، والمسؤول «عناصر مسلحة» كانت بين المعتصمين بعلم الآخرين أو بغير العلم، لكن العدد الأكبر المقتول كان من المعتصمين، والقوة الشرطية المفرطة كانت السبب المباشر للقتل، لكن الغباوة المفرطة لقيادة الإخوان كانت المسؤول غير المباشر، وهو ما عنيته وقتها في وصف الإخوان بالظالمين والمظلومين في الآن نفسه، والمسؤولية غير المباشرة كانت في الشحن الديني المهووس على منصة اعتصام رابعة، وقد هرب المشايخ المهووسون وقيادات الإخوان قبل ساعات من الفض العنيف للاعتصام، وتركوا الشباب المشحون والفقراء المجلوبين صيدا لحرائق القتل، وباستثناء اسم الشهيدة ابنة القيادي الإخواني محمد البلتاجى، فقد كان غالب الضحايا من الأنصار لا من أعضاء الإخوان.
وكان ما جرى جرحا وطنيا واجتماعيا نازفا، لم يحقق فيه إلى الآن بصورة مطمئنة، ولا جرى تنفيذ توصيات لجنة تقصي الحقائق برئاسة القاضي الدولي فؤاد رياض، ووضع التقرير وخلاصاته في الأدراج، ولم يحقق في وقائع مماثلة توالت إلى الآن، ولا جرى اقتصاص قانوني عادل، وهذه مأساة إنسانية ووطنية لا يصح أن تنتظر مصالحة لن تأتي قريبا، وربما لا تأتي أبدا، فاستبعاد المصالحة لا يصح له أن يصادر على مبدأ العدالة، ومن الحق أن نطلب محاكمات عادلة للجناة والمتورطين، لكن المحاكمات ـ حتى لو كانت نزيهة ـ لا تعيد الحقوق لأصحابها في مصادمات جماعية من هذا النوع، وشيوع الاتهام بالقتل قد لا ينتهي بالقاضي ـ لو كان نزيها ـ إلى تحديد دقيق لاسم القاتل المستحق للعقاب، وهي مشكلة تصادف القضاة حتى في حوادث القتل الجنائي العادي لو كانت ضمن اشتباك أو «خناقة» جماعية، وهو ما يعني أنه لا بد من البحث عن وسائل أخرى للعدالة إلى جوار المحاكمات، واقتراحنا هنا هو التالي، تعميم برامج «جبر الضرر» من قبل الدولة على كل ضحايا الصراع السياسي من 25 يناير 2011 حتى تاريخه، وبدون استثناء لأي أحد إلا إذا كان مدانا في قضية إرهاب مباشر، فالدولة مسؤولة عن الأمن والسلامة والسكينة العامة، والدولة مسؤولة عن أرواح المواطنين المسالمين بغير تمييز سياسؤ، وسواء كان الظن أن أجهزة الدولة هؤ التي تورطت في القتل، أو أنها لم تفعل، وسواء أثبت القضاء المسؤولية أو عجز، فدم المصريين المسالمين كله حرام، واقتراحنا ليس بعيدا عن نص الدستور المستفتى عليه شعبيا بما يشبه الإجماع، فالمادة (241) من الدستور تلزم بإصدار قانون للعدالة الإنتقالية «يكفل كشف الحقيقة، والمحاسبة، واقتراح أطر المصالحة الوطنية، وتعويض الضحايا، وفقا للمعايير الدولية»، وقد استفتي على الدستور في يناير 2014، وبعد مرور شهور على حوادث «رابعة» وأخواتها، ولم ينفذ نصه إلى الآن، ولا جرى «جبر الضرر» والتعويض وتضميد الجراح، وهو ما يصح أن نعجل به، لا أن ننتظر، فالعدالة أولى وأحق بالاتباع والتنفيذ، حتى لو لم تكن المصالحة ممكنة.
٭ كاتب مصري
عبد الحليم قنديل