العدل هو الحل

قد تكون الديمقراطية مطلوبة لذاتها، لكنها ليست ترياقا للإرهاب ولا يحزنون.
قد تكون الديمقراطية أفضل النظم السياسية المتاحة، وبما تتضمنه من قيم إجرائية أربع، هي التعددية الفكرية والسياسية، وضمان حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والفصل بين سلطات التشريع والرقابة والتنفيذ، وتداول السلطة في انتخابات دورية، وكل هذا جميل ومطلوب، لكنه لا يقضي على الإرهاب ونزعاته بالضرورة، بل ربما يتيح للإرهاب فرصة التوغل والانتشار بحريات التعبير والتنظيم والحركة، والقضاء على الديمقراطية بسلاحها ذاته.
قد تكون الفكرة صادمة لكثيرين، ممن اعتقدوا ويوالون الاعتقاد بالمفعول السحري للديمقراطية، وبمقدرتها الفائقة على حل المشكلات تلقائيا، وهو ما لم يحدث، وربما لن يحدث قريبا، وبالذات في منطقتنا العربية، التي تشهد أشنع موجات الإرهاب. نعم، الديمقراطية بعد واحد، وليست بعدا وحيدا في صورة الحل، فالإرهاب عندنا يقوم على تكفير الديمقراطية، وقد ينشط في بيئات استبداد، لكنه يرد على الاستبداد باستبداد أفظع، ويتبنى تصورا استبداديا يقوم على الحكم بالحق الإلهي، وهي فكرة شاذة تلصق بالإسلام البريء منها، فلا سلطة دينية في الإسلام، ولا حكم بالحق الإلهى، ولا ولاية لفقيه ولا لمرشد ولا لمشايخ، والفارق كبير بين الدين في ذاته، وتفسيرات منحرفة، تنسب نفسها لصحيح الدين وصميم الإيمان، وهي ليست على شيء من الصحة، فالإسلام هو القرآن الكريم والسنة النبوية المتواترة، ثم لا شيء آخر مما يرجفون. والشريعة محددة على نحو قطعي في مئتي آية فقط من القرآن الكريم، وبقية الستة آلاف آية كتاب هداية وتكريس لعقيدة التوحيد، والأصل هو استقلال السياسة عن الشريعة في ما لم يرد فيه نص، والنبي (صلى الله عليه وسلم) قالها بوضوح وصراحة قاطعة: «ما كان من أمر دينكم فإليّ، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به»، وهذه الدنيا التي يعلم بها البشر ليست نطاقا محدودا ولا شيئا واحدا، إنها تختلف من جغرافيا إلى جغرافيا، وتتسع وتتغيرباتصال الزمان وتطور العصور، ويبرز فيها دور العقل والتفكير الإنساني، وفي سياق من الشمول التوجيهي للإسلام، وقيمه الكبرى في التوحيد والعدالة والمساواة وحرية الاختيار، والقابلة للحلول في صور لا تنتهي من الصياغات ونظريات التطبيق السياسي والاقتصادي، فالإسلام ليس لوحة تعليمات معلقة على حائط، ولا لوح جبس يسجن حرية العقل، ولا صورة بعينها ظهرت في أي زمن من التاريخ الإسلامي، فالخلافة ـ مثلا ـ ليست نصا قرآنيا ولا هديا نبويا، بل مجرد صورة بشرية متوافقة مع زمانها، تماما كما كانت الدولة الرومانية المعتنقة للمسيحية نوعا من الخلافة الدينية، وقد كان ذلك طبع التكوينات السياسية في العصور الوسطى، وهو ما اختلفت دواعيه في عصور أحدث، وقس على مثال الخلافة أفكارا أخرى، يسوقها البعض على أنها من صميم الدين، ومن نوع ادعاء وجود نظام إسلامي جامع مانع لغيره من النظم، فعدا الاتفاق البديهي على أولوية تطبيق الشريعة بالمعنى القانوني المحدد، فلا يوجد شيء إيماني اسمه سياسة شرعية ولا اقتصاد إسلامي ولا كيمياء إسلامية، ولا شيء من هذه الخرافات التي يلصقونها زورا بأصل الدين، ويكونون على أساسها ما يسمى بحركات الإسلام السياسي، وهي مجرد حركات رجعية متخلفة، وتسلط دنيوي باسم الدين، وباب لا يغلق، يفرخ الإرهاب موجة إثر الأخرى، ويتيح للاحقين تكفير السابقين وإرهابهم، وقطع رؤوسهم، وسبي النساء، واعتبارهن مما ملكت أيمان الإرهابيين.
وقد يرد إلى الذهن، وبأثر من إيراد أمثله لانحراف التفكير والتفسير الديني، أن المشكلة دينية، وأن الحل في تجديد الخطاب أو الفكر الديني، وهذه نظرة فيها شيء من الصحة، لكنها صحة جزئية تماما، فالتراث الإسلامي البشري حافل بالكثير من القصص والسير المعطوبة، وكل كلام يرد عليه بكلام، ولا بأس باتصال النقاش، لكنه لا يقضي على ولا يقلص ظاهرة الإرهاب، ولا يجدد العقل، ما دامت الحياة على حالها لم تتجدد، فظاهرة الإرهاب لها أساس دنيوي قبل الأساس الديني، وقد يكون الاستبداد ونظم الحكم العائلية لها دورها الخادم للإرهاب، خاصة أن الاستبداد العربي يبرر نفسه دينيا، ويستأجر الفتاوى من مشايخ السلاطين، الذين يخوضون حربا دنيوية ضد مشايخ الإرهابيين، ليس حفظا لبيضة الدين ولا لسلامة تفسيراته، بل حفظا لكراسي السلاطين، وهذه هي المعضلة، فهؤلاء يكونون نوعا من السلطة الدينية المنكورة في أصل الفهم الإسلامي الصحيح، وأدوارهم تبرر للإرهابيين خلق سلطة دينية مقابلة، وهكذا يذهب النقاش كله إلى دائرة نزاع خارج المعنى الإسلامي كله، وتصبح الغلبة لسيف الاستبداد أو لسيف الإرهابيين، ويسود التشوش بصدد حقيقة الإسلام نفسه، وينفسح المجال للكفر بالدين أو للكفر بالدنيا. هل نحن ـ إذن ـ أمام دائرة مغلقة؟ ولا تبدو من فرصة للفكاك منها، لا بإشاعة الديمقراطية ولا بتجديد الفكر الديني؟ يبدو الأمر كذلك لأول وهلة، لكنه لا يعني أن مشكلة الإرهاب بلا حل آخر غير الحل الأمني، فالديمقراطية مطلوبة لذاتها، والتجديد العقلي فريضة دينية ودنيوية، وبدون ضمان أن يؤدي ذلك تلقائيا إلى تلاشي الإرهاب، ولا إلى اختفاء الحروب الأهلية الكافرة، فالعلة الأصلية في حياة الناس لا في العقل والسلوك، العلة الأصلية في المظالم الاقتصادية والاجتماعية، والحل السحري في العدل وحده، فالعدل أساس الدين، والإسلام في كلمة هو العدل، والديمقراطية عبث ما لم تقترن بالعدل، وتجديد العقل بلا جدوى، ما لم يكن مصحوبا بالدعوة إلى تصفية المظالم وإشاعة العدل، ولا يصح الفصل بين حرية رغيف الخبز وحرية التصويت الانتخابي، ولا تركيز الأبصار على حرب مطلوبة بالسلاح ضد الإرهاب، بينما يبقى الفساد محميا في مكانه، فالفساد أخطر من الإرهاب، والفساد علة الإرهاب، والفقر يورث الكفر، والبطالة تولد الإرهاب، وهو ما أدركه شعبنا بالفطرة السليمة، فلم تكن الثورات طلبا للعبة تداول سلطة بين الأحزاب، بل كانت صرخات ضد انحطاطنا التاريخي، وانقطاعنا المزمن عن سباق العصر، والاستبداد عندنا هو عرض لمرض الانحطاط، ووسيلة لشفط السلطة والثروة، وتكوين طائفة من الحواريين المليارديرات حول عائلات تحكم وتتحكم، وتفريغ المجتمع من طاقته الحيوية الإيجابية، وقسمة الناس إلى أغنى طبقة وأفقر شعب، وهيمنة الأمريكيين والصهاينة على قرارات العواصم والقصور، وتأبيد تخلفنا العلمي والصناعي والتكنولوجي، وتحويلنا إلى غبار بشري بائس يائس.
خاطب اليمين الديني بؤسنا كجمعية خيرية، وخاطب يأسنا كجمعية دينية، وانتهى إلى تضخم وطفح مرضي على جلودنا، قاد الناس إلى الطريق المسدود، وأضاف الإرهاب لمآسي الفقر والبطالة والمرض والعنوسة والمذلة وفقدان الاستقلال الوطني والقومي، فالإرهاب داء اجتماعي، وثمرة مرة لسيرة التخلف والانحطاط، ولا تصح مواجهته بالتجزئة الأمنية وحدها، لا تصح معالجة الداء بالتي كانت هي الداء، ولا بد من توازن دقيق بين طلب الأمن وحق الحرية، وإن كانت القصة الأمنية مجرد حل مؤقت لتخفيف حدة الإرهاب، لكنها لا تضمن اقتلاعه المرهون بإشاعة العدل، وتصفية نفوذ مليارديرات النهب، وإقامة نظام وطني واقتصادي واجتماعي عادل، نظام للاستقلال الوطني والتصنيع الشامل والعدالة الاجتماعية.
نعم، العدل هو الحل، العدل هو الذي يعبئ الشعب ضد الإرهاب، وبدون استبعاد لأدوار الديمقراطية وتجديد الفهم الديني، لكن مع جعل الديمقراطية والتجديد في خدمة العدل أولا، فتوزيع الشعور بالعدالة هو الذي يسترد كرامة الإنسان، ويحوله من كائن مهمل إلى طاقة فعالة، ويستعيد «العروة الوثقى» بين الإنسان والأوطان، ويرد اعتبار الأديان المنتهكة، العدل هو الذي ينهي غربتنا في سباق العصر، وغيابه يبقينا في العزلة، ويحول بلادنا إلى حدائق ديناصورات على طريقة «داعش» وإخوانه.

٭ كاتب مصري

عبد الحليم قنديل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية