العدو المخترع

حجم الخط
1

العمل الاهم في حملة دعاية الحركات السياسية المناهضة لليبرالية والمدعية بالليبرالية هو اختراع العدو. فبدون عدو مخترع، لا يكون لها وجود. ولا يمكنها أن تجند الجماهير. واختراع العدو يجب أن يفي بعدة معايير. ينبغي أن يكون واضحا بأن ليس المقصود شخصا واحدا بل جماعة، والا تظهر الجماعة علنا كعدو. بل العكس، تخفي خططها المبيتة، بل وتعرض نفسها احيانا كصديقة الجماهير كي تسرق عقله وتسيطر على وعيه. على العدو المخترع أن يتميز بضلال فكري كي يتمكن من اخترعه من أن يتميز بكشف وجهه الحقيقي. فلا معنى لاختراع أعداء ضعفاء ومحرجين. فهؤلاء يمكن لكل واحد أن يهزمهم. اما العمل البطولي فهو هزيمة الوحش الذي يختبىء في عرينه.
مسلم به ان يكون من الافضل التركيز على عدو مخترع من الداخل، بقدر ما هو الامر ممكن. فالعدو من الداخل معروف أكثر، وعليه فهو مخيف اكثر ايضا. مؤامراته تعرض للخطر مجرد وجودنا. وسهل جدا تجنيد الكراهية ضده؛ بينما صعب أكثر كراهية الاعداء غير المعروفين ممن يعملون بعيدا عن الوطن.
وآخرهم أحلاهم: اضرار العدو المخترع هي دوما من النوع الذي لا يمكن تأكيده أو دحضه بأساليب التفكير العقلانية الدارجة. تعريفه كعدو يقوم على أساس أكاذيب تختبىء في صورة حجج علمية مزعومة، على فسيفساء من المعلومات الكاذبة، المعتقدات الخرافية و «المنطق السليم». بمعنى ليس سليما ومضللا.
ولا يدعي هذا المقال القصير ايجاد كامل مزايا اختراع العدو، بل رسم خطوط لصورته وطرح بضعة نماذج معروفة. فقد اخترع النازيون العدو اليهودي، والستالينية اخترعت العدو التروسكي والعالمي، الفاشية اخترعت النخبوي، المكارثية اخترعت الحزب الشيوعي الأمريكي والخمينية اخترعت الشيطان الاكبر والشيطان الاصغر، أمريكا وإسرائيل.
ولا تنقص نماذج حالية. الشعبية المتزلفة الشرق اوروبية الراهنة اخترعت اعداء في شكل اللاجيء من الشرق الاوسط والبيروقراطي من بروكسل. البوتينية اخترعت للشعب الروسي العدو الاوكراني وقبل ذلك الجورجي. في حملة الانتخابات الحالية في الولايات المتحدة اخترع المتنافس الجمهوري دونالد ترامب والديمقراطي بارني ساندرس اتفاقات التجارة الحرة لأمريكا مع دول آسيا وأمريكا اللاتينية كالعدو رقم 1 للعامل (وللمستثمر) الأمريكي.
كله كذب: اليهود لم يتآمروا على تدمير المانيا، في الاتحاد السوفييتي ستالين لم تعمل تنظيمات سرية تروسكية. الشيوعية الأمريكية كانت ظاهرة هامشية تماما، شرق اوروبا لم تستوعب في السنوات الاخيرة لاجئين من الشرق الاوسط، وتلقت منح بعشرات مليارات اليوروهات من الاتحاد الاوروبي. واقتصاد الولايات المتحدة، بما في ذلك طبقة العمال، كسبت وتكسب على نحو صاف من اتفاقات التجارة الحرة بالتشغيل وبالنمو على حد سواء.
وعندنا؟ في الانتخابات قبل سنة اخترع خبراء الدعاية في الليكود عرب إسرائيل بانهم العدو المطلق، الذي ينقض بجموعه على صناديق الاقتراع. في الاحزاب المسماة «اجتماعية» اخترعوا البنوك كاعداء الجمهور الذين يمصون دمه، إلى جانب شركات الغاز الطبيعي ومنتجات الغذاء.
في نظرة إلى الوراء لم تكن الاختراعات مساوية في الوزن من ناحية انتخابية: فاختراع اليمين للاعداء ساعده على الانتصار في الانتخابات، واختراع اليسار للاعداء ساعده على خسارتهم.
في احيان قريبة تحتاج حتى الاحزاب التي في الحكم إلى اختراع الاعداء كي تواصل الحكم، ولا سيما في اوضاع الازمة الوطنية، التي تستدعي الانتقاد، الاضطراب والاستياء من الحكم. فالحزب القومي المتزلف للجمهور الذي انتصر في الانتخابات الاخيرة في بولندا اخترع مع تثبيت حكمه كعدو للشعب البولندي رواد حركة التحرير الديمقراطي «التضامن» وعلى رأسهم ليخ فيلنسا.
وعندنا اخترعت وزيرة الثقافة ميري ريغف كاعداء للشعب مبدعي الثقافة الإسرائيلية، ولا سيما «الاشكناز اليساريين». الاحزاب الاصولية في الائتلاف اخترعت الاصلاحيين الذين يطلبون، والعوذ بالله، ان يصلوا في المبكى. ولكن سار شوطا بعيدا رئيس الوزراء ومنفذو كلمته في الحكومة، ممن يخترعون من جمعية صغيرة «نحطم الصمت» عدوا وحشيا ومموها جيدا لامن الدولة وللجيش الإسرائيلي. ليس بدلا من بل إلى جانب وسائل الإعلام غير المنضبطة التي هي بالنسبة لهم العدو المخترع المطلق.
ان الدرس الايجابي من التاريخ السياسي العالمي هو أن في نهاية المطاف يظهر اختراع العدو بعريه ككذبة. اما الدرس السلبي فهو أنه حتى اكتشاف الحقيقة يمر زمن طويل، والمواطنون يدفعون على الاختراع المغرض ثمنا باهظا. جدا.

يديعوت 20/3/2016

سيفر بلوتسكر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية