لقد اضحت الصورة واضحة جلية عندما صرح النائب هادي العامري بأن الجيش بحاجة إلى تأهيل وان الحشد الشعبي هو الوحيد الذي يمكنه أن يحرر المناطق التي استولى عليها «داعش»، ثم اردف بالقول أن أي شخص ضد الحشد الشعبي فهو مع «داعش».
يتساءل العراقيون اليوم وفي هذه المرحلة المفصلية من تاريخهم، أين رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة.. وأين وزير الدفاع الذي من المفترض أن يقود المعركة؟ بأي صفة يصرح السيد العامري بهذه التصريحات، هل لكونه زعيم منظمة بدر، التي قالوا بأنها تحولت إلى منظمة سياسية، إثر سقوط النظام البائد، أم كونه عمليا رئيسا للحشد الشعبي، رغما عن رئيس الوزراء والبرلمان؟ من جهة اخرى يذكرنا منطق السيد العامري بنهج البعث الصدامي نفسه، الذي قال للعراقيين يوما ما، «مَنْ لم يكن معنا فهو ضدنا».
قبل أن يفتح جورج دبليو بوش باب الجحيم، حسب تعبير الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، إثر غزوه العراق عام 2003 لم يشأ أحد من العراقيين البوح بمذهبه، لانه يعلم بأن عبادته أمر شخصي لا ينبغي أن تكون معيارا في حياته كمواطن، لتحصيل العلم أو البحث عن وظيفة، أو المباهات بها، وتفضيل مذهبه على بقية المذاهب، لأن الله تعالى هو الذي يزكي الأنفس وهو الذي يحكم بين الناس في ما يتعلق بمصداقية هذا المذهب أو ذاك، ومن الذي يسير على الطريق المستقيم ومن هو المنحرف عنه.
أجبرنا الاحتلال والسائرون في ركابه على التعامل مع العراقيين، ليس على اسس المواطنة، انما قسموا الشعب العراقي على شكل مكونات، الشيعي والسني والكردي والتركماني والمسيحي والإيزيدي، واستلمت مقاليد السلطة لاول مرة احزاب شكلت على أسس دينية ومذهبية وقومية. دخل العراق في طلاسم المحاصصة الطائفية والعرقية، لكن الذي يزيد المشهد تشويشا وضبابية، هو مع كل دورة انتخابية تبدأ المساومات لتقاسم الكعكة بين الاطراف نفسها التي عملقها الاحتلال وارتضت السير على نهجه. علما بأن نتيجة الانتخابات معروفة سلفا، سواء ذهب المواطنون للادلاء باصواتهم ام ابوا بفعل عملية المحاصصة المذهبية والقومية المقيتة.
لقد ضعفت الدولة نتيجة دخول المحاصصة في كل التفاصيل اليومية للمواطن، وبات الجيش يخضع لهذا المبدأ، وعادت المليشيات الدينية المذهبية العقائدية تقوى على حساب الدولة والحكومة، حتى باتت الحكومة ووزارة دفاعها اليوم تقاد من قبل الحشد الشعبي، ومن ورائه المليشيات، التي انضوت تحت عباءته. عندما بشر سياسيو الاحتلال ببناء البيت الشيعي، كان لا بد من ردة فعل معاكسة في الاتجاه المذهبي الآخر، حيث حاولت «القاعدة» ملأه بنشر فكرها المتعصب من 2003 حتى 2009. لقد اسدت «القاعدة» خدمة كبرى للمليشيات الطائفية، ومنحتها المبررات لنشر فكرها وتوسعها وسيطرتها على المحافظات السنية الست، بغداد ديالى كركوك صلاح الدين الانبار والموصل، فضلا عن إحكام سيطرتها على بقية المحافظات الوسطى والجنوبية وفرض الامر الواقع. في اغلب احياء ومدن المحافظات السنية، لا نرى وجودا للحكومة العراقية متمثلة بالجهاز الامني، فقد تركت الحبل على غاربه لعبث المليشيات الداعشية الطائفية، التي تختفي وراءها العصابات والمافيات الاجرامية لتتصرف بمصير السكان كيفما تشاء. اضحى من المؤكد الان من وجهة نظر الحكومة ومليشياتها أن كل سني هو داعشي ودمه مهدور في أي وقت وفي أي مكان.
لقد تفننت المليشيات والعصابات المرتبطة بها بظلم المواطن البسيط، سواء بالقتل أو السلب أو السرقة. ومن المؤكد ان الفساد والسرقة والخطف لا دين لها لكنها تكون اقسى وأشد إيلاما عندما تحميها القوات الامنية للدولة. فقد ازدهرت العصابات في ظل غياب القانون وترعرع المليشيات المسلحة وسيطرتها على الجيش والشرطة الرسمية. لقد وصل الدواعش الجدد إلى التفنن في استنزاف اموال الناس، وكل الوسائل غير الشريفة مباحة للوصول إلى جمع المال الحرام، فهناك سياسة قطع الاعناق وسياسة قطع الارزاق أو الاثنين معا.
لا ندري إن كانت هناك لعبة مزدوجة بين «داعش» الدولة الاسلامية ودواعش المليشيات الحكومية، فالامر الذي يتكرر ويثير القلق والخوف والارهاب هو أن «داعش» عندما يدخل في اماكن تقطنها اغلبية سنية عربية تسهل له القوات الحكومية والمليشيات، سواء في الموصل أو ديالى أو صلاح الدين أو الانبار، فتهجّر الكثير من اهالي المنطقة، ولا تمكث الا عدة اسابيع أو اشهر ثم تنسحب منها بدون قتال حقيقي، ثم يأتي دور المليشيات لتكمل ما بدأه «داعش»، حيث تشرع بحرق المساجد والبيوت وتمارس الخطف والقتل والاغتيالات ولا تسمح بعودة سكان المنطقة الذين هجرهم «داعش» وتنتقم ممن بقى في بيته مجبرا وتحمل مظالم وتعصب «داعش».
الحكومة السابقة والحالية ترفضان تسليح العشائر لتحرير اراضيهم بانفسهم في ديالى والانبار وصلاح الدين والموصل، في حين سلحتا الحشد الشعبي، ليس دفاعا عن الاماكن المقدسة، كما اشيع في بداية الامر، إنما التدخل في المناطق السنية لطرد «داعش» بدلا من تحريرها من قبل اهاليها، مما يوحي بأن هناك مخططا لتغييرات ديمغرافية سكانية في المناطق المحررة أو المغتصبة، وكأنها غنيمة حرب للمنتصر على اعتبارها، من وجهة نظر الحكومة، كانت حاضنات لعصابات «داعش». تريد الحكومة من الاهالي العزل في تلك المناطق الوقوف في وجه «داعش» المسلح، في حين لم يصمد جيشها امام تقدم «داعش» الا ساعات قصيرة. فاي الفريقين اولى بالحساب والعقاب؟ في حين لا يزال من سمح لـ«داعش» بالدخول إلى الموصل وهو رئيس الوزراء السابق نوري المالكي حيا يرزق ويثير القلاقل امام رفيق دربه من حزب الدعوة حيدر العبادي، فقد عين نائبا لرئيس الجمهورية ولا يزال يسيطر على القوات المسلحة، ويحاول قدر الامكان عدم السماح لفتح ملف هجوم «داعش» على الموصل واستسلام القيادة العسكرية وهروبها بعد أن تركت اسلحة كثيرة، فمَنْ امرهم بالاستسلام وكيف؟ ولما لا يريد المالكي فضح تلك الاسرار، ولماذا لا يريد العبادي نفسه الضغط على رئيس الوزراء السابق، رغم الخلافات في وجهات النظر بينهما؟
هناك انطباع عام لدى العراقيين بأن هناك تواطؤا بين الرجلين، لانهما في النهاية يسيران على سكة العملية السياسية نفسها، وفشلهما يغرق الجميع بلا استثناء. لقد تمكن الاحتلال واذنابه أن يعيدوا العراق إلى ما قبل الحداثة وامسى بين ليلة وضحاها بناء العهود الملكية والجمهورية منذ حوالي قرن من الزمان في خبر كان. فهل نحن في احلام اليقظة لنجد عراقنا وبكل بساطة بدون جيش وطني يدافع عنه. وبات العراق الان في اتون صراع دموي بين المليشيات المهيمنة على السلطة و»داعش». أطلت علينا اعتاب مرحلة خطيرة غابت الدولة ومؤسساتها عن القيادة لتحل محلها المليشيات. سيسود بالطبع عالم الغاب، القوي فيه يأكل الضعيف، ويفرض ما يريده بالاكراه والقوة. لعل احداث بروانة في ديالى، وقبل ايام في الرمادي وغيرهما خير دليل يذكرنا بان العراق عاد إلى عالم آخر ينتمي إلى العصور الحجرية. الدواعش المتحاربون لا يختلف احدهم عن الاخر، فالاثنان تتكون قياداتهما الرئيسية من مرتزقة من خارج الحدود العراقية، والاثنان تجمعهما عقيدة متطرفة، احدهما يكفر الاخر ويمارسان القتل والذبح.
هناك اشارات مقلقة ينبغي للعالم الحر والمنظمات الدولية التنبه لها، وأخذها على محمل الجد، فتصريحات وزير الداخلية العراقي قبل ايام بالسماح لكل مواطن حيازة السلاح في بيته للدفاع عن نفسه، مؤشر قوي إلى أن الحكومة تنوي التخلي عن مسؤوليتها في الدفاع عن المواطن، وشرعنة المليشيات اضحت تحصيل حاصل، فقد باتت اقوى واهــم من الجيش العراقي نفسه وتحظى بالرعاية الدينية والتدريب والتسليح الحكومي.
على العالم، خاصة الامم المتحدة، أن يرفعا الغطاء السياسي عن حكومة بغداد قبل فوات الأوان، لان التغطية على جرائم مليشياتها وفوضوية ادارتها الحكومية، في جميع المجالات المتعلقة بالاقتصاد والاعمار وتمزيق النسيج الاجتماعي والفساد المستشري في جميع مفاصل اجهزة الدولة ينذر بمفاجأة غير سارة قريبا. نعم إن مراهنة امريكا على هذه الحكومة ستغرق العراق باجمعه في اتون حرب تطهير طائفي واسع النطاق وإرهاب غير منقطع النظير يحترق فيه الاخضر واليابس، وسوف تفقد امريكا مصداقيتها امام العالم ولن تتمكن من الامساك بخيوط اللعبة التي ارستها منذ عام 2003.
كاتب عراقي
د. نصيف الجبوري