العراقي علي حسين يرصد حكايات الحب لرموز الأدب والفلسفة

أن تجتمع القوة والمتعة في كتاب فتلك نعمة، يغبط عليها صاحبها. هذا ما تحقق في كتاب «سؤال الحب»، الصادر عن مؤسسة المدى الثقافية العراقية في بغداد هذا العام 2018 للكاتب والصحافي العراقي علي حسين.
كتاب وضعه من خزين معرفته وإطلاعه وقراءاته الواسعة والدقيقة، التي ادخرها على مدى خمسة عقود من الزمن في سني عمره، التي تشارف على الستين. لا يخفي الكاتب ولعه بموضوع الحب وتساؤله عما يكون وكيف يكون. ومع أنّ الكاتب لا يظهر رغبة بالخوض في آرائه الشخصية، ربما بداعي الحيادية والموضوعية وعدم التدخل الا إنّه يكتب معبراً عن وظيفة الكتاب ونظرته لموضوعه، الحب، في أنّه «لم يكن حالة عرضية في حياة أدباء وفنانين وفلاسفة كبار، ولكنّه كان نقطة الدخول إلى عالم الإبداع، وهروبا من الوحدة، للبحث عن ملاذ آمن، يمدنا بالثقة والطمأنينة بأننا لا نواجه العالم بمفردنا». فالحب هنا فعالية إنسانية تتميز بالشمولية وتبتهج بالوفاء والعمق والمتعة. إنّه كتاب يسلط الضوء على الجوانب غير المادية للحياة الاجتماعية لدى نخبة ممتازة ومتنوعة من المشاهير، ينزل بهم الكاتب إلى قاع الحياة الإنسانية لنبصرهم بدون وهج الشهرة والإعجاب، ونراهم في أضعف حالاتهم الوجدانية وأقواها على السواء، لنتعايش معهم ونبكي لتجاربهم ونقترب من دواخلهم المكتظة بأعباء القلق والرفض والإنكار بمثل ما تكتظ في مراحل أخرى بالمحبة والقبول والإعجاب.
يقترن الحب بكل ما هو طيب وحسن وهذا ما يظهر في أعمال وتعبيرات من راجع لهم الكاتب. ويبدو أنّه هو نفسه منحاز لهذا الجانب، مشاهير
ولكنّ القارئ يحدس أحياناً أنّ للحب وجها آخر لدى بعض هؤلاء، كما في تصوير سقراط للحب على أنّه «جنّي عظيم». وذلك تولستوي يصف صحبة النساء بأنّها «ضرورة كريهة»، ونيتشة الذي يصف النساء بـ«المتآمرات» ويعبر عن الاحتقار لهن بقوله: عندما يحارب الرجال، فعلى النساء القيام بفعل الترفيه». ولا يبدو برناردشو أقل هوناً على المرأة من هؤلاء، حيث يسخر منها بالقول إنّ الرجل يمثل الصيد، أما المرأة فهي «الصياد». ويقاوم توفيق الحكيم المرأة ويعرب عن تعاليه على الزواج، إلا إذا «أصيب بالجنون»، حتى يلتقي بـ «سيادات» التي تصبح زوجته بعد أنْ هزمته في حرب كان هو «فارسها الأوحد» سلاحها فيها أعماله وأفكاره المعبر عنها، في ما نشر وتكلم عنه إعلامياً. وكذلك الحال بالكاتب عباس محمود العقاد الذي يوصف بأنّه «عدو المرأة»، حتى سلمّ هذا العدو سلاحه طائعاً منصاعاً إليها.
إنّه كتاب يتحرر من التحيزات الثقافية والجندرية، ويقدم حكايات الحب لمشاهير الأدباء والفلاسفة والفنانين والشعراء وحتى العلماء، بدون أن يضعهم في خانات منفصلة لأنّه يهتم بجوهر مفهوم الحب لديهم من خلال تعقب تجاربهم، وكيف عبروا عنه في أعمالهم. فنحن نقرأ في فصوله الثلاثين عن أسماء عظيمة من أمثال تولستوي وجان جاك روسو وديكنز وغابرييل غارسيا ماركيز وتورجنيف وهمنغواي ولويس أراغون وشوبان وتشيخوف وآرثر ميللر وستندال وبيتهوفن وبيكاسو وبلزاك وإيرك ريمارك وديستويفسكي وكازانوفا ونيوتن وأينشتاين. ونقرأ أيضاً لنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وطه حسين وعباس محمود العقاد وجبران خليل جبران والعراقي جواد سليم. ولا يغمط الكتاب النساء حقهن من خلال تقديم من توافرت الفرصة للإطلاع على إنجازاتهن وتجاربهن من أمثال سيمون دي بوفوار (الفلسفة)، وفرانسو ساغان وإيزابيل ألليندي في مجال الرواية.
جندرياً، يغلب الطابع الذكوري على ما جاء في هذا الكتاب، فالمرأة مصدر الإلهام والقوة وهي من «تبث الفكر العاطفي في كتاباته» كما يعبر هايدغر عن مشاعره لحنّة أرندت، ولكنّ هذا الطابع الذكوري من النوع الحسن في الذكورية كنسق ثقافي وفلسفي وفكري. يلاحظ أنّ المؤرخة الأمريكية غيردا ليرنر مؤلفة كتاب «النظام الأبوي»، تخلص إلى القول إنّ على المرأة ألا تفرط بسماتها الأنثوية، وفي مقدمتها العاطفة المستفيضة والجياشة لأنّ هذه من مفاتيح قوتها.
ويرصد الكاتب بخفة وشفافية أنّ معظم هؤلاء المشاهير لم يأتوا من طبقات أرستقراطية متنفذة ولم يدخلوا بالضرورة مدارس محترمة، ولم ينج كثير منهم من الفقر والفاقة، بل حتى خطر المشاركة في الحروب، بل إنّهم لم يجدوا الطريق إلى التميز والنجاح والشهرة سهلاً. فقد نالوا نصيبهم من الفشل وتلقوا الرفض وحرموا من الدعم والتشجيع، الذي يطالب به الناس في العادة ولكنّهم لم يتكتموا على ذلك وتحدوه. وعاش معظمهم حياة كدحوا فيها وعانوا من شظف العيش والإفلاس، وهم بعد لمّا يزالوا في أول الطريق. ومنهم من مرضت أمهاتهم وماتت حبيباتهم.
الكتاب أشبه ما يكون بدليل أخلاقي، إنّما هو ليس دليلاً أخلاقياً بمقاييس ضيقة ورثة تهتم بالمسلمات والأنماط الاجتماعية السائدة والمتفق عليها. تنبع أخلاقية هذا الكتاب من الولع بالحرية الإنسانية وحقوق الإنسان والتحرر من آثام النفس. فهذا سارتر الذي يصف الحب في أنّه «الحرية من أنْ تكون مستعبداً لأحد». ويؤكد أنّه لا يبرر التنازل عن حريته الشخصية حتى لسيمون دي بوفوار، الأمر الذي تمخض عن أشهر اتفاق بين محبين، وهو اتفاق عدم التدخل في شؤون بعضهما بعضا. ويقدح الكتاب الحماسة للخوض في جدالات ساخنة، لعل من أبرزها الجدال بشأن العلاقة بين الحب والزواج، ويقدم آراء للفصل بينهما، على افتراض أنّ الزواج يقتل الحب. نقرأ مثل هذا لدى بيتهوفن ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وجبران خليل جبران.
ويخوض في النظرة إلى الحب ومفهومه، يعبر العقاد عن نظرته للحب بالقول إنّه فعل «اللااختيار»، «فنحن لا نحب حين نختار، ولا نختار حين نحب». ويقدم أمثلة للحب بين أشخاص يتباينون من حيث العمر، كما في الممرضة الجميلة التي أعجب بها همنغواي التي تقرر الابتعاد عنه بسبب فارق السن بينهما، هو في عشرينياته وهي في ثلاثينياتها. ويقدم لجدل المبادرة، من الذي يبادر أولاً المرأة أم الرجل. ويعرض لمن يرى في الحب دفقات أمل وحياة ومكاشفة تسمح لرجل مثل أدولف هتلر أن يوافق على إظهار ضعفه أمام شخصية واحدة فقط هي عشيقته إيفا براون، فيما يعدد أبو الطيب المشاء علامات الحب في أنّها «نحول في الجسم وطول السقم وقلة النوم وإدمان الفكر وإظهار الخشوع وإعلان الحنين». ويقرن أبو الطيب المتنبي الحب بالموت. وذاك تورجنيف الروسي الذي يجد نفسه مبهوراً ببولين النجمة المعروفة والسيدة المتزوجة المحترمة فلا يجد الا أن يمضي أربعين عاماً في محبتها، حتى إذا ما وقع طريح الفراش محتضراً ينتظر الموت تأتيه بولين وتحتضنه مودعة إياه فيصف مقدمها بمقدم «ملكة تتفقد أحد رعاياها». ويسلم تورجنيف الروح إلى بارئها فتذهب بولين إلى غرفتها للاحتجاب عن الجميع بما في ذلك زوجها وترفض مقابلة أحد حتى تموت بسبب تناول سم يسري بطيئاً في جسدها. وفي فترة زمنية لاحقة تظهر الروائية الفرنسية ساغان لتعلن التمرد على بلاهة الحياة الاجتماعية الفرنسية وتمسكها بالصيغ المنمطة الخانقة. ويعطي الكتاب نماذج في التسامح الديني، من خلال موقف القس المسيحي الفرنسي الذي يدعم رغبة ابنة أخيه «سوزان»، للاقتران بالشاب «الأجنبي والأعمى والمسلم» طه حسين، ليقول لها بعد أن أمضى برفقته ساعتين من النقاش «لك أن تحققي رغبتك، فمع هذا الرجل ستحلقين عالياً».
كتاب «سؤال الحب»، نوع جديد ومبتكر من فن الكتابة الصحافية التي تحافظ على السرعة والسهولة والإثارة والمتعة، بدون التفريط بمضمون الفكرة أو الاستهانة بالمعلومة من حيث الزمان والمكان. ورغم أنّه كتاب يقدم حكايات متنوعة ومتباينة، ولكنّه ينجح بقوة في المحافظة على دفق المشاعر من خلال تقديم خلاصات يحافظ فيها على جوهرية التجربة والفكرة، سواء بصيغة ما تركه هؤلاء المشاهير من أعمال أو عبروا عنه في كتب السيرة الذاتية أو المقابلات. رصد لا يقوم به إلا كاتب محصن بالإحاطة المستفيضة بمن يكتب عنهم.
إنّه كتاب يقدم مادة ممتازة للمشتغلين من الباحثين وطلبة العلم في مجال علم اجتماع الأدب والفن والثقافة، استكمالاً لأعمال مهمة في هذا المجال، لعل من أبرزها كتاب «فلسفة الحب»، لجورج زيمل (1910) وأعمال إيرك فروم التي تمّ التطرق إليها في هذا الكتاب. تعقب الكاتب نخبة ممتازة من الكتّاب والمبدعين ابتداء من أعمالهم ومصادر ثقافتهم وظروف حياتهم الشخصية والسياسية العامة، وبذلك قام بمسح مهم يؤسس لأعمال جديدة تستهدف الموضوع من زوايا مختلفة. ينطوي الأدب والفن والرواية والشعر على كثير من العاطفة والخيال، إلا أنّ هذه لا تبتعد عما يهتم به علم اجتماع المعرفة الذي يتعقب كيفية تأثر نظام الفكر بالبنية الاجتماعية الثقافية للمجتمع الإنساني، ما يسلط إضاءات مهمة لتوسيع المعارف والتفسيرات. وهذه يمكن أن تكون مادة مهمة لاستكمال البحث أو الإفاضة عليه أو النسج على ما يقرب منه.
فهذا الألماني ريمارك يخرج ثائراً على الحرب والحروب في أعقاب سوقه للخدمة العسكرية خلال الحرب العالمية الأولى ونجاته من الموت بأعجوبة، ليقدم أعمالاً مسرحية تقبّح فكرة الحرب والقتال وتدعو إلى مناهضتها. ويتردد صدى مقولة تورجنيف حول ما إذا خير بين أن يكون عبقرياً، أو أن يكون بواباً في بيت بولين ليختار الثاني. فكرة يتردد صداها في واحدة من الأغنيات الشعبية العراقية التي غناها المطرب العراقي ناظم الغزالي بقوله «لو تحب خادم، خادمها أنا، لاترك الدولة وأعوف السلطنة»، وذاك الشاعر بلزاك الذي يعشق امرأة أربعينية مؤكداً القول «لا بد أنْ نمر بالحب، وإذا لم نجده علينا ابتكاره». فكرة يتردد صداها في قصيدة الشاعر نزار قباني «ماذا أقول له» عندما يصدح قائلاً: الحب في الأرض بعض من تصورنا لو لم نجده عليها لاخترعناه». ويربط الشاعر الفرنسي أراغون بين حبه لحبيبته إلزا والوطن ويشرع بالدخول في الحياة السياسية من بوابتها ليقول «إنّ الدفاع عن فرنسا ضد الألمان يتحقق من خلال الأمل بالعودة إليها».
ويشرح علي حسين طريقة صنع الشخصية الوهمية المعروفة بـ«دون جوان»، التي ابتكرت أصلاً في إيطاليا وقدمت في مسرحية «ماجن إشبيلية» لدواعي أخلاقية تهدف إلى نصح الفتيات الصغيرات لعدم تصديق من يحاول أنْ يغرر بهن باسم الحب. إلا انّ دون جوان الفرنسي كما يقدمه الشاعر مولير، يصبح عنواناً للوسامة والجاذبية والتمرد على الرياء الاجتماعي والتظاهر الزائف بالفضيلة.
إنّه ليس سرداً أو إيجازاً لحكايات وتجارب عدد من المشاهير وإنّما استنتاجات كتبت بنفس بحثي إنساني وأخلاقي شفاف. ولعل الحكمة فيها أنّ الضغوط الاجتماعية لا تختلف في ما بين المجتمعات البشرية الا من حيث الحالة ومقدار من التخصيص. أما الفرق فيحدثه رجال ونساء يهيمون برسالتهم ومنجزهم في الحياة. كتاب تقرأه وترغب بالاحتفاظ به لأنّه يحاكي شغاف القلوب ويعطي سبباً للعودة إلى ما يشغلها.

٭ كاتبة عراقية

العراقي علي حسين يرصد حكايات الحب لرموز الأدب والفلسفة

لاهاي عبد الحسين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية