العراقي منذر عبد الحر: النقد العربي بعيد عن عمق النص الأدبي

حجم الخط
1

بدأ منذر عبد الحر حياته شاعرا في البصرة التي ولد فيها عام 1961 ومنها بدأ نشر قصائده منذ عام 1979 في صحف بغداد التي انتقل اليها ليكون اسما متميزا أهله للوصول إلى مكانٍ عال، ليصبح عضوا في المجلس المركزي لاتحاد الأدباء والكتاب العراقيين. وما لبث أن أصدر روايات جادة، رغم أن اختصاصه الدراسي بكالوريوس إعلام، حيث يشغل الآن منصب مدير تحرير إحدى الصحف.. صدرت له المجاميع الشعرية «تمرين في النسيان» و»قرابين» و»قرابين العش الذهبي» ضمن إصدارات بيت الشعر الفلسطيني في رام الله، وكذلك «شجن» و»على حصان خشبي» و»أعمل الآن قرب مقبرة»، فضلا عن مجموعة «صديقي الأمل»، ثم أصدر روايات «زائر الماء» و»طقوس الإثم» وكذلك «غناء سري»، بالإضافة إلى كتاب في القراءات النقدية حمل عنوان «غناء الجرح في فضاء المعنى»، وكتب في المسرح فكانت له مسرحيتان من المونودراما، الأولى بعنوان «أعشاش» عام 1995 والثانية بعنوان «غرقى» عام 1996، إضافة إلى أنه كتب للتلفزيون مسلسلا من ثلاثين حلقة عرض في قناة «الحرية» الفضائية، وكتب عشرات التحقيقات الصحافية المتنوعة، نشرت في الصحف والمجلات العراقية والعربية

■ ما الذي جاء بك إلى الأدب.. الشعر أم الرواية أم الإعلام؟
□ الأدب حضر معي منذ اللحظة الأولى التي تفتح فيها إدراكي، فأنا ابن الماء والخضرة والتأمل، ابن أحزان الجنوب، التي تأخذ الفرد مبكرا إلى تلال الترقب، حيث الحلم والأمل وأغنيات الفقر الشجية، فتحتُ عيني في أكواخ لا تقي جيدا مؤثرات البيئة ، فالحر قاسٍ، والبرد قارص، وبينما تنساب حكايات الجدات على المواقد، وننام على همس حورية أو جنية أو همس عاشقين ، كنتُ أرى في كل شاخص أمامي معنى مختلفا، وكنتُ أترنم بإيقاعات أحيانا لا معنى لها، سوى الموسيقى الحالمة، التي جعلتني استوعب سريعا بحور الشعر العربي، وأنا ألثغُ بنثار قصائد هشة بسيطة، لكنها عذبة في عفويتها وطفولتها الساحرة، وعليّ إذا ما أردتُ الحديث في ما الذي جاء بي إلى الأدب، أقول هو الشعر واحتراقاته المبكرة وسحر فضاءاته وجماليات تعبيره.

■ كنت من الأسماء الشعرية في الجيل الثمانيني إبان الحرب العراقية الإيرانية.. هل كان صوتكم الشعري مغايرا في تلك المرحلة عن الأجيال التي سبقتكم؟
□ الذي ميز جيل الثمانينيات الشعري في العراق، عن غيره من الأجيال، وعن أقرانه في البلدان العربية الأخرى، هو الاحتجاج الغريب والقوي عن طريق اللغة، فقد كانت لنا ثورتنا الخاصة التي عبّرنا بها بواسطة النص الذي ينتمي تجنيسا لقصيدة النثر، لكنني أرى أنه حتى هذه التسمية لم تحط به كليا، بسبب خروجه عن نمط الإتيان بالمعنى عن طريق الصياغات اللغوية، فقد تقصد جيلنا تغييب المعنى في الشكل، وهذا هو الاحتجاج الذي لا يؤخذ في المنظار العام كجريرة أو تهمة، فهو قضية ذاتية، تنتمي لهذيان «أناشيد مالدورر» في بعض مواقعها، وللنص اليائس الذي أشرتُ إليه شخصيا في بحث طويل، وأعتقد أن جيلنا الغريب المشاكس المهم لم يدرس جيدا.

■ كان الشعر والأدب في تلك المرحلة متهما بالتبعية، هل كانت وراء هذا الاتهام جهات تريد فقط الطعن بتلك المرحلة؟
□ جيلنا محير بنصه وثقافته وموقفه، وأيضا في طريقة حياته، وأنا أتحدث هنا بصيغة الجمع، لأن هناك هاجسا واحدا اجتمع شعراء هذا الجيل تحته، وهو الإحباط الاجتماعي من جهة، والاحتدام الثقافي والفكري من جهة ثانية، لذلك كانت المؤسسة الثقافية تنظر لكل منا بحذر، وحاولت ترويضنا بوسائل عدة، لكنها لم تفلح، ففتحت لنا أبوابا خاصة لتريحنا وتستريح منا، أما التبعية الفنية التي تعنيها، فأنا لا أنكر المؤثرات والموجهات لدى الكثير من أبناء جيلنا، لكنها سرعان ما توارت، لأننا بدأنا ننحت تجربة جديدة ضمن قناعات ولّدها الحوار المستمر، والرؤية المتواصلة والبحث في كل مخفيات النص الجديد.

■ في كتاباتك الشعرية دائما ما نجد السؤال هو المبحث الأول في العلاقة بين النص والتلقي.. هل هناك عمق صوفي؟ أم تأثير فلسفي على الواقع، أو تأثير الواقع على الفلسفة؟
□ صدق التجربة هو الأساس في منطلق أي نص لي، وأنا لا أسعى في كتابة الشعر إلا إلى مسار النص، الذي يسعى في انطلاقه لكل عوامل إغناء التجربة، وهي ذائبة في وعيي ولاوعيي معا، فترى الجملة غير متكلفة في قصيدتي، لأنها ترتكز على صدق اللحظة وهي تؤدي الشعر وتنسج النص، وبذلك تختلط الفلسفة بالواقع بالوجد الصوفي لتظهر في صورة شعرية أريدها تكمل فضاء النص وفكرته وعالمه الذي أسعى لبنائه.

■ بعد رحلتك مع الشعر الذي عرفت به، صدرت لك ثلاث روايات ومسرحيتان.. ومن ثم كتب نقدية.. هل هذا التنوع قصة إبداعٍ أم أن المخـــيلة لا يحــــدها هامـــش أو تحديد معين؟ أم هو انتقال لإثبات القدرة الإبداعية؟
□ أنا لا أرى في الأمر تنوعا أو انتقالا، فالأدب عالم مفتوح، والتعامل مع ألوانه ومفردات تجنيسه تتبع لطبيعة النص الذي يؤديه المبدع، وعلاقة النص بالموضوع، فحين تجتاحك هواجس قصيدة فعليك بسرعة إنجازها كي لا تفلت منك لحظة بزوغها، أما الرواية فهي فن تفاصيل وبناء عوامل متكاملة في شخوصها وأحداثها، وهكذا مع الفنون الأخرى، لذلك حين يمسك الأديب بموضوعه يستطيع إخضاعه للآليات التي تتطلبها مفردات نصه، لذلك تجد موضوعات قصائدي تتلاءم مع حساسية الشعر وآفاقه، وبأشكاله المتنوعة، بينما رواياتي وقصصي أنشئ فيها عوالم سردية وحكائية، أما النقد فهو تحصيل حاصل للقراءة والذائقة، وكيفية التعامل مع كل عمل إبداعي، ملخص الكلام في هذا الموضوع، أنني أرى في تعدد مجالات الاشتغال الإبداعي، تشذيبا للتجربة، شرط أن يتحلى كل لونٍ أدبي باشتراطاته الفنية الدقيقة.

■ في روايتك يبرز الواقع كهدفٍ مركزي.. لذا نجد أن المحور الأساس هو معاناة الواقع والمجتمع، من خلال شخوصٍ مستلة من الهامش.. هل تجد في الرواية ما لم تجده في الشعر لتفكيك هذا الواقع؟
□ الرواية عالم متكامل، يحتمل التفاصيل والتأمل، بينما الشعر لمحة خاطفة تعطي موقفا وتولد دهشة، وواقعنا فيه من الغرائب والعجائب ما يجعلنا مولعين بمحاكاته، أما الهامش فأرى فيه المادة الخصبة للمتن والمركز، لذلك أستطيع التعامل معه بحريةٍ كبيرةٍ، لأؤسس فيه ومنه أفكارا، لا يحتملها الشعر بإيجازه وكثافته ودقة اختيار مفرداته.

■ بعد رحلة تقارب الأربعين عاما في المجال الإبداعي.. هل أنصفك النقد؟
□ لا أبالغ ولا أجدني متجنيا على أحد حين أقول إن الكتابات النقدية التي تناولت تجربتي الأدبية في عمومها، معظمها لا علاقة له بعلم النقد، مع تقديري واعتزازي للكتابات النقدية الرصينة التي تناولتني برؤيةٍ علميةٍ مهمة، وعلى العموم فإن أكثر النقد العربي بعيد عن عمق النص الأدبي وجوهر الاشتغال فيه من قبل الأدباء في مختلف اختصاصاتهم، لأن النقد الآن بمثابة كشف واستبصار وغور في النص والتجربة، وليس انطباعا عاما أو رأيا عائما لا مرتكزات علمية ونظرية فيه.

■ ما بعد عام 2003 نجد هناك الانفتاح على إصدار الكتب الأدبية، خاصة الرواية.. كيف ترى أولا هذا الانفتاح إن كان سلبيا أم إيجابيا؟ وثانيا.. هل يمكن أن يعطي هذا الانفتاح السريع والهائل هوية أدبية عراقية مفادها أن العراق بلد منتج للأدب؟
□ في كل الأحوال هناك عطاء مفرح، وهناك نتاج متواصل، رغم تباين المستويات والقيم، إلا أن هناك أدبا حقيقيا على النقد أن يحدده ويفرزه، وأن هناك مئات، بل آلاف الأدباء والكتاب الذين ظهروا، بعضهم لأسباب غير ثقافيةٍ أو أدبية، والبعض الآخر لمجرد الظهور وكسب الإعجاب، لكن الكثير من الأدباء حملوا هما إبداعيا حقيقيا، وقدموا نماذج تشكل حقا الهوية الإبداعية العراقية الناضجة، وأرجو أن لا يعد البعض من المهتمين بالشأن الثقافي أن الكثرة أو الهيجان، إذا صح التعبير، ظاهرة سلبية بشكلٍ قاطعٍ أو إيجابية بشكل قاطع أيضا، فللأمر سلبياته وإيجابياته، وأن نافذة الحرية التي فتحت لها حسناتها، لكن غياب الضوابط ربما خلط بعض الأوراق، وقدم أسماء وتجارب هزيلة، كان من المفروض أن تشخص، لا أن تعطى أدوارا مهمة، وبالتالي تسيء للوجه المشرق للأدب العراقي.

■ هل تمكنت الصحافة من ملاحقة المنجز الأدبي العراقي؟ أم ظلت الصفحات الثقافية خاضعة لتأثيرات السلطة التي تحولت من المركزية الواحدة إلى تفتيتها وتحولها إلى مراكز قوى؟
□ من المؤسف القول إن الصحافة الثقافية الحقيقية غابت عن العمل الصحافي الراهن، والسبب الأول في ذلك هو وجود وسائل الاتصال الحديثة، التي أبعدت الصحافي العامل في الحقل الثقافي عن منصة المتابعة والرصد والتشخيص، ولعل هناك تشابها في معظم الصفحات الأدبية في صحفنا، والسبب هو غياب الأسس الصحيحة للعمل الثقافي، وذوبان السمات التي يجب أن تميز صحيفة عن صحيفة أخرى، من خلال رؤيتها الثقافية الخاصة، إذ لا يوجد كتاب معينون يختصون بجريدة معينة، ولا توجد حقوق مترتبة على النصوص أو الكتابات المنسوخة من صحيفة إلى أخرى، بحيث أصبح القارئ يطالع موضوعا واحدا أكثر من مرة، وفي أكثر من جريدة، ولا يعرف أين كان النشر الأول والحصري لهذا الموضوع، أو النص. أما المتابعات الثقافية فقد ألحقت بالبث المباشر، والمتابعة الفيديوية التي تأتي بعيدة عن رصد الوقائع وإعطاء الآراء المناسبة، لذلك فإن الصحافة الثقافية شهدت نكوصا واضحا.

■ أين تجد نفسك أولا في الرواية أم الشعر أم الصحافة أم في النقد؟ وثانيا أين يصب المستقبل مصالحه في هذه الأجناس الأدبية؟
□ أنا شاعرٌ قبل كل توصيف آخر، وكل المجالات التي خضتُ فيها تعيدني في النهاية إلى الشعر الذي انطلقتُ منه وحملتُ صفته الأدبية وهويته الإبداعية، وأعتقد أن كل الفنون الأدبية تأخذ مساراتها المستقبلية التي تتطور مع الزمن ومع تطور مبدعيها، ولا يوجد تقدمٌ لنمطٍ إبداعي على نمطٍ آخر، ولكن التسويق القرائي لهذه الفنون، أعتقد أنه يسير لصالح الرواية.

العراقي منذر عبد الحر: النقد العربي بعيد عن عمق النص الأدبي

حوار: علي لفته سعيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية