يعيش أبناء الشعب العراقي اليوم بكافة أطيافه ومكوناته أزمةٍ اقتصادية هالكة مهلكة؛ بسبب الإجراءات التقشفية التي اتبعتها الحكومة العراقية بإقرار البرلمان العراقي لموازنة 2016 المالية التي شددت على ضغط النفقات وزيادة الإيرادات بفرض الضرائب والرسوم وجباية الأموال من الوزارات لمختلف الخدمات المقدمة للمواطنين بهدف تعزيز الإيرادات غير النفطية، فلماذا اتبعت الحكومة هذه الإجراءات التقشفية؟ وهل تم تطبيقها على المواطنين والمسؤولين على حد سواء؟ أم طبقت بانتقائية وازدواجية؟
كلنا يعلم أن تدهور أسعار النفط في الأسواق العالمية وتراجعه إلى مستويات غير مسبوقة، بسبب تخمة المعروض، منذ منتصف 2014 وحتى اذار 2016 وتوقع استمرار انخفاضه، يعلم الكثير ان هذا الانخفاض قد ألقى بظلاله على الاقتصاد العراقي والإيرادات المالية العراقية؛ لكون العراق بلدا ذا اقتصاد ريعي أحادي الجانب يعتمد في موازنته على الإيرادات النفطية، فبسبب هذا الانخفاض تراجعت الإيرادات المــالـية للـــعـــراق عن تغــطــــية نفــقاته إلى درجة هددت معها قدرة الحــكومة على دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين فأصيبت موازنة البلاد بعجزٍ كبير وقياسي عالمياً.
وفي مواجهة ذلك قررت الحكومة خفض الرواتب والمخصصات للموظفين فشهد الشارع العراقي مظاهرات عارمة في عموم البلاد اضطرت الحكومة التراجع عن قرارها والإعلان ان الرواتب والمخصصات خط أحمر والحكومة ملزمة بتوفيرها، فهل كانت فعلاً خطا أحمر أم أخضر؟
بعد دخول موازنة 2016 حيز التنفيذ شرعت الحكومة باتخاذ مجموعة من الإجراءات وفرض الرسوم والضرائب وجمع جبايات من المواطنين نظيراً لمختلف الخدمات المقدمة لهم، وكان لوزارة الصحة السبق في ذلك، إذ قررت رفع أجور الخدمات الطبية من تذاكر وعلاج وعمليات جراحية، بل وفرضت رسوما حتى على المعافى الذي يزور مريضاً. لتسهم في قطع عرى التواصل الاجتماعي.
وتبعتها وزارتا التربية والتعليم إذ فرضتا رسوما على بعض الخدمات التعليمية والتربوية مثل سحب الوثائق وكتب التأييد والامتحانات للدور الثالث وغيرها من الخدمات، فضلاً عن بقية الوزارات التي باتت تجبي الأموال من المواطنين نظير خدماتها لهم بأسعار أعلى بكثير منها في السابق.
كما ان رواتب الموظفين والمتقاعدين لم تبق على حالها؛ إذ طبق سلم رواتب جديدا استقطع من رواتب الدرجات العليا (1،2،3) كما فرضت ضريبة دخل عليهم وعلى غيرهم من الموظفين، وفي شهر شباط/فبراير 2016 شرعت الدوائر بتنفيذ قرار استقطاع 3٪ من اجمالي الراتب، وبأثر رجعي على ان يستمر العمل به كل هذا العام، بذريعة تخصيص مبالغ الاستقطاع للحشد الشعبي والنازحين، وفرضت استقطاعات أخرى مثل صندوق دعم وزارة التربية وغيرها ليعبر بذلك مجموع الاستقطاع نسبة 10٪ من إجمالي رواتب الموظفين والمتقاعدين، فضلاً عن الاستقطاعات المرتفعة التي شملت موظفي الدرجات (1-3) وفقاً لسلم الرواتب، وبذلك تكون الحكومة قد قللت من دخل المواطن من خلال الاستقطاع التدريجي وسحبت جزءا من دخله المتاح للانفاق من خلال دفعه للضرائب والرسوم نظيراً للخدمات الصحية والتعليمية والبلدية وغيرها، أي أن الحكومة تعاملت مع المواطن وفقاً للقول: ( اعطيك باليمنى واسحبهن باليسرى). فالراتب لم يعد كله متاحا للانفاق كما في السابق بسبب زيادة مبالغ الضرائب والرسوم، فضلاً عن الاستقطاعات ما قلل بالتالي من القدرة الشرائية للمواطن العراقي.
والعجيب والغريب بل المريب في الأمر أن كلا من الحشد الشعبي والنازحين لم يستفيدوا بعد من مبالغ الاستقطاعات، والكثير من المواطنين تتأخر رواتبهم سيما موظفي نينوى النازحين داخل العراق كالتربية والصحة والداخلية، وموظفي اقليم كردستان دون رواتب منذ أكثر من أربعة أشهر دون تحرك جدي من الحكومة المركزية تجاههم.
والأدهى من ذلك والأمر بل قل ان الطامة الكبرى تكمن في كون ان السادة النواب والوزراء والرئاسات الثلاث لم تطبق عليهم هذه الإجراءات التقشفية وما زالوا ينعمون بالترف والرفاهية كيف لا وهم طبقاتنا العليا؟
فبالرغم من صعوبة وضعنا المالي الحرج، يستأجر رئيس الوزراء حيدر العبادي طائرة خاصة بمبلغ مليون ونصف المليون دولار وفقاً لما كشفته النائبة حنان الفتلاوي استناداً إلى كتب من وزارة النقل تشتمل على كشوفات بمبالغ إيجار الطائرات الخاصة لمسؤولي العراق، وقالت ان تكاليف إيجار الطائرة الخاصة للمسؤول العراقي تتراوح بين 800 مليون ومليون ونصف مليون دولار. فمسؤولونا لا يتنازلون للحجز على الدرجات السياحية أو غيرها كما يفعل رؤساء بعض الدول الذين يستقلون طائرات الشحن أو النقل العام لأغراض السفر تقليلاً للإنفاق.
كما تداولت بعض مواقع التواصل الاجتماعي وموقع «شفق نيوز» الإخباري، خبراً يؤكد قيام العبادي بإيقاف رواتب البرلمان العراقي؛ بسبب عدم التزامهم بالتخفيض الذي أقره مجلس الوزراء حول رواتب الرئاسات الثلاث في ايلول/سبتمبر 2015 والقاضي بتخفيض رواتب مجلس النواب بنسبة 45٪ . وكشف مصدر للموقع أن العبادي أوعز لوزارة المالية بإيقاف صرف رواتب ومخصصات البرلمان من نواب ومستشارين ومديرين عامين وموظفين وحتى الحمايات بسبب عدم التزامهم بالتخفيض وتحايلهم على القانون، بينما التزم مجلس الوزراء والأمانة العامة له بالتخفيض، ولم يلتزم البرلمان ان لهم موازنة خاصة بهم، إلا أن العبادي أوقف صرف رواتبهم بصفته وزيراً للمالية وكالةً الآن، وحالياً رواتب البرلمان كلها متوقفة لحين استرجاع ما تقاضوه خلافاً للقانون وبأثر رجعي وتقليص حماياتهم.
وعلى صعيد آخر استمر المسؤولون في إيفاداتهم وسفراتهم وعقد المؤتمرات والندوات فضلاً عن الحفلات التي جل ما يقال عنها انها باب من أبواب الصرف والهدر للمال العام دون جدوى تذكر!
فهل هذه هي عدالتكم أيها المسؤولون؟ وأين تقشفكم أنتم؟ لماذا تطلبون من المواطن التقشف لدرجة طلب عدم أكل النستلة واقناعه بالعيش بثلاثين ألف دينار فقط ولا تتقشفون أنتم وأسركم؟ كيف تحثون المواطن على التقشف وتنسون أنفسكم؟ إلى متى تبقون في رفاهيتكم؟ أيها الفاسدون انصرفوا فقد آن الأوان لكي تنصرفوا.
همام السليم