بغداد ـ «القدس العربي»: ضمن التحركات السياسية الخارجية للحكومة العراقية، جاءت زيارة العبادي إلى إيران ولقاءه بالمراجع الدينية والسياسية الإيرانية التي أكد الطرفان خلالها على التعاون لمحاربة «الإرهاب» وخاصة التنسيق في مواجهة تنظيم «الدولة» ومحاولة تحرير مدن العراق من سيطرته ومنها الرمادي والفلوجة والموصل. إلّا أن مصادر مطلعة توقعت ان يكون هدف الزيارة هو مناقشة التحركات المحمومة لنوري المالكي نائب رئيس الجمهورية وسعيه لفرض سيطرته على الحشد الشعبي وخطاباته الأخيرة المثيرة للشحن الطائفي، وذلك بالاستفادة من التأثير الإيراني على المالكي للجم اندفاعه ومحاولاته لإثارة المشاكل أمام حكومة العبادي لإفشال عملها.
وشهدت العلاقات بين القوى السياسية الرئيسية المشاركة في العملية السياسية في العراق منذ 2003 تصعيدا جديدا لأزمة الثقة وتبادل الاتهامات على خلفية تمرير مجلس الوزراء قانون العفو العام وإحالته إلى مجلس النواب للمصادقة عليه، إضافة إلى الموافقة على تعديل قانون اصول المحاكم الجزائية المرقم 23 لعام 1971. وإذا كان قانون العفو هو المطلب الرئيسي للقوى السنية في الوثيقة السياسية مقابل الموافقة على تشكيل حكومة العبادي، فإن تلك القوى رفضته بسبب افراغ القانون من مضمونه وحرفه عن المبادئ المتفق عليها وأهمها إعادة النظر في الأحكام الصادرة على محكومين بدوافع سياسية أو عبر انتزاع الاعترافات بالتعذيب. وقد جاءت موافقة مجلس الوزراء على تعديل قانون المحاكم لتمكين وزارة العدل من تنفيذ أحكام الاعدام على المدانين بمختلف الجرائم حتى بدون موافقة رئيس الجمهورية.
وتزامنا مع تلك القرارات وضمن مساعي التأجيج الطائفي، فقد شنت قوى التحالف الوطني الشيعي، حملة شعواء على رئيس الجمهورية فؤاد معصوم لاتهامه بتأخيره المصادقة على أحكام الإعدام على المدانين في السجون العراقية، وإدعت أن هناك أكثر من 7000 حالة إعدام يرفض الرئيس المصادقة عليها بينما تبين أن العدد الحقيقي هو 150 حالة، كما طالب بعض أعضاء التحالف الوطني من مجلس النواب تخويل المصادقة على أحكام الإعدام إلى نائب الرئيس نوري المالكي.
وأكد التصعيد الأخير في التوتر السياسي والتأجيج الطائفي وتبادل الاتهامات بين القوى السياسية، أن شعار «تحقيق المصالحة الوطنية» سيبقى أمنية بعيدة المنال وسط برامج وأجندات القوى الفاعلة المحلية والاقليمية.
وهذه الحقيقة هي التي دفعت نائب رئيس الجمهورية اياد عـلاوي إلى الاقرار بأن «الانتصار السياسي في العراق لا يتحقق إلا بمصالحة وطنية وهي بعيدة المنال
«. ومع إقبال شهر رمضان المبارك، انفجرت أزمة هبوط سعر الدينار مقابل الدولار حيث هبطت قيمة العملة المحلية وبشكل مفاجئ لا علاقة له بقانون العرض والطلب وبشكل مفتعل حسب الخبراء الاقتصاديين، مما ترتب عليه ارتفاع أسعار السلع والبضائع، ودفع المواطنين إلى الخروج في تظاهرات لمحاسبة الفاسدين والمتلاعبين بأسعار العملة. كما هدد العبادي بالضرب بقوة على أيدي المتلاعبين الذين يبدو أنهم لا يبالون بالتهديدات نظرا لتداخل علاقاتهم مع القوى السياسية المتنفذة في البلد ولغياب جهة رقابية مؤثرة على إداء المصارف الأهلية. وأكد المراقبون لمشكلة عدم سيطرة الحكومة على أسعار صرف العملة، أنها أزمة مفتعلة للضغط على الحكومة لمصلحة مافيات الصرافة وتهريب العملة إلى الخارج حسبما أكد الخبراء واللجنة المالية النيابية من أن وراء الأزمة دوافع سياسية تتمثل بالضغط على حكومة العبادي وخلق المزيد من المشاكل أمامها لافشالها، ودوافع اقتصادية لاجبار الحكومة على عدم تحديد سوق بيع العملة الصعبة في البنك المركزي العراقي بـ75 مليون دولار يوميا وجعلها مفتوحة كالسابق لكي تتمكن المافيات المرتبطة بقوى سياسية داخلية ودول مجاورة من نهب المزيد من الثروات العراقية.
وبرز هذه الأيام أيضا عمق أزمة النازحين من مناطق النزاعات والحروب وخاصة من الأنبار والموصل، حيث استقبلوا شهر رمضان بحالة مستعصية من العوز والحرمان من مستلزمات الحياة الأساسية الضرورية وسط تقصير واضح من الجهات الحكومية المعنية بوضع النازحين ( بحجة الوضع الاقتصادي للبلد) واهمال دولي من قبل منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية التي يبدو أنها باتت عاجزة عن التعامل مع ضخامة حجم مشكلة النازحين العراقيين الذين تجاوزوا الثلاثة ملايين نازح، وذلك لقلة مواردها وضعف المساهمة الدولية في حل المشكلة. وقد عبر النازحون عن خيبة أملهم من اهمال مشكلتهم وعدم توفير احتياجاتهم الأساسية، مكتفين بالدعاء إلى الله بأن يفرج أزمتهم ويعيدهم إلى ديارهم باسرع وقت ممكن، مع القناعة بأن تحقيق هذه الأمنية يبدو ليس قريب التحقيق في ظل الخلافات السياسية وصعوبة حسم المعارك من قبل القوات العراقية والحاجة إلى استعدادات كثيرة قبل البدء بمعركة تحرير المدن العراقية من سيطرة تنظيم «الدولة».
مصطفى العبيدي