بغداد ـ «القدس العربي» من مصطفى العبيدي: من المؤكد ان عراق ما بعد استفتاء إقليم كردستان على الانفصال لم يعد كعراق ما بعده فيما يخص علاقة بغداد بالكرد، كما ان تحالفات الأحزاب السياسية العراقية ما قبل «داعش» هي غيرها ما بعده.
فبعد الإجراءات التي اتخذها البرلمان الاتحادي وحكومة حيدر العبادي والمحكمة الاتحادية ضد حكومة الإقليم، وبعد ان أدركت الأخيرة جدية وقدرة الأطراف الثلاثة (بغداد وطهران وأنقرة) في خنق حلم الانفصال الكردي، ومع دعم المجتمع الدولي لإجراءات بغداد لبسط سلطتها، صار واضحا ان حكومة أربيل التي تكرر الاستعداد لفتح حوار لحل المشاكل بين الإقليم وبغداد بدون شروط مسبقة، قد أصبحت في موقف حرج الآن أمام شعبها نتيجة موقف حكومة العبادي التي تطالبها بالإعلان عن التخلي عن الاستفتاء والانفصال كشرط لبدء الحوار.
ولم تثمر محاولات ومبادرات من بعض الأطراف الكردية لإدخال بعض الوسطاء المحليين مثل السيد مقتدى الصدر، والدوليين مثل الأمم المتحدة، في التأثير على موقف العبادي الذي يستقوي بقرارات البرلمان والمحكمة الاتحادية وتطور قدرات القوات العراقية، إضافة إلى دعم دول الجوار.
وكان العبادي صريحا في تحديد موقف حكومته من العلاقة مع الإقليم، عندما أعلن اصراره على بسط السلطة الاتحادية في شمال العراق وضرورة ان يعلن الإقليم الغاء الاستفتاء والتمسك بوحدة العراق قبل بدء الحوار لحل المشاكل، كما أشار إلى إعادة النظر في نسبة ميزانية الإقليم وفق نسبة السكان وهي 12،6 في المئة وليس 17 في المئة كما كانت سابقا، مشيرا إلى عدم دقة رواتب الموظفين والبيشمركه، والفساد في تهريب النفط.
وبدورها اتهمت حكومة أربيل، بغداد بالعمل على إلغاء الكيان الدستوري للإقليم وفرض الحلول بالقوة، كما شددت في رفضها تخفيض نسبتها في الميزانية أو تعامل بغداد مع محافظات الإقليم كل على حدة، مصرة على التعامل مع حكومة الإقليم التي أبدت استعدادها لتسليم نفط الشمال مقابل الرواتب والنفقات، إلا ان محاولات حكومة أربيل لتمثيل الكرد في الحوار مع بغداد، واجهت عقبات بسبب الخلافات بين القوى الكردية واصرار أحزاب مهمة مثل التغيير على تشكيل حكومة انقاذ تمثل كل الأحزاب الكردية في المباحثات مع بغداد.
وفي الوقت الذي تستمر فيه مفاوضات القادة العسكريين من الطرفين بإشراف أمريكي لإعادة انتشار القوات الاتحادية وفق الخط الأزرق لعام 2003 وإدارة المنافذ الحدودية، فقد أعلنت مصادر ان وفدا كرديا سيتوجه إلى بغداد لبحث المشاكل، وسط تسريبات بوجود ضغوط إيرانية على الكتلة الشيعية البرلمانية لإلغاء النظام الفدرالي عبر تعديل الدستور العراقي مستغلين الأكثرية العددية للشيعة في البرلمان حاليا.
وفي سياق الحراك السياسي للأحزاب والقوى الفاعلة في العراق، تجري محاولات محمومة لإعادة ترتيب التحالفات الجديدة تمهيدا للانتخابات المقبلة في أيار/مايو 2018. ورغم ان التحالفات غير معلنة رسميا حتى الآن، إلا ان الواضح ان التحالفات السابقة التي ركزت على العامل الطائفي والقومي لم تعد مجدية لعدة أسباب منها اقتناع الشعب العراقي بفشل تلك التحالفات في إدارة البلد وحل أزماته وللآثار المدمرة التي تركها تنظيم «داعش» في المحافظات السنية، إضافة إلى انتهاء التحالف الشيعي الكردي الذي أدار البلد منذ 2003.
والمتابع للتحالفات المتوقعة، يستطيع ان يحدد كتلتين رئيسيتين كلاهما تجمع قوى شيعية وسنية وبعض القوى الكردية، وسيكون أبرز عناصر المجموعة الأولى حيدر العبادي والتيار الصدري واياد علاوي وعمار الحكيم واسامة النجيفي وآخرين، بينما تتشكل المجموعة الثانية من نوري المالكي وسليم الجبوري (كتلة اتحاد القوى) وقوى كردية بينها حركة التغيير وآخرين. وتوجد مجموعات أصغر قد تكون لها حظوظ جيدة لسعة شعبيتها منها التحالف المدني الديمقراطي الذي يضم الحزب الشيوعي وقوى مدنية، إضافة إلى «المشروع العربي» وكتلة كردية ناهضة. وهذه التشكيلات قابلة للتغيير في خريطة التحالفات حسب المصالح والظروف، ولكنها جميعا تخوض صراعا شرسا ليكون لها وجود في المشهد العراقي.
وفي شأن آخر، يبدو الموقف العسكري محسوما لصالح القوات العراقية في معركة غرب الأنبار بعد انتزاع القائم ومساحات واسعة من الصحراء من بقايا عناصر تنظيم «داعش» ووصول القوات العراقية إلى الحدود والتقاءها مع القوات السورية التي استعادت مع حلفائها، مدينة البو كمال وطردت التنظيم منها. وقد تجول العبادي في مدينة القائم وحديثة التي أعلن منها قرب نهاية التنظيم في العراق متوعدا بعدم السماح للأصوات الطائفية والعرقية ان تفرق أبناء البلد الواحد، كما تعهد بمحاسبة الفاسدين في المرحلة المقبلة.
وفي كركوك شمال العراق التي سيطرت عليها القوات الاتحادية مؤخرا، وقعت تفجيرات بسيارات مفخخة وبعض الاشتباكات بين تلك القوات ومسلحين إضافة إلى بعض عمليات الاغتيالات والثأر الطائفي والقومي، من قبل قوى تحاول ارباك الوضع الجديد في المدينة، وسط جو سياسي غامض نتيجة غياب الحوار والتوافق بين القوى السياسية حول اختيار محافظ جديد ومستقبل إدارة المحافظة التي تتمتع بحساسية بالغة محليا وإقليميا.
وتأتي هذا التطورات متزامنة مع احياء ملايين الشيعة لذكرى أربعينية استشهاد الإمام الحسين (ع) وتوافد جموع الشيعة من العراق وخارجه نحو مرقده في كربلاء، حيث تجاوز عدد الزائرين الأجانب مليوني زائر عدا الزائرين المحليين، في تظاهرة سنوية تحرص القوى الدينية والسياسية الشيعية في العراق وإيران على منحها الزخم الدائم من أجل ترسيخ الولاء الشيعي، وتسخيره لتحقيق أهدافها السياسية المعروفة.
مصطفى العبيدي