في مقال مستفز لتوماس فريدمان بعنوان «ليس العراق وليس سوريا» تحدث الكاتب عن الوضع الفوضوي الذي تعرفه المنطقة، وما وصلت إليه التجارب الديمقراطية في العالم العربي من فشل ذريع، سواء منها تلك التي انبثقت من رحم الربيع العربي أو تلك التي أنشئت تحت الوصاية الأمريكية وتضحياتها الجليلة في سبيل خدمة الشعوب وتنويرها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا (حال العراق مثلا) وبقدر كبير من المرارة والتعالي يستمر فريدمان في تحليل الوضع، لينتهي في ما يشبه الحقيقة المطلقة أن العرب والمسلمين لم يهيأوا بعد لهذه الحركات التصحيحية، وأنهم يحتاجون إلى أن يستكملوا دورة التاريخ بالاقتتـــال وسقوط الضحايا، كما وقع في الثورة الفرنسية وفي المراحل المفصلية في أوروبا وأمريكا، للوصول إلى ديمقراطية الغرب وحكمته. وينهي توماس فريدمان المقال بجملة ليست أقل إثارة للاستفزاز، يدعو فيها أمريكا والغرب إلى العزلة والتحصين الذاتي ضد هذا المناخ والتركيز على النماذج الاستثنائية أو ما سماه بالجزر الديمقراطية في الواقع العربي.
إن مثل هذه الآراء عن نظرة أمريكا إلى الواقع العربي وكيفية تعاملها معه، فيها ما يدفعنا للتساؤل بحرقة وغيظ أحيانا عن وصاية الغرب ونظرته المتعالية والغرور والصلف وتحجيم الآخر والحجر عليه، هذه المواقف لا يمكن فهمها حقيقة إلا على ضوء نظرية مركزية الغرب وأسبقية هذا النموذج، باعتباره نهاية التاريخ وغاية الحضارات، كما عبر عن ذلك «فوكوياما». ومن ثم على المجتمعات الأخرى أن تسير على نفس السكة التي خطتها المجتمعات الغربية، وإلا فإنها ستزيغ عن طريق التقدم وستعرج على مهاوي التخلف والفوضى.
عند هذه المرحلة يصبح من غير الممكن ولا المقبول الاستمرار في النهج نفسه من تقبل الوصاية الخارجية وانتظار الحلول التي تحاك في مصانع القرارات الغربية وعلى مقاساتها، وانسجاما مع توجهاتها ومع كم الهواء الذي تسمح به للإبقاء على مسافة الأمان بينها وبين المجتمعات المحجور عليها. فلنُعدْ صياغة الأسئلة قبل البحث عن الإجابات؛ وبدل أن نجهد أنفسنا في سؤال كيف نواجه هذه النظرة المتعالية ونعمل على تغييرها، أرى حريا أن نقف على عتبات السؤال الأهم: كيف نخرج من وصاية الآخر ونثبت لأنفسنا وللكل أننا شببنا عن الطوق أو نكاد، وأننا لا ننتظر الحلول المؤدلجة والتصورات الخارجية غير البريئة لصياغة وتشكيل العرب والمسلمين وفق قوالب جاهزة قد تكون محكومة بنظريات ورؤى ذات طابع عنصري؟
يقتضي البحث عن حلول نابعة من الداخل ومن طبيعة المجتمع بلوغ مرحلة من النضج الفكري والوصول إلى وعي يرفض كل الوصايات الخارجية بريئة كانت أم غير بريئة، وقلما تكون كذلك. فمشكل العراق متشعب داخليا على مستوى الطوائف المتعددة، واستئثار الأغلبية الشيعية بالسلطة والنفوذ وممارسة الحكم في ظل تهميش واضح للسنة وباقي الطوائف، ما أدى إلى تولد نقمة لدى الفئات المهمشة – وهي أقلية ليست بالقليلة ـ ما فتئت تتصاعد وتنمو بوتائر مخيفة ظهرت بداية في شكل خرجات سلمية محاكية للربيع العربي؛ هذه الخرجات التي جوبهت بعنف كبير من قبل المالكي وحكومته تحت مظلة الأغلبية؛ وهي سياسة أدت إلى إذكاء الفتنة بين الشيعة المستولين على زمام الأمور، والسنة الذين يرون أنفسهم على الهامش، بعد أن كانوا يشكلون لبنة أساسية في بناء المجتمع قبل الغزو الأمريكي. ولا شك أن هذه السياسة التي انتهجتها حكومة المالكي أسهمت بشكل كبير في تحقق اختراق غريب في سرعته وامتداده لقوات «داعش»، التي عوض أن تقابل بالمقاومة قوبلت بالاستسلام، وبالمباركة عند البعض، بدعوى أنها أتت لتنصف السنة وتعيد موازين العدالة التي اختلت إلى سابق عهدها؛ فقد رأت الفئات السنية في «داعش» الأمل الوحيد في الإنصاف والدخول من جديد إلى بوابة السلطة والمشاركة السياسية الفعالة. وذلك ما تؤكده عدة مؤشرات استوقفتنا أثناء عبور «داعش» للحدود السورية، واجتياحها للمدن العراقية الواحدة تلو الأخرى لتصل إلى الموصل ثاني أكبر مدينة في العراق في ظرف وجيز بدون مقاومة تذكر. وكالعادة، لم تندهش الولايات المتحدة الأمريكية كثيراُ مما وقع، بل سارعت في ردود أفعالها الأولى إلى إدانة تسيير المالكي للشأن العام السياسي العراقي، وحمل خطابها تلميحا إلى أن المدن التي استولت عليها «داعش» لم تخض حرب مقاومة بقدر ما كانت ترحب بقوات «داعش»، وترى فيها بصيص الأمل الذي دأب المالكي على خنقه بالقوة المستمدة من تشجيع الإدارة الأمريكية.
لقد آن الأوان من أجل رفع كل الوصايات والتوجيهات الخارجية، التي تحمل في بعضها بذور التعالي والاحتقار، وفي بعضها الآخر أقنعة الاهتمام بالديمقراطية وخدمة الشعوب.
ولنا نحن – المعنيين الأساسيين- أن نقرر استبعاد هذه المقاربات الخارجية، بغض النظر عن نيات أصحابها وأهدافهم؛ فالواقع أثبت فشل الرؤى المفروضة من الغرب على القضايا العربية الداخلية، ولا أدل على ذلك من دمار العراق وسوريا، وضبابية المشهد ودمويته في ليبيا، وغرابته وانحرافاته في قرارات وأحكام قاسية كتلك الصادرة عن محاكم مصر، حول إدانة الصحافيين بالسجن لمدد طويلة ولائحة الإعدام الطويلة.
مهما يكن من أمر هذه الأجندات الخارجية والمقاربات المنَزَّلة من الغرب، يكفي بداية، أن نقر بعدم نجاحها، وبكارثية النتائج التي أدت إليها لننتقل إلى مرحلة البحث عن الحلول الذاتية وفق الفسيفساء التي يتشكل منها العالم العربي، وحسب احتياجاته وتركيبته الديمغرافية والإثنية والدينية.. فالعراق يحتاج إلى مقاربة تصالحية بين السنة والشيعة ومختلف الطوائف المشكلة للمجتمع، ومنح هذه الطوائف هامشاً للمشاركة بفعالية في ممارسة السلطة، التي يجب أن تعتمد على الكفاءات والبرامج السياسية، لا على أساس الانتماء الطائفي. بهذا التصالح في إطار حكومة توافقية تتفهم احتياجات مواطنيها ومتطلباتهم وتضمن لهم الحياة الكريمة، دونما خلفيات طائفية أو عرقية، وبذلك يمكن حرمان «داعش» من تأشيرة التوغل المجانية التي وفرتها لها حكومة المالكي بعصبيتها الطائفية، وتحول دون سقوط آخر قلاع ومدن العراق؛ بل يمكن أيضاً نزع فتيل المواجهة ودوافعه لدى الكثير من «الداعشيين» الذين دخلوا العراق بدعوى نصرة السنة ضد الشيعة؛ ما قد يمهد لخلخلة معتقدات بعض العناصر المتطرفة، وتراجع أفكارها المتشددة في إطار مراجعات؛ ومن ثم تقليص قوة «داعش» وإفراغها تدريجياً من طاقاتها البشرية ومن أشكال الدعم التي تتلقاها مباشرة، أو بشكل غير مباشر.
طبعاً لن يتحقق كل ذلك بسرعة، وإلا سنكون أكثر من متفائلين وواهمين نتيجة أفكار لا تمت إلى الواقع بصلة؛ فالوضع أعقد من أن ينحل بين عشية وضحاها؛ وأرسخ من أن تنفع في زعزعته حلول في المـــــدى القريب، لكن مع ذلك نرى أنه التوجه الأمثل والقادر على تحقيق قدر من الاستقرار في العراق، بدل الحل العسكري الذي لن ينبثق إلا عن مزيد من القتل والدمار، وتجييش الشعب لحروب أهلية طويلة ومريـــرة بمرجعــــيات دينية، تقوم على مفاهيم حساسة لها خطورتها حين تؤدلج، كمفهومي الجهاد والتكفير تحت وصاية الدول الراعية كأمريكا والسعودية وإيران. آن الوقت لنصرح باستقلالنا الفكري وحريتنا في اتخاذ قراراتنا، والبحث عن حلول لمشاكلنا بدون تدخل الطرف الآخر، فلا حاجة لنا في أن نكون نسخاً مرشحة مستقبلاً للتطابق مع النموذج الغربي؛ ولا منطق يستوجب تخلينا عن حقنا في ممارسة حرية التجربة وتحدي الأخطار بحكمة وبعقلانية.
فالحرب تحت راية الغرب الحامي لم تثبت في أي مرحلة من مراحل التاريخ نجاعتها، ولا الغرب أثبت استماتته في الدفاع عن مصالحنا عندما تتعارض مع مصالحه.
٭ كاتب جزائري
د. أنوار بنيعيش