وسط معطيات مناخية ومعيشية بالغة القسوة، واصل مئات الآلاف من العراقيين امس الجمعة انتفاضاتهم السلمية في العديد من المحافظات، معلنين تأييدهم لما اتخذه رئيس الوزراء حيدر العبادي من قرارات اصلاحية، الا انهم رفعوا سقف مطالبهم لتشمل تشكيل حكومة تكنوقراط، في قرار شعبي واضح بسحب الثقة من كافة الاحزاب.
وفيما بدا وكأنه رد على تصريحات للعبادي قال فيها «انه يستطيع فقط تحقيق المطالب الواقعية»، اصر المتظاهرون على تقديم كافة الفاسدين و»الحرامية»، كبيرهم قبل صغيرهم إلى القضاء، ورحيل السياسيين «مزدوجي الجنسية» في اشارة إلى شخصيات معروفة عادت إلى العراق ابان الغزو في العام 2003 على ظهور دبابات امريكية.
ويبدو جليا أن هذه الانتفاضة تصر على طابع وطني يترفع عن الطائفية والحزبية، اذ ان الجميع يحمل علم العراق فقط، ولا توجد أي شعارات أخرى غير المطالبة بالحقوق المشروعة للشعب العراقي. كما ان المتظاهرين عازمون على التصعيد حتى تلبية مطالبهم، وهو ما اعلنه آلاف منهم في ساحة ثورة العشرين في وسط مدينة النجف امس، اذ تعهدوا بالبدء في اعتصام مفتوح الاسبوع المقبل.
ويمكن للمراقب ان يتفهم موقف المتظاهرين، اذ ان اقالة عدة مسؤولين من مناصبهم، او حرمان آخرين من نصف قوة الحماية، او تقديم حفنة للمحاكمة أمور لا يمكن ان تكون كافية لانقاذ العراق.
وحسب المتظاهرين انفسهم، كيف تتمكن هذه الحكومة من تطبيق الاصلاحات اذا كانت مكونة من الاحزاب وهي جميعا متهمة بالفساد؟ وكيف يحاسب قضاء فاسد المتهمين بالفساد، وبعضهم مدعومون من قوى نافذة داخل العراق وخارجه ايضا؟
اما تصريحات العبادي التي يقر فيها انه لن يستطيع ان يذهب بعيدا في الاصلاح بالنظر إلى انه محاصر بامبراطوية نافذة اساسها الفساد والطائفية، فالرد عليها انه في هذه الحالة يكون مطالبا بمصارحة العراقيين بكافة الحقائق ووضع استقالته بتصرفهم.
اما اقليميا فيبدو ان الانتفاضة العراقية اصبحت تشكل مصدر قلق لبعض من استفادوا من هذه الصيغة العقيمة التي حكمت العراق منذ الغزو الامريكي، خاصة انها لا ترفع صورا طائفية لشيوخ او مرجعيات او شخصيات دينية تاريخية، بل انها تهاجم صراحة من استغلوا الدين ورموزه لتكريس حكم الطائفية والحزبية والفساد.
ويبدو ان هذا لا يعجب بعض المسؤولين في إيران الذين اتهموا «جهات غير مسلمة» بدعم المظاهرات، فيما وصفتها وسائل اعلام مقربة من طهران بانها «علمانية»(..)، وكأنهم يتهمون ضمنيا من يتمرد على «حكم العمامة» بالكفر.
لكن من المستبعد ان تنجح هكذا مزاعم في افشال المظاهرات التي تتمسك بالامل في تحقيق الاصلاح رغم انها تندلع وسط تداعيات سياسية وامنية واقتصادية تدعو إلى اليأس. اذ ان تنظيم «الدولة» مازال يسيطر على اكثر من ثلث مساحة العراق، فيما يشن هجمات ارهابية يومية توقع مئات الضحايا. اما الخدمات والحالة الاقتصادية والمعيشية فتزداد تدهورا في بلد يملك اكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وسط تحذيرات من ان الحكومة قد تعجز عن دفع الرواتب خلال شهرين.
ولعل التصريحات الاخيرة لرئيس الاركان الامريكي راي اوديرنو التي اعتبرت تقسيم العراق «حلا وحيدا» تقدم دليلا جديدا على مدى الفشل والتعقيد والانهيار الذي وصلت اليه الاوضاع.
وبالرغم من أن الادارة الامريكية تنصلت من هذه التصريحات، وأعلنت تمسكها بوحدة العراق، الا ان هذا كلام للاستهلاك الاعلامي فقط.
اما الواقع فهو ان تصريحات اوديرنو ليست رأيا شخصيا بل ناتجة عن تقديرات رسمية للبنتاغون تقر بفشل امريكي صارخ، سواء في بناء جيش وطني موحد او هزيمة تنظيم «الدولة» لاعادة توحيد البلاد المقسمة عمليا.
ولعل هذه التصريحات تقدم وقودا اضافيا للمظاهرات للاصرار على بناء عراق جديد ومستقل حقا بعيدا عن هيمنة اي قوى اجنبية سواء كانت إيران او الولايات المتحدة او غيرهما، بعد ان وصل حكم «وكلائهما» إلى نهاية الطريق المسدود.
وبالطبع فان الطريق لن يكون سهلا، لكن العراقيين فيما يبدو قرروا ن يأخذوا الخطوة الاولى الضرورية على طريق الألف ميل بالثورة على حكم العمامة و»دواعش الفساد»، او هكذا يأمل كثيرون.
رأي القدس