أثار خبر مناقشة الكونغرس الامريكي لتقديم المساعدة للعراق في حربه على داعش لغطا كبيرا، وصل حد النواح والبكاء على العراق الذي كان موحدا واليوم يسعى الامريكان إلى تقسيمه.
جاء ذلك على ضوء ما ورد في الخبر من أن المساعدات الامريكية (715 مليون دولار) ستصرف بشروط، أهمها حصة الكرد منها ستكون 25%، كما سيذهب جزء مهم من المساعدات العسكرية لتسليح القبائل السنية، لمساعدتها في قتال «داعش».
الحكومة العراقية من جانبها ترفض الامر لأنه تدخل في الشأن الداخلي وأن المساعدات يجب أن تمر عبر بغداد لتذهب إلى الشركاء في الوطن، وعلى هذا الاساس ترفض أي تفاوض أو تعامل مباشر بين الطوائف من جهة والأمريكان والغرب الذي يقدم المساعدات من جهة أخرى.
في هذا الظرف الصعب يتم التذكير بما سمي (مشروع بايدن) في اشارة إلى تقرير سابق لنائب الرئيس الامريكي الذي اقترح عراقا فيدراليا من ثلاثة اقاليم، كردي – شيعي – سني، الذي يعتبره البعض مشروعا بديلا لعراق سايكس بيكو الذي ولد بعد الحرب العالمية الاولى، وقد رأى بعض المراقبين للشأن العراقي المتشائمين، أن هذا الحل هو الحل الواقعي الوحيد، فبعد استقلال كردستان الموجود على ارض الواقع ولا ينقصه سوى الاعلان عنه، أو كما تسمى الان دولة كردستان غير المعلنة، يتبقى تقسيم العراق العربي بين عراق سني يضم المحافظات ذات الاغلبية السنية، وهي المحافظات غرب وشمال غرب بغداد، التي تشهد تمردا منذ اكثر من سنة، وتضم محافظات نينوى وصلاح الدين والانبار، وجزءا من محافظة كركوك وجزءا من محافظة ديالى، اما ما تبقى من بغداد جنوبا فهو العراق الشيعي. ويرى بعض المحللين أن هذا التقسيم هو واقع حال للتخلص من الاحتراب الطائفي والعرقي، الذي يتوقعون انه سيقود إلى استقرار البلد، لاسيما إذا عزز بوجود جهة دولية ضامنة للاتفاق كالولايات المتحدة.
بينما ينبه الرافضون للتقسيم أن هذا الامر هو المشكلة بعينها وليس الحل، لأن التقسيم على هذا الاساس سيقود إلى حروب بينية بين المكونات الثلاثة، فرغم وجود ما اطلق عليها حدود الدم، إلا أن هنالك معضلات ستبقى تتفجر بين الحين والاخر، يقف في مقدمتها العامل الاقتصادي المبني على محورين اساسيين، الاول تقاسم الثروات النفطية في البلد، والثاني تقاسم الثروات المائية. ففي المحور الاول تتمثل العقبة في محافظة كركوك الغنية بالنفط والمتعددة الاعراق، حيث يعيش فيها اليوم خليط من الكرد والسنة والشيعة والتركمان وبعض الاقليات الصغيرة الاخرى، ورغم أن البيشمركة الكردية سيطرت على كركوك (الكردستانية) بينما تسيطر «داعش» على كركوك العربية، إلا أن الامر لم يحسم بعد على هذا الاساس، إذ سيشكل تمسك الاكراد بكردستانية كركوك مفصل صدام مستقبلي مع العرب السنة أولا ومع العرب (سنة وشيعة) ككل ثانيا. وبينما يسيطر الاقليم الكردي والاقليم السني على مصادر المياه في البلد، فان الاقليم الشيعي يتمتع بالحصة الاكبر من نفط العراق في البصرة، وهذه الملفات ستبقى مشاريع تفجر مع كل خطوة باتجاه التقسيم وترسيم الحدود.
كمحاولة لوضع إطار نظري للتقسيم ينظر البعض إلى يوغسلافيا السابقة وما آلت اليه بعد التقسيم إلى صربيا والجبل الاسود وكرواتيا والبوسنة والهرسك واقليم كوسوفو، بعد حقبة التسعينات الطاحنة التي مرت بها يوغسلافيا السابقة، ويرى هولاء البعض أن العراق سائر على خطى يوغسلافيا في التقسيم، محاولا رسم مقاربة ثلاثية يواشج فيها التقسيم الثلاثي اليوغسلافي الرئيسي مع التقسيم الثلاثي العراقي المتخيل، وإذا اردنا أن نناقش هذه المسألة فاننا سنقول إن هنالك فروقا تاريخية جوهرية بين المثال اليوغسلافي والحالة العراقية، فجمهوريات يوغسلافيا تاريخيا لم تكن متوحدة إلا تحت سلطة الدولة العثمانية، وقد كانت مقسمة قبل ذلك، كما تم تقاسمها بعد ذلك بين امبراطوريات وممالك منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما توحدت تحت سطوة حكم الرئيس تيتو الشمولي، وبعيد رحيله بدأت رحلة التفكك بين الجمهوريات المفترقة عرقيا، صربا – كرواتا – بوسنيين، ودينيا، صربا ارثدوكس- كرواتا كاثوليك – بوسنيين مسلمين، مع بعض الزوائد هنا وهناك، بينما الحالة العراقية كانت عبر أقدم التواريخ بلدا موحدا تحت حكم ممالك او امبراطوريات عربية وفارسية وتركية حتى زمن الدولة الحديثة، ويدعي البعض هنا أن العراق العثماني كان مكونا من ثلاث ولايات عثمانية، ستمثل أساسا للتقسيم الحالي، وهو رأي فيه قصور وعدم معرفة بالاحكام الادارية العثمانية، إذ أن الولايات العثمانية كانت على نوعين، الاول اشبه بالمحافظة ويحكمها وال من درجة ادارية دنيا (يحمل طوغين) والنوع الاخر اشبه بالبلد ويحكمه وال (يحمل ثلاثة اطواغ) ولقب الوزير او الباشا، وهذا ما كان في ولاية بغداد، اذ أن حاكمها هو الباشا الوزير الذي تمتد سلطاته على ولايتي الموصل والبصرة، وفي بعض الاحيان امتدت سلطاته إلى ولاية ديار بكر وحلب، وكان هذا هو حال ولاية مصر في ظل الدولة العثمانية، اذ كانت دولة تتمتع بحكم محلي واضح رغم خضوعها الرسمي للدولة العثمانية، وكذلك هو حال ولاية تونس التي يحكمها البايات حكما ذاتيا، وكذلك اليمن وحكم الامام فيها والحجاز وحكم الأشراف فيها… الخ.
إذن أجزاء العراق كانت دائما محكومة بشكل مركزي من بغداد مع نوع من الحكم الذاتي او اللامركزية في المحافظات، وهذا الحال هو اقرب إلى التوصيف العلمي للفيدرالية، مما نشهده اليوم في العراق الفيدرالي او الاتحادي.
الفيدرالية في العراق ولدت مع اسقاط نظام صدام ابان الاجتياح الامريكي عام 2003، وجاء الامر محصلة حاصل للتعامل مع المنطقة الكردية الخارجة عن سيطرة الدولة المركزية منذ عام 1991 بعد حرب الكويت، وهكذا طرحت فكرة الفيدرالية والدولة الاتحادية لتصف عراقا مكونا من جزء كردي وجزء عربي، ولكن لا يمكن أن يكون التوصيف مفصلا على مقياس الاكراد فقط، لذلك نص الدستور الجديد عام 2005 على امكانية قيام محافظة او اكثر بتشكيل اقليم بعد اجراء استفتاء على الامر، وهذا ما دفع الانفصاليين السنة إلى طرح فكرة اقليم سني غرب وشمال غرب العراق، كما دفع الانفصاليين الشيعة لطرح فكرة اقليم جنوب العراق مرة واقليم البصرة اخرى او اقليم شيعي جامع الان.
ربما يظن البعض أن الحل اليوم يكمن في التقسيم على اساس حدود الدم، للتقليل من الاقتتال والاحتقان الطائفي، لكن كل من ينادي بهذا الامر لا ينظر أبعد من مكان قدميه، لان تفجير المنطقة بأسرها وليس العراق فقط، سيبدأ من هذه اللحظة التي يتكون فيها اقليم شيعي على الحدود الشمالية للسعودية، التي لن تقف مكتوفة الايدي تجاه كيان تابع لايران يهدد منطقتها الشرقية الثرية بالبترول والمسكونة باقلية شيعية سعودية، ستسعى للتوحد مع الكيان الجديد على اسس طائفية لا محالة، بينما الاقليم السني سيضيف تفجرا للملف السوري وملف الصراع العربي الاسرائيلي عبر تشكيله عمقا لوجستيا عربيا سنيا للمتشددين الاسلاميين في الاردن وفلسطين وسوريا، وسينظر الاتراك إلى تهديد الدولة الكردية بوصفها مثالا لاكراد تركيا الداعين للانفصال عن تركيا، وسيتدخل الاتراك بقوة بوصفهم حامي الاقلية التركمانية في الدولة الكردية الوليدة. أما إيران فلن يتركها الغرب والولايات المتحدة لتسيطر على ثروات العراق الجنوبية لتصبح اكثر خطرا وتهديدا للمصالح الغربية، عندما يقع الاقليم الجديد في حضن الولي الفقيه.
وهنا يأتي السؤال الاستراتيجي؛ ما الحل اذن وهل كتب علينا أن تبقى دماؤنا تسفك كل يوم في هذه المجزرة الكبرى التي اسمها العراق الموحد اليوم، ونقول إن الحل الوحيد يكمن في الاقتناع باصلاح العملية السياسية التي تفرد بها ساسة فاشلون تناهبوا ثروات العراق ومزقوه، ويحاولون اليوم ايصال العراقيين إلى مرحلة اليأس والقبول بالتقسيم كحل، بينما الحل يكمن في بناء دولة مواطنة حقيقية يتشارك فيها الجميع المسؤولية والحقوق، على أساس الوطن الواحد الذي يضم الجميع رغم ما يتبدى في هذا الكلام من صعوبة.
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي