العراق: صراع الاحلاف الدولية لا يبشر بالخير

بغداد ـ «القدس العربي»:يعتبر بروز الحلف الرباعي بين العراق وإيران وسوريا وروسيا مؤشرا جديدا على متغيرات السياسة الدولية في التعامل مع المنطقة العربية كساحة صراع تتنافس فيها المصالح الإقليمية والدولية على حساب مصلحة شعوب المنطقة. وسواء كان هدف الدول المنضوية في الحلف الرباعي هو دعم النظام السوري والقضاء على المعارضة أو بلورة لاتفاق إيراني روسي يخدم مصالحهما في المحافظة على النظام السوري ولخدمة الأطماع الروسية بانشاء تواجد عسكري توهم نفسها بأنها ستعزز مكانتها في المنطقة والعالم في مواجهة التحالف الدولي بقيادة أمريكا، فالمؤكد ان هذه التطورات في مواقف الدول الكبرى ستكون لها تداعيات على أوضاع العراق وسوريا وسيدفع شعبيهما فيهما الثمن عبر تصاعد العنف والأعمال الحربية. فالتنافس بين مصالح الدول الغربية والشرقية سيترتب عليه تصعيد المواجهة من الأطراف في محاولة لفرض ارادتها على الساحة. وقد أكدت مواقف القوى العراقية من التحالف الرباعي أن مكونات البيت العراقي ما زالت بعيدة عن التوافق على وسائل مواجهة التحديات المصيرية، فبينما رحب رئيس الحكومة حيدر العبادي والقوى الشيعية بالاتفاق بين أطراف الحلف الجديد القديم وشجع الغارات الروسية في سوريا والعراق لضرب تنظيم «الدولة» فقد وقفت القوى السياسية السنية ضد هذا التحالف واعتبرته مهددا لسيادة العراق المفقودة أساسا منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003. وفي كل الأحوال فالمؤكد ان الحلف الجديد لن يسهم في استقرار وتحسين أوضاع العراقيين بل سيزيدها سوءا من خلال تصاعد أعداد ضحايا القصف الجوي (الدولي) وتدمير المدن وتهجير سكانها نحو المجهول.
وردا على تصريحات العبادي خلال زيارته للولايات المتحدة بأن «الدعم الذي يتلقاه العراق من التحالف الدولي حتى الآن محدود « فقد بادر السفير الأمريكي لدى بغداد ستيورات جونز، إلى عقد مؤتمر صحافي كشف فيه عن حجم المساعدات التي قدمها الحلف للعراق بمواجهة تنظيم «الدولة» ومنها وجود خمسة آلاف من المستشارين التابعين للتحالف الدولي الذين يعملون في العراق، وأن بلاده قدمت مساعدات مالية إنسانية بلغت 534 مليون دولار منذ عام 2014 إضافة إلى تقديم دعم للقوات العراقية بقيمة 2،3 مليار دولار.
بينما أكد ستيف وارن المتحدث الرسمي باسم التحالف الدولي، خلال المؤتمر الصحافي تنفيذ 4583 ضربة جوية بالعراق من بينها 3500 نفذها الطيران الأمريكي، كما تم تدريب 15 ألف عنصر أمني عراقي، وتزويد الجيش 450 مركبة كاشفة للعبوات، و2000 صاروخ من نوع هيل فاير إضافة إلى مشاركة المدفعية الأمريكية بقصف مواقع التنظيم بالتنسيق مع الجانب العراقي. 
وفي شمال العراق، جاءت معركة الحويجة في كركوك هذه الأيام وتقدم القوات الكردية «البيشمركة» بدعم التحالف الدولي وبدون مشاركة من القوات العراقية الحكومية ونجاحها في انتزاع العديد من القرى والأراضي من يد تنظيم «الدولة» التي يسيطر عليها منذ حزيران/يونيو 2014 مع تصاعد مطالبات من قبل بعض القادة الكرد بالاحتفاظ بالأراضي المحررة وضمها إلى اقليم كردستان، لتؤكد حقيقة اتساع المسافة بين حكومتي بغداد والاقليم التي عززها استمرار الخلاف النفطي بينهما وتبادل الاتهامات بعدم الالتزام بالاتفاق النفطي وعدم تسديد المستحقات المالية للاقليم، وهو ما حذى بنائب كردي في مجلس النواب إلى تحذير سكان اقليم كردستان من الذهاب إلى بغداد خوفا من الخطف.
وحتى في الشأن الكردي الداخلي في الاقليم، فقد استمر الخلاف الكردي بين الأحزاب ورئاسة الإقليم حول أزمة رئاسة الاقليم الشاغرة منذ 20 آب/اغسطس الماضي، حيث لم تصمد فترة التهدئة الإعلامية سوى أيام ليعاود رئيس الحكومة نيجرفان البرزاني انتقاد موقف الأحزاب الكردية الأربعة وطلبها بتحديد صلاحيات رئيس الاقليم مسعود البارزاني، حيث جاء رد الأحزاب عليه بتمسكها بشروطها للتجديد للرئاسة.
ويتفق المتابعون للشأن العراقي والمنطقة، أن الفترة المقبلة ستكون حافلة بالكثير من التطورات والتفاعلات كرد فعل على التحركات الدولية وصراع الدول على منطقة يعكس وضعها حالة الضعف العربي الرسمي الذي يغري جميع الدول بانتهاز الفرصة والسعي لتثبيت قدمها فيها ولو كان على حساب مصير شعوبها المغلوبة على أمرها.
وفي صورة مأساوية عن حقيقة التضحيات البشرية التي ابتلى بها العراقيون، فقد كشفت احصائيات مفوضية حقوق الإنسان في العراق هذه الأيام جانبا من حجم الخسائر البشرية في البلاد خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة والتي تجاوزت التسعين ألف اصابة بين شهيد وجريح. مع القناعة بان هذه الاحصائيات لا تمثل كل الحقيقة عن حجم المأساة لوجود الكثير من الضحايا في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم «الدولة» لم يتم الكشف عنها إضافة إلى وقوع الكثير من الجرائم المجهولة بحق المدنيين من قبل الميليشيات والجماعات المسلحة التي تستبيح الساحة العراقية وتنفذ أجنداتها الطائفية التي تعتمد اهدار أرواح العراقيين كوسيلة للترهيب والتهجير، وهو ما عكسه اندفاع عشرات الآلاف من العراقيين نحو الهجرة إلى دول العالم هربا من وطن لا توفر فيه حكومته لأبنائه الحرية والكرامة والأمان.

مصطفى العبيدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية