العراق: صراع مرحلة ما بعد «تنظيم الدولة»

بغداد ـ «القدس العربي»: يتواصل تصاعد الصراع السياسي داخل الكتل السياسية المختلفة في العراق، بما يعزز حقيقة ابتعاد روح التوافقات الوطنية عن المشهد السياسي وصعوبة التقاء القوى الفاعلة على ثوابت المصلحة الوطنية بما يوحي بقرب مرحلة تصفية الحسابات.
وفي هذا السياق، شهدت محافظة واسط جنوب بغداد، عقد جلسة لمجلس الوزراء فيها تمشيا مع سياق معمول به بعقد اجتماعات الحكومة في بعض المحافظات، إلا ان رئيس الحكومة حيدر العبادي قوبل بتظاهرة طلابية غاضبة طالبت بالاصلاحات وانتقدت أداء الحكومة وتخللها صدامات مع الأجهزة الأمنية التي استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين. ورغم ان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، قدم اعتذاره للعبادي عن تلك التظاهرة معلنا براءته من القائمين بها ومشيرا إلى احتمال وقوف مندسين من أتباع زعيم حزب الدعوة نوري المالكي وراءها، إلا انها تعكس احتدام الصراع الشيعي الشيعي ووصوله إلى حالة القطيعة وتحريض الشارع ضد الآخر. ويأتي ذلك وسط تحركات محمومة بين القوى الشيعية لترتيب تحالفاتها للانتخابات المقبلة، حيث تبدو في الأفق ملامح تحالفات على شكل جناحين رئيسيين للتحالفات الاول يضم العبادي والصدر والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة البارزاني، والجناح الآخر يضم المالكي وسليم الجبوري والاتحاد الوطني الكردستاني والتغيير، مع احتمال تغيير هذه الترتيبات عند الانتخابات.
ولم تكن الخلافات الشيعية الشيعية الوحيدة في المشهد السياسي، بل امتدت إلى البيت الكردي، حيث اقتحمت الخميس، قوة من البيشمركه التابعة لحزب الطالباني في كركوك، شركة النفط الوطنية وهددت بايقاف تصدير نفط كركوك إلى تركيا إذا لم تنفذ الحكومة المركزية شروط منها زيادة حصة المحافظة من المشتقات النفطية وإقامة مصفى فيها. ويبدو ان حكومة بغداد لم يثرها هذا التصرف كونها لا تستفيد واقعيا من تلك الصادرات النفطية، وانما المستفيد منها والمتضرر من الاجراء هو حزب مسعود البارزاني (الديمقراطي الكردستاني) الذي يتحكم بواردات نفط كركوك، لذا سارع إلى الاتصال بالاتحاد الوطني لإعادة النفط إلى الخط التركي كالسابق.

نتائج زيارة البارزاني إلى تركيا

وفي الإقليم ايضا اندلعت اشتباكات، لاول مرة، بين قوات بيشمركه سوريا المدعومة من الحزب الديمقراطي بقيادة البارزاني، وبين قوات كردية محلية في منطقة سنجار مدعومة من حزب العمال الكردي التركي الذي اعتبرها جزءا من نتائج زيارة البارزاني الأخيرة إلى تركيا.
وضمن الصراع السياسي أيضا أعلن رئيس البرلمان سليم الجبوري عن اعداد قائمة بالوزراء والمسؤولين في حكومة العبادي الذين سيخضعون للاستجواب أمام البرلمان واحتمال اقالة بعضهم، بحجة وجود أخطاء وفساد في أداء وزاراتهم، بينما الهدف الأساسي منها الضغط على حيدر العبادي واستمرار سياسة التسقيط السياسي والمواجهات السياسية بين الكتل. واعتبر الكثيرون ان واقع البرلمان والخلافات المستأصلة بين الكتل فيه تؤكد ان البرلمان لم يعد جزءا من حل مشاكل البلد، بل أصبح هو جزء أساسي من هذه المشاكل والأزمات، وضمن ذلك جاء تراجع البرلمان عن نيته زيادة الامتيازات المالية لأعضائه في الوقت الذي تشكو الحكومة من الضائقة المالية، وذلك بعدما شنت القوى الشعبية ووسائل الاعلام والناشطين، حملة واسعة ضد أعضاء البرلمان الذين لا يكفون عن البحث والركض وراء مصالحهم وامتيازاتهم وليس مصالح الشعب. وفي الجانب العسكري والأمني، بدأت معركة تحرير الجانب الأيمن من الموصل، تزداد صعوبة مع الاقتراب من الأحياء السكنية ومع تصاعد شراسة مقاومة عناصر تنظيم «داعش» الذين أحسوا بطوق الحصار يضيق عليهم وأخذوا يلجأون إلى استخدام أعداد كبيرة من السيارات المفخخة وزرع الألغام والطائرات المسيرة المفخخة، مما ينبئ بمعركة دموية يسقط فيها الكثير من الخسائر البشرية بين المقاتلين والمدنيين. ومع استمرار التنظيم الإرهابي في محاولة فك الطوق حوله في الموصل والتعويض عن خسارته للعديد من المناطق، شن هجمات على مناطق متفرقة في محاولة لتشتيت الجهد القتالي في الموصل، حيث شن التنظيم هجمات على مواقع عسكرية نائية قرب الحدود مع الأردن والسعودية في صحراء الأنبار كما شن هجمات متعددة على مناطق في محافظة صلاح الدين، في تغير لاستراتيجيته بالتحول إلى حرب العصابات.
وفي محاولات من حكومة العبادي لاحتواء الانفلات الأمني في المدن والنمو المرعب لنشاط عصابات الجريمة المنظمة والميليشيات المنفلتة والنزاعات المسلحة بين العشائر وخاصة في جنوب العراق، أصدر مجلس الأمن الوطني تعليمات إلى المحافظات لشن حملة واسعة لجمع الأسلحة المنتشرة لدى المواطنين وخاصة الثقيلة والمتوسطة منها، والتي تعتبر أحد الأسباب المشجعة على زيادة النزاعات الفردية والعشائرية وانتشار عصابات الجريمة في المدن. ويشكك المراقبون بمدى امكانية نجاح خطة جمع السلاح، وذلك لوقوف مافيات وعصابات وقوى مدعومة من كتل سياسية متنفذة، وراء تجارة الأسلحة التي تدر انهارا من الأموال لتمويل الجماعات المسلحة وبعض القوى السياسية وبتشجيع من بعض دول الجوار، التي تستغل انشغال القوات العراقية بمحاربة تنظيم «الدولة» لتنفيذ مشاريعها في العراق.
وقد أبدى المراقبون الخشية من ان تصفية الحسابات وترتيب اللأوضاع لمرحلة ما بعد تنظيم «الدولة»، قد بدأت في الصراع على المصالح والامتيازات بين القوى السياسية العراقية، تزامنا مع التحركات الدولية بهذا الصدد.

العراق: صراع مرحلة ما بعد «تنظيم الدولة»

مصطفى العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية