العراق في عمق الفوضى الخلاقة

حجم الخط
0

سلم صدام حسين العراق لقمة سائغة للاحتلال الامريكي البغيض، وكانت البلاد والعباد في حالة سيئة حيث الحصار الظالم الذي انهك قوى هذا الشعب لاكثر من اثنتي عشرة سنة، وكانت مناطق شمال العراق كالسليمانية واربيل ودهوك خارجة عن سيطرته. لكن من جهة اخرى كان الامن والامان في العراق افضل بكثير من الان، شأنه شأن الانظمة الديكتاتورية التي لا تنعم بالحرية، لكنها تنعم بالأمان والأمن لمن لا يتدخل بسياسة الحاكم. كانت للعراق هوية عربية واضحة في ذلك الزمن، لكن ثمنها كان قاسيا جدا، لان جل اهتمام النظام كان مرتكزا على المحيط العربي، ما اضعف اللحمة الوطنية الداخلية، وبالتالي اهمل الهوية الوطنية.
لكن مخططات بايدن لتقسيم العراق التي طرحها منذ اوائل التسعينات من القرن الماضي عقب احتلال الكويت كانت ولا زالت تسير بخطى حثيثة نحو التحقق على ارض الواقع. فمنذ الاحتلال الامريكي عام 2003 لم تفتأ سياسات حكومات الاحتلال في بغداد من تحضير الارضية المناسبة لهذا الهدف. لقد بدأ وضع اللبنة الاولى للتقسيم بعد فرض الحظر الجوي على المنطقتين الشمالية والجنوبية لحماية الاكراد والشيعة في عهد صدام حسين. فقد تمكن الاكراد حينها من تأسيس فيدراليتهم ويسيرون بخطى حثيثة للوصول الى ابعد من الفيدرالية ولم يبق لاعلان الانفصال غير وقت قصير جدا.
أما الاحتلال غير الشرعي للعراق، الذي اعترضت عليه الامم المتحدة نفسها فكان بوابة جهنم للفوضى الخلاقة، فقد دعا الرئيس الامريكي السابق جورج دبليو بوش «القاعدة» والمتطرفين وغيرهم للمنازلة على ارض العراق، في وقت كان القانون الدولي والامم المتحدة والمنظمات الانسانية والحقوقية في اجازة ضمير طويلة. فلم يتجرأ احد لمحاسبة رئيس دولة تدعي انها واحة العالم الديمقراطي.
نعم لم يتجرأ احد لمحاسبة اقوى دولة في العالم عن كيفية تحويل بلد ذي سيادة الى بلد محتل بالاعتماد على اكاذيب، وبأي حق شرعي ودستوري تفتح القوات الامريكية لمن هب ودب الحدود للارهابيين او ما يسميهم الغرب بالجهاديين للمنازلة معهم في العراق والقضاء عليهم.
مع زيادة التوترات الطائفية والعرقية في العراق كان الجيش الامريكي يتعامل مع الشعب العراقي تعامل السيد المطاع مع عبده، بل كان قادة الجيش الامريكي يتعاملون حتى مع السياسيين العراقيين الذين جاءوا بهم ومعهم واعتمدوا عليهم تعاملا فوقيا مليئا بالاهانات بغض النظر من مواقعهم السياسية، فجميعهم معرضون للاهانة من قبل أي امريكي فلا فرق بين رئيس حزب او وزير او نائب، ولا يثق الجيش الامريكي بأي احد منهم.
أما بالنسبة الى عموم الشعب العراقي فان الامر لم يتوقف على القتل العشوائي للكثير من الابرياء تحت حجج متعددة، فأي شخص كان يقترب من آليات الجيش الامريكي او كان موجودا في مكان نفذت فيه المقاومة العراقية عملية ما ضد القوات الغازية يقتل بطريقة وحشية وببرودة دم غريبة. فكم من مواطن عراقي قتلته تلك القوات بسادية لا مثيل لها، عن طريق الطائرات او القنص من قبل احد افراد الجيش الامريكي. لم يسلم من تلك الفوضى والارهاب العشوائي او التعذيب المبرمج الامريكي حتى السجناء، ففضيحة ابو غريب وبوكا وغيرهما من السجون العراقية معرفة للقاصي والداني، وهي توضح التعذيب الوحشي الذي لا مثيل له للسجناء الابرياء بطريقة تقشعر منها الابدان.
اما التهديم والتخريب السياسي فهو اكثر قسوة واشد وطأة من التخريب المادي، فقد برع الاحتلال في وضع خطط استراتيجية نزع فيها هوية العراق العربية وزع الى اجل غير مسمى الطائفية المقيتة واخواتها من العشائرية والمناطقية والحزبية الضيقة وصولا الى الانانية. بدأت عقارب الساعة تسير الى الوراء بسرعة نحو مزيد من التدهور في اغلب المجالات الحياتية، ففي احد عشر عاما عاد العراق القهقرى بسرعة الى الوراء. سلم الجيش الامريكي الراية الى بعض السياسيين العراقيين الذين جــــاءوا تحت ظــلال اسنة اسلحته بعد ان تأكد بأنهم سيسيرون على الطريق الذي رسمه لهم.
اجبرت المقاومة العراقية الجيش الامريكي، بعد ان كبدته خسائر فادحة من منح العراق الاستقلال. كانت الادارة الامريكية طيلة فترة الاحتلال وما قبلها قد دربت فريقا من العراقيين لاستلام الراية في ما بعد. لكنه وبعد الاستقلال الصوري ومنذ اكثر من ثلاث سنوات توالى فشل السلطة السياسية، فلو تركنا كردستان التي هي اقرب الى الاستقلال منه الى النظام الفيدرالي المعلن، فان الانبار خرجت عن سيطرة الدولة قبل حوالي سنة، وتزداد عوامل الفرقة والتقسيم تجذرا يوما بعد يوم في صلاح الدين وديالى وكركوك وبغداد وحزامها، لكن جاءت قاصمة الظهر من نينوى اذ نعيش فصولها تباعا لتوضح لنا الاحداث بأن جيشنا مهلهل ولا يمكن ان يعتمد عليه للدفاع عن العراق ارضا وشعبا. فلا توجد اصلا لدى افراده عقيدة الدفاع عن الوطن ولا تزال الميليشيات التي تكون منها الجيش بادئ الامر تصول وتجول ولها الكلمة الفصل.
نحن اليوم بعد ما حدث في الموصل اقرب الى السيناريوهات التي مرت علينا عشية الغزو الامريكي للعراق عام 2003. السياسة الطائفية للحكومة الحالية هي الاخرى اوصلتنا الى طريق يقترب الى تلك الفترة، بل اعتقد أنها اوصلتنا الى وضع اشبه ما كان عليه السيناريو الصومالي قبل عشرين سنة. في كل مرة نحذر ونتوقع النتائج المدمرة ونرى اثارها رؤية العين المجردة، لكن الحكومة تسير على نفس طريقة حكم النظام السابق، الذي لا يسمع الا ما يريد سماعه. فالسياسي ورجل الشارع يعرف أن الحروب ستدمر العراق، وكانت هناك بعض الحلول التي قد تقلل من آثار التدمير، لكن ذلك النظام الدكتاتوري رفض اي حل سلمي وكأنه يريد تخريب العراق قبل رحيله وقد تم ذلك. قلنا للنظام الجديد قبل احد عشر عاما ان الطائفية ستمزق العراق ولا يمكن ان ننتظر، غير هذه السيناريوهات الكارثية. لكن الديكتاتورية التي لبست عباءة الديمقراطية سارت على نفس النهج الصدامي واهملت المحافظات المنتفضة، بل شجعت على زرع الشقاق والنفاق فيها، وقطعت الخدمات وتركت الحبل على غاربه للمليشيات الطائفية، تقتل من تشاء من دون أي حساب. كانت الحكومة تظن بان هذه السياسة الارهابية ستحمي طائفتها وتحصن نفسها في بغداد وجنوب العراق معتقدة بان الجيش المليشياوي سيحمي السلطة والوطن.
لا اريد ان ابرر جرائم داعش وفكرهم المنحرف المغالي المتشدد واجندتهم العالمية التي لا تخفى على احد، فهؤلاء يعيشون في قرون غير قروننا، وجل اهتمامهم يرتكز على ظواهر الاسلام وتطبيق حدوده في غير مكانها، لكن الحقيقة التي لا يمكن نكرانها هي ان الذين وصلوا السلطة في بغداد ويقودنها حاليا جاءوا بتدخل أمريكي خارجي اجنبي، غزا العراق ظلما وعدوانا. فان كان احد يتهم افراد داعش بالارهاب فحري بهم ان يقولوا الحقيقة كاملة وهي، ان الادارة الامريكية هي راعية وزعيمة الارهاب العالمي. فالاحتلال الامريكي في العراق لا يمثل الارهاب الشخصي لجنوده فحسب، انما يمثل قمة ارهاب الدولة التي لا تتورع عن استخدام اسلحتها الفتاكة المحرمة دوليا، التي حرقت الحرث والنسل. ان الجرائم التي ارتكبت في العراق بالامس القريب خير دليل. وان كان احد يتهم افراد داعش بأنهم من العرب والمسلمين، أي من الاغراب لانهم ليسوا بعراقيين، فان الامريكان ليسوا من الاخوة او اولاد العم والخال، فهم ايضا ليسوا بعراقيين ولا حتى عرب او مسلمين، وهمهم الاول والاخير استعباد شعوبنا والسيطرة على ثرواتنا ومنع تقدمنا.
ان الذي فتح الباب على مصراعيه للتدخل الاجنبي الكافر هم الذين يحكمون بغداد اليوم. اما اهالي المناطق الثائرة ضد ظلم السلطة الحالية فقد وجدوا انفسهم امام الامر الواقع، وأمام تحصيل حاصل عندما وجدوا انفسهم بأنهم تحرروا او احتلوا من قبل قوات داعش. المهم لسكان تلك المناطق الخلاص من ظلم الجيش والمليشيات اللذين مارسا القتل والتعذيب للاهالي، اضافة الى الاعتقالات والمداهمات والاهانات التي مورست ضدهم منذ احد عشر عاما فالغريق لا يسأل عن هوية منقذه، لكن نبقى نتساءل هل نحن ضحية لعبة اقليمية دولية لا نعرف الكثير من خيوطها حتى هذه اللحظة.
قلنا سابقا ونقول الان حرصا على العراق وشعبه، بأن تأجيل الاستحقاقات والاصلاحات الاساسية لبناء دولة مدنية قوية منيعة ديمقراطية لا يمر عبر ترقيع بعض القوانين او عمل انتخابات مزيفة او تغيير رئيس الوزراء، فقد بات كل ذلك لا يجدي أي نفع. ليس امامنا اليوم وفي هذه الظروف العصيبة سوى تعطيل الدستور والشروع بتأسيس حكومة انقاذ وطني من المتخصصين والتكنوقراط والسياسيين الاحرار، برعاية عربية واممية تعمل على صياغة قوانين لتأسيس الاحزاب على اسس وطنية مدنية منفتحة على جميع المواطنين. وضرورة الغاء الطائفية السياسية وأن يجرم كل شخص ايا كان موقعه اذا ما اتخذ الطائفية وسيلة للوصول الى السلطة. والعمل لاقامة انتخابات حرة نزيهة خلال مدة اقصاها سنتين. عدا ذلك فلنحزم امتعتنا من جديد ونعود لصفوف المعارضة، كما كنا في عهد النظام السابق، ونضطر لترك بلدنا للطائفيين والمتعصبين الذين يتاجرون باسم اهلنا في الوسط والجنوب من جهة، والصداميين والمتزمتين الذين يتكلمون باسم اهلنا في الشمال والوسط والغرب من جهة اخرى. نعم في ظل استمرار هذه الاجواء الطائفية المشحونة ستكون كلمة الفصل بالتأكيد للمتشددين من الشيعة والسنة، ولن يكون للمعتدلين والوسطيين العدول أي دور ولن تسمح لهم الظروف بابداء الرأي والنصيحة.

كاتب عراقي

د. نصيف الجبوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية