العراق في مؤتمر باريس… تفاؤل وتناقض

يرى الكثيرون في موضوع عودة فرنسا المباشرة والسريعة للشأن العراقي عن طريق زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، خطوة مهمة وقوية على المستوى السياسي والاقتصادي، حيث برزت رغبة باريس في تأكيد عودة علاقاتها مع العراق بعد غياب طويل نتيجة للاحتلال الأمريكي في 2003، الذي كان له الدور الكبير في تحجيم الدور الفرنسي وعلاقات هذه الدولة العظمى الاقتصادية والعسكرية المتينة مع النظام العراقي السابق. بعد رفض باريس المشاركة باحتلال الأراضي العراقية، التي أقدمت عليه الولايات المتحدة وحلفاؤها. وهذه إشارة واضحة على الصعيدين السياسي والاقتصادي لإعادة إحياء دبلوماسية المصالح التي بلورتها العلاقات الثنائية القديمة بين البلدين.
ويبدو أن هناك مجالا للتفاؤل نتيجة لعوده فرنسا للساحة العراقية، نظراً لموضوعية سياستها الديغولية المتوازنة في الشرق الأوسط بصورة عامة، ومعرفتها للمشهد السياسي العراقي السابق والحاضر بصورة خاصة. وهذا ما قد يساعد على تقريب وجهات النظر بين الفرقاء المحليين والإقليميين، على الرغم من حالة عدم التفاؤل في حصول تغيرات ملموسة في سياسة الإقصاء والطائفية المعمول بها من قبل قمة هرم السلطة العراقي، بعد وصول وجوه جديدة، غداة إبعاد نوري المالكي وإبداله بشخصية من حزب الدعوة القريب من إيران نفسه، وغياب أي إشارة من هذا المؤتمر في ما يتعلق بخطورة التدخل الخارجي الإيراني في الشؤون الداخلية العراقية، وسلبية حكم العراق والعراقيين عن طريق أحزاب طائفية وفئوية.
اولى مظاهر هذا التفاؤل من عودة فرنسا للعراق في هذا المؤتمر، كانت تصريحات الرئيس الفرنسي في إصراره على وحدة العراق أرضا وشعبا، وفي تسميته للمجاميع المسلحة، بتنظيم «داعش» خلافا لتسمية «الدولة الإسلامية» التي تعودنا سماعها من أفواه إدارة الرئيس اوباما، حين تتم الإشارة لهذه المجموعات المسلحة. حيث تكمن أهمية هذه التسمية في تمييزها عن واقع وحدة العراق من التغيرات والتقسيمات الجديدة التي يحاول البعض ربطها وإضافتها إلى مستقبل الكيان العراقي كدولة قابلة للتقسيم، وهذا يعد انتصارا معنويا للقضية العراقية ودعما للسيادة ومستقبل الدولة ووحدة الوطن، في الوقت الذي مازالت بعض الأوساط الغربية تعمل على تهيئة الأجواء والأحداث للبدء بتقسيم البلاد.
وانطلاقا من الموقف الفرنسي الواضح في ما يتعلق بوحدة العراق، كان لابد من المرور على بعض قرارات وتوصيات المؤتمر وقراءتها بتمعن، حيث يرى العديد من القوى الوطنية العراقية المعارضة للنظام الثيوقراطي في بغـداد، في الحملة العالمية المتمثلة بمؤتمر باريس، دعما سياسياً وعسكرياً للنظام العراقي الحالي، وقبولا بالنفوذ الإيراني ومشاركته العسكرية المعلنة رسميا في القتال داخل الأراضي العراقية. ناهيك عن الدور الخطير في تقسيم العراقيين طائفيا وتنظيم المليشيات السائبة التي عبثت في أرض العراق حقدا وجرما وفسادا.
وفي الوقت الذي بلورت تصريحات الرئيس الفرنسي عن النية في استمرار دعم فرنسا لوحدة الأراضي العراقية وسيادة الدولة، تناقضت هذه الرؤى نفسها في تصريحات جلسة الختام، التي أعلن من خلالها ان «الهدف الوحيد لمؤتمر باريس هو تنظيم «داعش» متفاديا الدور الخطير للوجود الطائفي الإيراني على الساحة السياسية والاجتماعية للعراق، ومؤكدا على ما يبدو خصوصية الدور الإيراني لتسوية القضايا الإقليمية.
ثمة العديد من التساؤلات التي لا زالت تُطرح عن إيران، ولماذا يعتبرها الغرب لاعبا إقليميا رئيسيا لا يمكن تسوية القضايا الإقليمية بدون مشاركتها، على الرغم من تورط هذا اللاعب «المهم للغرب» في الحروب الطائفية العراقية والسورية ولبنان. لا ندري هل كان من المعقول القضاء على تنظيم «داعش» والتركيز على دعم سلطة الأحزاب الطائفية في بلد يحتله حرس خامنئي الإيراني ومليشيات الباسدران؟ كيف نفهم هذا التناقض في غياب ممثل إيران عن مؤتمر باريس، نتيجة رفض الولايات المتحدة القبول بمشاركته، في الوقت الذي يقاتل قاسم سليماني وميليشياته علنا في ساحات الصراع الطائفي والعقائدي دفاعا عن مصالح وأحلام ملالي قم وطهران، وعلى الرغم من معرفة الإدارة الأمريكية وحلفائها بحقيقة الطموحات الإيرانية في بلاد الرافدين وعلاقة الإستراتيجية الإيرانية القومية بالحس المذهبي المرتبط بالجغرافية السياسية، عمدت الدول الغربية في تعاملها مع الطموحات الإيرانية بما يتفق مع مصالحها الاقتصادية والجيوستراتيجية، وعليه يمكن تلخيص الموقف من العراق على أنه أشبه باتفاق إيراني ـ أمريكي، بعد أن جرد الاحتلال في 2003 هذا البلد من حقوقه في السيادة والاستقلال، وتم إبعاده من المعادلة الإقليمية العربية. وبعد أن فشلت الدول العربية في المحافظة على موقعها الإقليمي المؤثر بسبب الهيمنة الأمريكية على قراراتها، ومن ثم ترك مصير العراق وشعبه لنظام الملالي. وعلى ضوء هذا أصبح العراق كبش الفداء، سواء اختلفت إيران والولايات المتحدة إقليميا، أو تصالحت الدولتان نووياً لاقتسام النفوذ والهيمنة على هذا الجزء الحساس من المنطقة.
من هذا المنطلق، فان تفادي الدور الخطير للمد القومي الإيراني على العراق واقتصاره على تنظيم «داعش» بدون فرض توازن على أساس القيم الوطنية العراقية، سوف لا ينهي هذه الحالة الشاذة. ان إنهاء سرطان الطائفية هو الشرط الأساسي لنجاح أعمال مؤتمر باريس. كما ان إنهاء حالة الطائفية السياسية في حكم العراق سيسهل عودة الوئام والانسجام للمجتمع العراقي، وينهي بدون رجعة وجود المجاميع المتطرفة.
امنيتنا وأمنية كل العراقيين ان تكون مقررات مؤتمر باريس من أجل حماية الوطن من «داعش» والإفراج عن بلدنا المسلوب من القبضة الأجنبية والتفرقة الطائفية الشيعية السنية، بعد ان جعلته إيران رهينة للتفاوض في مجال الملف النووي وقضايا الجمهورية الإسلامية الإقليمية المرتبطة بأمنها القومي، وعلى حساب مستقبل وسيادة العراق كدولة .
نجاح التعبئة الدولية والقرارات السياسية والعسكرية ضد تنظيم «داعش» يجب مصاحبتها بتغييرات جذرية في ثقافة السلطة الحاكمة ونوعية أحزابها وطبيعة علاقتها بإيران. ان النجاح العسكري في القضاء على المجاميع الجهادية وتجييرهذا المؤتمر لصالح أصدقاء إيران لن يوصل العراق إلى بر الأمان، ولن يساعد في إعادة ما تم تدميره وهدمه منذ 2003 وحتى الآن.

٭كاتب من تيار المواطنة العراقي

أمير المفرجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية