العراق… قراءة في أسباب انتقال الإرهاب للغرب

■ أظهرت أحداث الإرهاب الأخيرة التي شهدها الغرب، مدى خطورة تطور الصراع المذهبي المستمر منذ 2003، وانتقاله بالتالي من خارج دائرة جغرافية منطقة الشرق الأوسط، إلى المجتمعات الغربية، التي يوجد فيها العديد من الجاليات العربية والإسلامية.
مراكز الغرب المختصة تدرك جيدا أن مصدر القلق الجديد الناتج عن اتساع دائرة الصراع المذهبي ـ الإقليمي في الشرق الأوسط، ومن ثم انتقاله إلى المناطق البعيدة عن مراكز الصراع التقليدية في العراق وسوريا، تحصيل حاصل ونتيجة طبيعية للتغيرات الخطيرة التي جاءت بها الحلقات الثلاث من مخطط غزو العراق في 2003 القائم على احتلاله عسكريا، ومن ثم تقسيمه اجتماعيا عن طريق تفضيل بعض المكونات وإذلال الأخرى. كما تعرف هذه المراكز الاستخباراتية الغربية حق المعرفة، أن قلب موازين العراق الاجتماعية والمؤسساتية وتقسيم العراقيين إثنيا، وغض الطرف عن نوايا إيران في توسعها في العراق، وتكثيف وجودها في سوريا سيدفع خصوم طهران، ابتداء من السعودية ودول الخليج، إلى مواجهة المد القومي الفارسي الذي بات يهدد نفوذهم السياسي والاقتصادي، المتمثل في صراع تجارة النفط والغاز، الذي بدأ يأخذ شكلا أكثر وضوحا، وأكثر تطورا بعد إعادة تأهيل دخول إيران إلى السوق العالمية، وإعلانها في 2010 لمشروع مد خطوط انابيب للنفط والغاز من إيران عبر العراق وسوريا، في خطوة تصعيدية للتنافس مع المصادر النفطية السعودية ـ القطرية والدخول كقوة جديدة، لإعادة ترتيب الاوراق في منطقة الشرق الأوسط بمساعدة روسيا. ولنا في زيارة الرئيس الروسي بوتين قبل أيام لطهران ومشاركته في قمة الدول المصدرة للغاز ولقائه مع الولي الفقيه شخصيا، الدليل على ذلك.
وهذا ما قد يسهل قراءة موقف إيران الحالي، وأسباب عزمها على البقاء في العراق وسوريا وجعلهما حجر الزاوية لمشروعها النفطي الاستراتيجي، للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، الذي بالإضافة إلى تصدير النفط والغاز، سيسمح للجمهورية الإسلامية بالسيطرة على بلاد الرافدين والشام، وبالتالي التأثير على قدرة خصومها العرب في صراعها المذهبي التقليدي، الهادف إلى إعادة نفوذها الامبراطوري للسيطرة على الخليج العربي.
وهذا ما يفسر أيضا حقيقة موقف قطر والسعودية وتركيا المزدوج من الحركات الجهادية مقارنة بموقف إيران في العراق وسوريا.
من هذا المنطق لم تأت مراحل ولادة واتساع حدود تنظيم «داعش» نتيجة لعصا ساحر، وانما هي محصلة طبيعية لصراع الدين السياسي المذهبي بشقيه العربي والفارسي، واعتماده على حروب الوكالة للمكونات البشرية الضعيفة الخاضعة لهما في منطقة الشرق الأوسط، بعد ان ألغى الاحتلال الأمريكي من العراق قدرة الدولة الأم في حماية مؤسساتها الوطنية الوقائية المدافعة عن سيادتها وأفرادها من أطماع الدول المارقة وجواسيسها وأحزابها المحليين في الداخل، في حروبها واستراتيجياتها الاقتصــــادية الاقليمية في المنطقة. وهذا ما قد يُفسر أسباب الخراب والدمار الذي حل في بلداننا وانتقاله إلى الغرب نتيجة للانقلاب الخطير في أسس المجتمع المدني المسالم تحت غطاء الدين والمذهب وتحويله إلى مركز لصراع مذهبي إقليمي ـ دولي لتصدير الإرهاب لا يمت بصلة مع الأهداف الوطنية الخاصة للعراقيين والسوريين.
وهنا لا بد من الرجوع إلى أهمية دور الغرب وروسيا وعلاقاتهما الاقتصادية مع دول المنطقة، خصوصا مع دول الخليج العربي وإيران، اذا ما أخذنا بعين الاعتبار علاقة أمريكا واوروبا المتينة والقديمة في المجال العسكري والاستثمار الاقتصادي مع قطر والمملكة العربية السعودية من جانب، وعلاقة الغرب وروسيا مع طهران بعد توقيعها للملف النووي، وانتهاء فترة العقوبات التي يتوقع كل ذي بصيرة أن تكون مشابهة من حيث الأهمية الاقتصادية لعلاقة الغرب ودول الخليج، نظرا للقابلية البشرية الهائلة التي تتمتع بها إيران كسوق استهلاكي للصادرات الغربية، وتوافق حجم ثرواتها الهائلة من النفط والغاز التي يحتاجها الغرب.
والسؤال هل وجب على الغرب وروسيا اللذين وقعا ضحية الارهاب، الاستمرار في دعم وتشجيج هذه الدول التي تتصارع في العراق وسوريا، وتمول مليشيات «الحشد الشعبي» و»تنظيم داعش» بدون أن يدركا ان الحل الوحيد هو في تغيير قراءتهما وموقفهما للمشهد العراقي، والبدء في تصحيحه عن طريق إعادة الاستقرار والهدوء في هذا البلد بالضغط على إيران واجبارها على عدم التدخل في العراق وسوريا وترك العراقيين والسوريين أحرارا في بلديهما.
الغرب مطالب بإدراك أن المنطق يحتم عليه عدم التعامل مع الأنظمة المذهبية والمليشيات التي لا تتوافق ثقافتها مع ثقافة التسامح التي تنادي بها مجتمعاتها المسالمة، ويـُمثل العراق الـُمحتل من قبل إيران النموذج الواضح لهذا التغير الخطير في شكل واسس الدولة المدنية الحديثة، وتحولها إلى دولة مذهبية ومصدر لصراع إقليمي.
فرنسا بإرسالها حاملة الطائرات «شارل ديغول» وبمشاركة روسيا قد تنجح في القضاء على تنظيم «داعش وجبهة النصرة»، لكنها ستفشل في هزم الارهاب وامتداداته، اذ لم تجد الحلول الموضوعية المناسبة للأسباب التي جاءت بهذا التنظيم الذي ولد من مأساة العراقيين والسوريين بعد غزو بلادهم وتدخل جيرانهم.

٭ كاتب عراقي

أمير المفرجي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية