هوقصر الرحاب السكن الرسمي للعائلة المالكة العراقية حتى عام 1958 وقبل أن يسرح خيال القارئ في تصور هيبة ذلك القصر وعظمته، فإنني للأسف سأخيب آماله، لأن ذلك القصر لم يكن في الحقيقة سوى منزل متوسط الحجم محاط بحديقة واسعة ويخلو من أي علامة متعلقة بالفخامة، أما أثاثه فقد كان بسيطا حتى أن سرير الملك نفسه كان مصنوعا من «الفورميكا»..
وقد شاهد الكثيرون أثاث «القصر» البسيط عندما عرض الأثاث للبيع في المزاد العلني بعد نجاح أنقلاب 1958. وقد تألفت العائلة الساكنة في القصر من الملك الشاب فيصل الثاني وولي عهده الأمير عبدالإله والملكة نفيسة (والدة عبد الإله) والأميرة عابدية (شقيقة عبد الإله) والأميرة هيام (زوجة عبدالإله)، وكان لدى العائلة كلب يملكه الأمير عبد الإله. وقد عاشت مع العائلة المالكة طفلة صغيرة يتيمة كانت العائلة المالكة قد تبنتها وسمتها غازية وكانت في السادسة من عمرها عام 1958 عندما حدث الانقلاب العسكري.
وكان الملك فيصل أكثر الشخصيات شعبية في العراق، فقد عرف بأدبه الجم وأخلاقه العالية وبساطته، إلا انه كان لين العود ولم يرب ليكون شديد البأس وقائدا حقيقيا للبلاد. أما الأمير عبدالإله فلم يكن من الشخصيات المعروفة في العراق.
وبعد عودته إلى العراق من مصر، حيث كان يدرس في كلية فيكتوريا الثانوية، وعين موظفا بسيطا في وزارة الخارجية، ولكن فجأة ولأسباب غامضة حيرت العراقيين جميعا تم تعيينه وصيا على العرش ووليا للعهد عام 1939 وهو لما يتجاوز سن السادسة والعشرين، عند مقتل الملك غازي، على الرغم من أنه لم يكن من أبرز رجال العائلة المالكة من ناحية التسلسل العائلي، في الوقت الذي كان فيه الأمير زيد الأبرز بينهم عائليا، وهو أخ الملك فيصل الأول، ويتمتع بحب غالبية الشعب العراقي، وكان قد تولى عدة مناصب دبلوماسية مهمة في الدولة العراقية، وقد عرف بسمعته الطيبة وأخلاقه الراقية وحرصه على مصلحة العراق، وعلاقاته الممتازة مع كل من عرفه، وكان الأولى به أن يكون هو وصيا على عرش العراق بدلا من عبد الإله.
وحاول عبدالإله التدخل في السياسة العراقية منذ البداية، وكانت محاولاته تقلل دائما من حب الناس له، ولكنه لم يعر لهذا أي اهتمام، ولحسن الحظ فإن دهاء نوري باشا السعيد، صانع السياسة العراقية، قلل من تأثيره بشكل كبير، لمصلحة العراق، ولكن على الرغم من ذلك فإن نوري باشا السعيد كان دائما يبالغ في إظهار الاحترام لجميع أفراد العائلة المالكة في المناسبات حفاظا على المظاهر.
وكون عبدالإله الرجل الأكبر سنا في القصر ووصيا على العرش ووليا للعهد، سمح له بأن يكون مسيطرا على شؤون العائلة وتربية الملك الشاب منذ طفولته، ولكنه رباه ليكون رقيقا جدا وخاضعا له، ولذلك فإن عبدالإله كان هو الملك الفعلي في العراق حتى بعد تولي الملك فيصل الثاني منصبه كملك على العراق رسميا.
في صبيحة يوم الاثنين المصادف الرابع عشر من تموز/ يوليو عام 1958 حدث انقلاب عسكري غير تاريخ العراق الحديث، فقد أرسل قادة هذا الانقلاب في صباح ذلك اليوم المشؤوم مجموعة صغيرة من الضباط والجنود لم يتجاوزوا الثلاثمئة إلى قصر الرحاب لقتل الملك والأمير وبقية العائلة التي كانت موجودة في القصر، ونجحت هذه القوة الصغيرة في الاستيلاء على القصر، وكان أحد الأسباب الرئيسية لنجاحهم هو خيانة آمر الحرس الملكي العقيد طه البامرني، وذلك بإعطاء الأمير عبدالإله انطباعا كاذبا عن القوة المهاجمة للانقلابيين والموقف بشكل عام، على الرغم من معرفته بأن هذا كان مخالفا للحقيقة، فالمهاجمون كانوا قليلي العدد وبتسليح هزيل، حيث لم يمتلك الجندي الواحد منهم أكثر من خمس طلقات، ونفد هذا العتاد سريعا في بداية الهجوم، بينما يتكون لواء الحرس الملكي من ثلاثة آلاف جندي مجهزين بأفضل الأسلحة، وحسب التقرير الذي كتبه طه البامرني بنفسه فإنه اتصل بالقصر الملكي معلنا انضمامه للحركة الانقلابية، وإنه عندما وصل إلى القصر وقابل الانقلابيين المتمركزين أمامه أبلغوه بعدم وجود أي عتاد لديهم، وقبّلوا يده متوسلين إليه الانضمام إليهم وهو الذي أمر لواء الحرس الملكي بالاستسلام.
ولكن على الرغم من موقف آمر لواء الحرس الملكي العقيد طه البامرني هذا، فقد قام النقيب ثابت يونس (مرافق الملك الخاص) بالإلحاح على الأمير بإصدار الأمر للحرس الملكي بالهجوم على الانقلابيين، مؤكدا له إمكانية دحر الانقلابيين وسحقهم بسهولة والقضاء على الانقلاب بأكمله واحتلال بغداد، ولكن جهود ثابت يونس ذهبت أدراج الرياح بسبب إصرار الأمير على الاستسلام. ولا ندري إن كانت هناك أسباب أخرى وراء قرار الأمير هذا، أو أنه اتصل بأحد سعيا للمشورة ونصحه هذا بالاستسلام، حيث أن خطوط الهاتف في القصر كانت تعمل لم تفصل من قبل الانقلابيين. لقد كان الأمير مقتنعا بالاستسلام، وأن الانقلابيين كانوا سيدعونه يترك العراق هو والملك وبقية العـائلة بسـلام.
وبعد تطور الأحداث ومحاصرة القوات الانقلابية لمبنى القصر الملكي وقرار الأمير عبدالإله بالاستسلام خرجت العائلة من القصر ببطء وعلى شكل موكب، وذلك في الساعة السابعة والثلث صباحا، بعد أن أكد الانقلابيون لهم ضمان سلامتهم، ولكن العائلة المالكة كانت تجهل الحقيقة المرعبة، وهي أن خطة قادة الانقلاب كانت تقضي بقتلهم جميعا، ولذلك فقد كان موكب العائلة في الحقيقة هو موكب الموت، بل إن عبدالسلام عارف، الذي أشرف على تنفيذ الانقلاب، كان قد أعلن عن مقتل العائلة المالكة عن طريق إذاعة بغداد حتى قبل خروجها من مبنى القصر. وكان موكب الموت هذا يتكون من الملك الشاب فيصل الثاني والأمير عبدالإله والملكة نفيسة التي كانت تحمل مصحفا بين يديها، والأميرة هيام والأميرة عابدية والطفلة غازية التي تشبثت بأذيال الأميرة عابدية، وهي ترتجف خوفا ورعبا، بالإضافة إلى الخادم شاكر والخادمة رازقية وسائق الملك مع كلب عبد الإله.
وكانت الطفلة غازية المرتعبة وقد تعلقت بكل قواها بالأميرة عابدية التي كانت تحاول جاهدة أن تقنع هذه الطفلة المسكينة بالفرار لعلمها أنها غير مستهدفة من قبل الانقلابيين ولكن على غير طائل، وسكتت الطفلة فجأة ولكن ذلك لم يكن لشعور هذه الطفلة البريئة بالاطمئنان، بل لأن طلقة طائشة أصابتها وقتلتها في الحال فكانت أول ضحايا الانقلاب. ووجدت العائلة المالكة نفسها أمام الانقلابيين مباشرة كالخراف في مواجهة ضباع جائعة ومتعطشة للدماء، خاصة أن أحد هذه الضباع كان النقيب عبد الستار سبع العبوسي، الذي كان مكلفا من قبل قادة الانقلاب، عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف، بقتلهم جميعا. وفي مثل هذه اللحظات المرعبة تظهر معادن الرجال الحقيقيين، ففي خضم هذه الفوضى الرهيبة بقي شخص واحد فقط يدافع عن العائلة وهو النقيب البطل ثابت يونس الذي رفض التخلي عن أداء واجبه المقدس، وهو الدفاع عن العائلة مهما كانت العواقب، وعلى الرغم من قرار الأمير عبدالإله بالاستسلام. ولذلك أصر على بقائه إلى جانب العائلة المالكة مهما حدث.
وكان بين المهاجمين النقيب مصطفى عبدالله الذي ما أن شاهد موكب العائلة المالكة عند خروجها من القصر حتى أخذ يوجه الشتائم للأمير عبدالإله وبدأ بإطلاق النار من مسدسه وعندئذ صاح به مرافق الملك ثابت يونس طالبا منه التوقف فورا وعندما تجاهل النقيب مصطفى الطلب واستمر في إطلاق النار قام النقيب ثابت يونس بعمل بطولي وهو سحب مسدسه وإطلاق النار عليه فأصابه في ساقه، كما أصاب النقيب حميد السراج، وهنا حدثت الكارثة الرهيبة حيث أطلق النقيب عبدالستار العبوسي النار من رشاشه على العائلة المالكة وتبعه بقية الضباط الانقلابيين وأنهوا العائلة المالكة ومعهم البطل ثابت يونس خلال لحظات، وبعد سقوط الجميع جثثا هامدة سمع البعض أنينا خافتا صادرا من الجثث فوقف عبدالستار فوق جثتي الملك والأمير وأطلق عليهما النار ثانية للتأكد من موتهما ثم قتل كلب الأمير وانتهى كل شيء. وعند ذلك ترك النقيب عبدالستار المكان ذاهبا إلى مقر الإذاعة لإبلاغ عبدالسلام عارف بما فعله فشكره عبدالسلام واحتضنه وقبله.
وهكذا تغير كل شيء في العراق بعد هذا الانقلاب وزال الحلم الجميل إلى غير رجعة وحل الظلام وسقط العراق في بئر لا قاع لها.
كاتب من العراق
زيد خلدون جميل