العراق: قلادة الهوية!

حجم الخط
1

أينما أذهب أجد من يسألني عن أصلي وديني وطائفتي، وعن اللقب أو العشيرة أو المحافظة أو الحي.
كنت في البدء، أتلقى مثل هذه الاسئلة ببراءة وحسن نية، وأراها مجرد مقدمات مقبولة لافتتاح حديث ودي وكسر حاجز الصمت وتقريب المسافة وايجـاد نقـاط مشـتركة، أو للتـسلية وقضـاء الوقت.
ثم بدأت اتساءل لماذا يهتم الآخرون باصول غيرهم وديانتهم وطائفتهم! السبب أكبر من مجرد تعارف بريء، وعبارات لتمضية الوقت وكسر حاجز الصمت وتقريب المسافات.الهدف الحقيقي لمثل هذه التحقيقات هو تصنيفك تصنيفا متدرجا وتخصيص رقم ودرجة ورمز وخانة لك بين الخلائق، يسهل بعدها على السائل ان يتعامل معك كما يخيل له ويظن.
ولكن الحقيقة انه خفي عليه جهلا أو عن دراية ووعي كاملين، إنه يتعامل مع الصورة المتخيلة عنك التي نسجها واشتغل عليها في دماغه، والتي قد تكون في أجزاء متفرقة منها تحمل ملامح منك، ولكنها بالتأكيد ليست أنت مائة في المائة. وبالتالي فإن المشاعر التي سيكونها السائل بعد سلسلة الاسئلة الموجهة لك، سواء كانت مشاعر حب أو كره أو تعال أو ضغينة أو احتقار أو اعجاب أو تباهي، هي ليست موجهة لك انت، ولكنه، اي السائل لا يفطن لذلك، بل هي في حقيقة الأمر موجهة للصورة التي رسمها لك في دماغه ومخيلته.
هذه الصورة المعطاة ليست بالتأكيد تجسيدا دقيقا لكينونتك وماهيتك الحقيقية!
هذا التصور يقودنا إلى تساؤلات مثل : ماهي الهوية، وكيف تتشكل وتخلق، وهل يمكن للفرد أن يتجنب هويته المكتسبة من بيئته، لا وبل يهرب منها تماما، ويسعى لاكتساب هوية جديدة مغايرة ؟
هل هذا ممكن، أم أن هويته القديمة ستلاحقه كلعنة لامهرب منها ولامناص، أو كقدر مشؤوم لا يمكن الفرار منه وتجنبه، أو كقلادة قد بنيت في عنقه منذ الولادة، ولا يستطيع منها فكاكا، فهي تلاحقه وتأسره، حتى وان باعدته عن بيئة الولادة الأولى آلاف الاميال طولا وعرضا!
يمكننا أن نقول ببساطة ان الهوية هي مفهومك لنفسك، وبالطبع فان هذا المفهوم يتشكل عبر كل مراحل حياتك. وهكذا فان الهوية تشمل جوانب من حياتك لا تملك اي تحكم فيها، مثل مكان ولادتك ونشأتك أو عرقك ولون جلدك، وجوانب أخرى تتضمن خياراتك في الحياة مثل معتقداتك وشهاداتك أوعملك. وهكذا نرى أن هويتك قد تكون متجلية ظاهرة، مثلا في ملابسك أو اغراضك أو سلوكك مع الآخرين، وقد تكون كذلك مخفية باطنة. ومادامت الهوية تتشكل عبر مراحل الحياة، فلابد ان تخضع لعمليات نمو وتطور وتبدل، قد تكون جذرية، تبعا لما يلاقيه الفرد في حياته من تقلبات وتجارب وصدمات ونكسات وأفراح وأتراح.
وهنا اذكر انني قابلت يوما شاعرا مخضرما، كان في شبابه شيوعيا متحمسا ثائرا، فاذا به ينقلب بعد ذلك، بعد ان تقدم به العمر، إلى كافر بالفكر الشيوعي برمته ومعتنق لهوية مغايرة، وبالطبع كانت لديه دوافعه واسبابه!
كما ان الولع المهووس والمحموم بالشعائر والطقوس الدينية الذي نشاهده في بعض المجتمعات اليوم، ليس حراكا عابرا أو بريئا كما يظن الكثيرون ويعتقد. انه في الحقيقة سعي حثيث ومبرمج لالغاء الهوية الوطنية الشاملة لهذه المجتمعات، واستبدالها بهوية فئوية ضيقة.
وبالطبع فإن مثل هذا الاستبدال لا يحدث اعتباطا، بل تحركه أياد لها مصلحة في عملية تغيير الهوية الوطنية لبلد ما واستبدالها بهوية اخرى! ولذلك نرى ان كثيرا من الأفراد يطلبون الهجرة من أوطانهم، ويسعون لها، بحثا عن أوطان جديدة ينشأون فيها هويات بديلة لهوياتهم الأم، وذلك لعدم قناعتهم بهوياتهم القديمة، أو عدم رضاهم عنها، أو لسخطهم أو نقمتهم عليها. وكثير منهم ينجح في ذلك، وكثير يخفق ايضا. وتتعدد عناصر النجاح والفشل في هذه المسألة. كما أن معظم الناس يقوم بتغيير هويته دون وعي منه انه يفعل ذلك، وآخرون يفعلون ذلك عن وعي ودراية.
نخلص من كل ما تقدم إلى أن تغيير المرء لهويته أمر وارد وممكن وغير مستحيل، ولكنه بحاجة لبيئة دافعة وبيئة حاضنة، كما انه بحاجة لشجاعة نادرة تجعلك تشن ثورة تقودها ضد نفسك أولا، وضد آخرين ايضا، ثورة قد تكون نهايتها سلما أو حربا، حسب مخرجات الثورة. كم منا من تساءل، بينه وبين نفسه، إن كان قادرا أو مؤهلا لقيادة مثل هذه الثورة، وما قد تجره من ويلات أو إنجازات بهية للنفس والروح والمشاعر! وكم منا من تساءل عن جدوى انتزاع هذه القلادة المعلقة في رقبة كل منا، كقيد مصفود يرهقها، ويثقل عليها، ويترك فوقها بصمات أصابعه وغرزات مخالبه!

كاتبة من العراق

العراق: قلادة الهوية!

شهباء شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية