بغداد ـ «القدس العربي»: مع تصاعد الاستعدادات للمعركة الفاصلة في مدينة الموصل لطرد تنظيم «الدولة» يواجه العراقيون السؤال المقلق.. وماذا بعد القضاء على التنظيم؟
وقد عبرت العديد من القوى العراقية والدولية، عن مخاوفها من مخاطر وتحديات فترة ما بعد الانتهاء من تنظيم «الدولة» في العراق، معبرين عن الخشية من صراعات جديدة ونزاع على المناطق إضافة إلى مشاكل كبيرة تخص التعامل مع أزمة النازحين من الموصل، في غياب إرادة سياسية لتجاوز سلبيات المرحلة السابقة.
وتعزز تلك المخاوف، رسائل تتعمد شخصيات وقوى على اطلاقها إلى الشارع العراقي والدولي، لتحقيق أهداف مختلفة، منها إثارة القلاقل في بلد غاطس حتى الرأس بالمشاكل والأزمات والتحديات، وفي توقيت يتطلب حشد كل القوى لمواجهة المعركة المصيرية لطرد تنظيم «الدولة» من الأراضي العراقية.
فقبل أيام أكد رئيس اقليم كردستان مسعود البارزاني خلال استقباله مبعوث الأمم المتحدة في العراق يان كوبيتش لبحث عملية تحرير الموصل «أن المرحلة التي ستلي تحرير الموصل مرحلة حساسة ومهمة، وما يهم إقليم كردستان أكثر من أي شيء في هذا الموضوع، هو مصير المكونات الدينية والقومية وبالأخص الإيزيديين والمسيحيين في محافظة نينوى، مشددا على وجوب توضيح مستقبل الموصل بجميع التفاصيل سياسيا وإداريا وعسكريا».
كما أشار البارزاني إلى ضرورة إحترام رأي سكان المنطقة وجميع المكونات ويتم تنفيذ خياراتهم ورغباتهم وإرادتهم في المستقبل. وهذه الفقرة فسرها المتابعون بانها تعني ضم مناطق الأقليات في الموصل كالإيزيديين والشبك والمسيحيين، إلى الإقليم.
وبدوره، اطلع كوبيتش البارزاني على قلق دول التحالف والمجتمع الدولي من المرحلة التي ستعقب دحر تنظيم «الدولة» والوضع الإنساني للنازحين، وشدد على وجوب التوصل إلى إتفاق مسبق والحديث حول جميع التفاصيل السياسية والعسكرية والإنسانية ومستقبل العلاقات بين مكونات هذه المحافظة في مرحلة ما بعد خروج الإرهابيين من الموصل.
وجاء حديث البارزاني وسط حملة تصريحات لقادة في البيشمركه تؤكد التمسك بالأراضي التي سيطروا عليها والمسماة بالمناطق المتنازع عليها، إضافة إلى استمرار تحرير المزيد من المناطق من تنظيم «الدولة» وضمها للإقليم، وذلك بالتزامن مع تصريحات رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي بوجود اتفاق بين بغداد والإقليم بعدم تحرك قوات البيشمركه من مواقعها وعدم السماح بتقسيم الموصل.
بل وصل الأمر إلى تحذير عضو المكتب السياسي في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، محمود سنكاوي، بأن الشيعة تخطط للهجوم على الكرد، بعد القضاء على تنظيم «الدولة» مطالباً الأطراف السياسية الكردية بتوحيد صفوفها، واتخاذ موقف مشترك يكون في مصلحة الكرد مشددا على أن «الكرد سيكونون في خطر». ومن جانبه، حذر النائب ارشد الصالحي، رئيس الجبهة التركمانية، من مرحلة ما بعد الخلاص من تنظيم «الدولة».
وكشف الصالحي في مؤتمر صحافي في بغداد، انه اطلع خلال زيارته إلى الولايات المتحدة مؤخرا ولقاءاته مع المسؤولين هناك، على معلومات عن ترتيبات يجري الإعداد لها لمرحلة ما بعد تنظيم «الدولة» وخاصة ما يتعلق بالمناطق المتنازع عليها في العراق مثل كركوك وطوز خورماتو وغيرها.
وحذر الصالحي من «اتفاقيات سرية يجري الإعداد لها بعد الانتهاء من تنظيم «الدولة» تستهدف ابعاد المكون التركماني عن المشهد السياسي، مشيرا إلى تنصل رئيس الوزراء حيدر العبادي من تعهده باشراك التركمان في التعديل الوزاري، وذلك بهدف ابعاد أي صوت تركماني في الكابينة الوزارية عند مناقشة مستقبل العراق والمناطق المتنازع عليها وتقاسم النفط وحقوق المكون التركماني» حسب قوله.
وحتى بالنسبة للمسيحيين في العراق، أعرب بطريرك الكلدان في العراق والعالم لويس ساكو عن الخشية من تصفية عرقية في مرحلة ما بعد «الدولة». وعبر ساكو مؤخرا، عن مخاوفه من مرحلة ما بعد «الدولة» وما قد تحمله تلك المرحلة من انتقامات وتصفية عرقية ومذهبية وطائفية. وقال ساكو: «ان السياسيين مزقوا البلد وقسموه وفقا لمصالحهم».
وتنتشر هذه التصريحات بالتزامن مع تحذيرات صدرت من قوى عراقية وأمريكية من مخاطر مرحلة ما بعد «»الدولة»» وخاصة ما يتعلق بتنامي قوة ونفوذ الميليشيات المسلحة التي تصر قوى سياسية عراقية وإقليمية، على ان يكون لها صوت مسموع وثقل مميز في المشهد السياسي والأمني العراقي المقبل، ضمن سياسة فرض الأمر الواقع بقوة السلاح. وتأتي تلك التحذيرات بعد تكرار تصريحات قادة إيرانيين مؤخرا منهم محسن رفيقي دوست والنائب الإيراني محمد صالح جوكار، حول ضرورة تأسيس الحرس الثوري في العراق اعتمادا على تشكيلات الحشد الشعبي، وهو تأكيد لمخاوف عراقية سابقة من نوايا إيرانية لاستنساخ تجربة «حزب الله» اللبناني في العراق اعتمادا على الميليشيات الموالية لها.
ويتفق المراقبون على ان المشهد التالي في العراق لمرحلة ما بعد تنظيم «الدولة» لا يبدو انه يبعث على التفاؤل، وسيكون بعيدا عن الاستقرار ودعوات المصالحة المجتمعية، ويحمل في طياته مخاطر وتحديات تتحكم بها إرادات إقليمية ودولية عبر أدوات محلية يحركها الصراع على المصالح، كما شهدنا في صراع الارادات في البرلمان العراقي حول قوانين مثل العفو والمسائلة واصرار على مواصلة نهج الاقصاء والاستحواذ على السلطة، وهو ما يثير خشية العراقيين من تعمق تعقيدات الأوضاع والأزمات الدائمة وجرهم إلى معاناة جديدة ضمن مسلسل «الفوضى الخلاقة» التي أوجدها الاحتلال منذ 2003 واستثمرها المستفيدون من هذا الوضع.
مصطفى العبيدي