العراق وتشكيك الغرب في وجوده

فند الغرب في احتلاله للعراق بعد اكتشافه للنفط، غداة انتزاعه من السيطرة العثمانية في 1917 بأنه البلد الهزيل الذي قضت غزوات المغول البربرية على جسده وحرقت حضارته. وهو بالتالي لم يعد سوى جزء من الإمبراطورية العثمانية، وتركة الرجل المريض بعد خسارة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى.
من هنا أصبح لزاما من خلال الخطاب الرسمي الغربي في إعلان أسباب استعمارهم لهذه الدول، حيث وُظف هذا الخطاب لصالح فكرة «تحرير الشعب العراقي» من الأساطير والتخلّف، والبدء بتشريع قانون المواطنة العراقية بديلا عن هوية التبعية الإيرانية أو العثمانية، التي كانت تُفرض على مواطني الولايات الثلاث، التي رسمت حدود بلاد الرافدين، والمتمثلة في الموصل، بغــداد والبصرة، انطلاقا من حقيقة ارتباط التواجد العثماني ـ الفارسي بالنزعات القومية العقائدية لهاتين الإمبراطوريتين اللتين جعلتا من العراق ساحة لصراع نفوذ استعماري، أثر على تطور المجتمع العراقي، وساهم في انقسامه ومن ثم تبعيته لهذه الدول المجاورة، طائفيا وسياسيا، على الرغم من صلابة الإرث الحضاري الذي تناقلته الأجيال العراقية من حضارة بلاد الرافدين في سومر وبابل وآشور، وما تلاه من الحضارة الإسلامية في بغداد، عاصمة الدولة العباسية.
وهكذا وبفضل أهمية اكتشاف النفط وسيطرة بريطانيا على «الفاو»، وفرنسا على الموصل، اللتين تشكلان الحدود الفاصلة بين إيران وتركيا، وبين ما يسمّى ببلاد ما بين النهرين، أنصف التغيير السياسي والعسكري لميزان القوى مع نهاية الحرب العالمية الأولى، العراق من خلال ضمان وحدته الجغرافية، ليعود ويصبح كيانا سياسيا واجتماعيا وجغرافيا يتناسب مع حجم الأسس الحضارية التي مرت على أرضه، على الرغم من أن اتفاقية سايكس ـ بيكو شككت بالشرعية التاريخية لبلاد الرافدين، بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، حيث أطبقت بريطانيا على العراق، بنظام الانتداب الذي أقره مؤتمر «سان ريمو» في 26 أبريل/نيسان 1920 عن طريق سلطة الانتداب التي منحتها عصبة الأمم في مؤتمر لندن عام 1922، ليرتبط العراق في النهاية مع بريطانيا بمعاهدات وأحلاف حدت عمليا من استقلاله إلى حين الإطاحة بالنظام الملكي في 1958.
وعلى الرغم من إدانة التيارات القومية العربية حدود هذه المعاهدات، التي قسمت المشرق العربي إلى دويلات ضعيفة، وقمعت الثورة العربية التي قادها الشريف حسين، الهادفة لإعادة التاريخ والجغرافيا، من خلال رابطة الوحدة القومية بين أغلبية الكيانات القائمة، بيد انه لم يتم التشكيك فيها بجدية في العراق، كونها تتناسب مع الهوية التاريخية والثقافية لبلاد الرافدين وحدودها الطبيعية، التي رسمها نهرا دجلة والفرات ودونتها عظمة الحضارات التي مرت على مدنها.
وكما فند الغرب بعد احتلاله مجددا للعراق في 2003 من خلال قراءته للمشهد العراقي الحالي، بعد أن تم العمل على تقسيمه طائفيا، على أن حالة الاحتقان الطائفي هي نتيجة طبيعية لفشل الغرب لعملية صناعة نموذج بلد «مُصطنع» لكيان عراقي ولد ابتداء من معاهدة سايكس ـ بيكو في 1916، ونهاية برسم بريطانيا لشكل الدولة العراقية بموجب مؤتمر القاهرة الذي عُقد في مارس 1921، بعد التطور في أحداث انتفاضة القبائل العراقية في ثورة العشرين في المدن الثلاث. حيث يبدو ان الغرب قد رأى في بعض أخطاء النظام السابق التي أثرت على مسيرة الدولة العراقية التي أسقطت في 2003، أخطاء عامة تدخل ضمن مسؤولية الدولة العراقية التي تأسست في 1921، على الرغم من تعدد أنظمتها ونجاحها في تمثيل العراقيين وبسط السلام في المجتمع العراقي. وتوافقا مع هذه الرؤى لم تجد طروحات المتخصصين بالشأن العراقي شيئا يناسب سياسة الاستعمار في وجوده في الشرق الأوسط إلا الطعن بالعراق وتاريخه والتشكيك بوجوده، محاولين بين حين وآخر الزج بالتشكيك عن هذا الأصل الثابت في التاريخ، ومن ثم إنكار الحق العراقي على كامل ترابه.
ومثلما كان تفكيك بلاد الشام وبلاد الرافدين في 1916 حجة لوضع هذه الاتفاقية، قد يكون إصرار بقاء النظام الطائفي الحاكم في بغـداد، الذي تسيره إيران، مقدمات لتقسيم بلاد الرافدين مجددا على خلفية الصراع المذهبي الداخلي. وهنا تكمن خطورة هذه المغالطة السياسية المتمثلة في فشل بلاد الرافدين في بناء الأمة ومن ثم فشل العراق «المصطنع» والمحاولة بالتشكيك في وجوده، وعزله عن التأثير السياسي، وحصره داخل حدود الطائفة والمذهب. مع العلم ان قوانين الدولة العراقية منذ ولادتها في 1921 تتطابق مع قوانين الدول الآمنة، التي تضمن للإنسان العراقي حقوقه وأمنه كمواطن ضمن مرجعية الوطن، فالدولة العراقية قامت على مبدأ الإيمان بالوطنية التي تجمع العربي مع الكردي والمسلم مع المسيحي، خلافا لمبدأ القومية الذي يعتبر التجمع القومي او الديني هو الأساس لنظام الحكم وشرعيته.
فثمة ازدواجية في تفسير الغرب لمعنى «الدولة القومية» مقارنة بمعنى «الدولة الوطنية». وهنا لابد من قراءة موضوعية لموقف الغرب من العراق وتاريخ تأسيس الدولة، وازدواجيته في تفسير شكل النظام السياسي للقضية الكردية القائم على مبدأ القومية كمثال، وبين مبدأ «الدولة الوطنية» في العراق منذ فترة تأسيها، القائم على مبدأ الوطن الجامع لكل الأعراق، والمشابه نظريا لترتيب عمل المجتمعات الغربية المتحضرة، حيث أظهرت الأحداث الأخيرة عن استعداد قبول الغرب في إقامة دولة كردية مستقلة تؤمن بمبدأ «القومية السياسية» وليس على أساس «الوطنية السياسية» التي تتبعها الأنظمة الغربية السياسية الآمنة نفسها. في الوقت الذي أثبتت تجارب المجتمعات عن نجاح دور الدولة الوطنية في توحيد المكونات وتكوين الأمة، حيث أثبت مبدأ الوطنية الذي قامت عليه الدولة الحديثة في اوروبا وأمريكا، حق الأمة في كيان يتحقق فيه التطابق بين السياسي والاجتماعي، بين الدولة والأمة.
وهنا لا بد من التأكيد على ان العراق هو نموذج لدولة الأمة الحديثة، إذا اخذنا بعين الاعتبار المساحة الجغرافية التي تمثلها بلاد الرافدين، والتي هي الحاضنة التاريخية للأمة العراقية، وإمكانية عودة الدولة الوطنية وتكاملها في المراحل المقبلة، حيث لم يتكامل مفهوم دولة الأمة في المجتمعات المتطورة في مرحلة واحدة وإنما تطور تاريخيا واستكمل وجوده عبر المراحل المجتمعية المتتابعة، التي استطاعت بمرور الزمن خلق حالة من المساواة الشاملة.
وبانتظار ما ستؤول إليه الأمور بعد نهاية معركة الموصل، وهوية القوى الفاعلة القادرة على إقناع العراقيين لاختيار شكل وطبيعة دولتهم. فأما عراق القوميات والمذاهب والأقاليم، وأما عراق الأمة العراقية الحاضرة منذ القدم.
كاتب عراقي

العراق وتشكيك الغرب في وجوده

أمير المفرجي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية