■ يبدو العراق بصورة متسارعة كساحة حرب مفتوحة امام ميليشيات طائفية وقوى اقليمية ودولية، مع بدء سرب طائرات ايرانية العمل من قاعدة الرشيد الجوية، فيما تقوم الولايات االمتحدة بمسح جوي عبر طائرات الاستطلاع، وعلى الارض بدأ مئات من مستشاريها العسكريين العمل، فيما تؤكد تقارير دخول اعداد كبيرة من القوات الخاصة الايرانية الى محافظة ديالى، بينما تشكلت في الجنوب «جيوش شيعية» من آلاف المتطوعين استعدادا لمواجهة قوات داعش ومن معها من تنظيمات سنية.
وعلى الرغم من انه لم يمر سوى اسبوعين على اندلاع الازمة، فان الامم المتحدة تتحدث بالفعل عن وقوع اكثر من الف قتيل، وان كانت المصادر المحلية تتحدث عن اكثر من الفي قتيل، بسبب الاعدامات الجماعية في الشمال، فيما تلوح في الافق ازمة غذائية حادة حسب تقرير لمنظمة الاغذية والزراعة الدولية (الفاو) امس، بسبب انقطاع الطرق، وشح المواد البترولية، والهروب الكبير للمزارعين قبل بدء موسم حصاد القمح والشعير، وهو ما ادى الى ارتفاع «فاحش» في الاسعار، حسب وصف احد التقارير، بينما يقدر عدد النازحين باكثر من مليون شخص يواجهون خطر الجوع في بلاد الرافدين، وتمتد طوابير السيارات لعدة كيلومترات امام محطات الوقود، في البلد الذي يعوم فوق اكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم.
ماذا ينتظر المالكي للرحيل؟ هو السؤال البديهي الذي تطرحه هذه الصورة المأساوية. ماذا ينتظر بعد ان اعلنت تقارير صحافية ودراسات دولية «نهاية العراق» على يديه، كما قال غلاف مجلة «التايم» هذا الاسبوع؟
ماذا ينتظر بعد ان فقدت حكومته الطائفية السيطرة على اكثر من نصف مساحة العراق، واصبح اعلان استقلال ما يسمى بـ»دولة كردستان» في شمال العراق مجرد تحصيل حاصل، بعد ان كشفوا عن وجههم الحقيقي باستغلال الظروف والاستيلاء على كركوك ومناطق اخرى في شمال العراق؟
ماذا ينتظر بعد ان رأى العالم اللواء محمد القريشي الذي ارسله على رأس قوات لاستعادة الموصل عبر تلعفر وهو يستسلم لميلشيا البيشمركة الكردية التي لم تتورع عن تصوير جنوده بملابسهم الداخلية، بعد ان أمروهم بالتخلي عن الزي العسكري؟
اي حقد عرقي دفين وأي عار وأي اهانة لكل ما هو عراقي او عربي؟
ماذا ينتظر وهو يرى مئات العائلات العراقية المسيحية وهي تفر بدينها امام جحافل المتشـــددين الذين هاجموا كنائسهم ورفعوا عليها راياتهم السوداء، ما اصبح يهدد بقاء هذا المكون التاريخي وما يمثله من قيمة حضارية وانسانية فريدة في العراق؟
ماذا ينتظر المالكي ليرحل بعد ان اعلنت قطاعات واسعة من الشعب العراقي تبرأها منه، بمن في ذلك الكثير من الشيعة؟ ولم يعد يحظى الا بدعم خارجي من حلفائه التقليديين في ايران وسوريا؟
اما حديث المالكي عن ان رحيله يعني «الانقلاب على الدستور والديمقراطية الفتية»، فمردود عليه بانه هو من انقلب على الدستور عندما اقصى مكونا رئيسيا وسعى الى اذلاله عبر قانون «اجتثاث البعث» وغيره من الاجراءات سيئة السمعة، متناسيا ان الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، وليست استغلال الاغلبية في الصناديق لتمرير سياسات فاشية باسم الدين او الطائفة.
ويعلم من درسوا علم التحول الديمقراطي ان احد الشروط الرئيسية لنجاحه في اي بلد هو توافر «التوافق المجتمعي» و»حيادية الاجهزة البيروقراطية»وان الانتخابات ليست سوى جزء بسيط من مسار سياسي وثقافي قائم على الوعي والقبول بالاخر. اما ما حدث فـــي العراق وبلاد عربية اخرى فهو استغلال للديمقراطية لممارسة «ديكــــتاتورية الاغلبية»، وهذه تؤدي بالضرورة الى استنفار الاغلبية الحقيقية غير المسيسة و»تثويرها» ضد «شمولية او فاشية» الحكم، حتى ان كان متلفعا براية الديمقراطية او الدين او الوطنية.
وعلى اي حال فان المالكي لن يرحل الا اذا اجبر على ذلك، وهو يعتبر ان القوى الاكثر تأثيرا في الوضع العراقي وهي ايران تحديدا لن تتخلى عنه، لانها قد لا تجد بديلا يضمن لها ما حققته من امتيازات ومكاسب. الا ان تقدم داعش وتهديدها للاضرحة الشيعية بشكل خاص لا يمكن الا ان يستفز المشاعر الطائفية الملتهبة فعلا، ما يستنفر شعورا غريزيا بالتوحد في مواجهة الخطر، ما قد يستفيد منه المالكي، خاصة مع زياراته المتكررة للاضرحة الشيعية في ابتزاز واضح للوضع الطائفي سعيا لمكاسب سياسية.
الواقع، حسب كثير من العراقيين من السنة والشيعة على السواء، هو ان المالكي اصبح «صداما جديدا» من حيث انه اصبح يرهن بقاء العراق ومستقبله باحتفاظه بالسلطة. وهو مستعد ان يواصل عناده وصلفه حتى وهو يرى العراق يحترق امام عينيه. وهذا يضع مسؤولية كبيرة على العراقيين بشكل عام، وعلى طائفته التي اعلن نفسه اميرا لها بشكل خاص، للتحرك قبل ان تقع البلاد بأسرها في اتون حرب لا نهاية لها.
كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي