يمتد مايكروفون تلفزيون الحكومة الأردنية أمام سيدة مثلومة دفنت للتو ولدها الشهيد المغدور على يد الإرهاب الأعمى.
بأمانة لا نعرف مبررا يدفع أي كاميرا لبث مقابلة مع أم شيعت شهيد الوطن .
ولا نعرف حكمة تنطوي على بث تصريح للأم نفسها وهي تغرق في الدموع وتوجه تحية للملك.
تصورنا أن الملك في بلادنا لا يمكن أن يعجبه مثل هذا الاستغلال الإعلامي المقيت، خلافا لأنه لا يحتاجه.
كنا وما زلنا مع أن يترك القاعدون من الإعلاميين أمثالي أم أي شهيد تتفرغ لدموعها ورثاء فلذة كبدها .
لا يمكننا الإقرار بأخلاقية ومهنية الإصرار على إقحام كاميرا في لحظة إنسانية صعبة ومصيرية من هذا النوع .
أرجوكم اتركوا أمهات الشهداء لوقت يناسبهن ولا يناسبكم، والدولة لا تحتاج لكلمة شاردة هنا أوهناك تتسلل في ثنايا موقف إنساني صعب، فشهيد الدرك النشمي دفع حياته لتأمين الأردنيين جميعا.
وعلى سيرة شهداء الأردن الأبرار يمكن تلمس حجم الارتباك الذي تسببت فيه كاميرات ينقصها الوعي على أجهزة المحمول للمواطنين وهي تلتقط ما هب ودب من صور وتبثها في الفضاء لعمليات المداهمة في الأحداث الأخيرة.
فجأة تحول الأردنيون جميعا إلى «شعب مصور» وبصورة أدرك فعلا أنها تربك الأجهزة الأمنية وتخدم نوايا العصابات الشريرة، التي تخطط للكيد للناس والمجتمع.
رئيس… في كل مكان
على القناة المتلفزة التابعة لرئاسة الوزراء ثمة كاميرا موجودة في الأوقات كلها خلال العمل الميداني، الذي يمارسه رئيس الحكومة الدكتور عمر الرزاز.
الرزاز، يزور قاعة الانتظار في مركز صحي ثم يلتقي أطباء هددوا بالتصعيد.
الرزاز، يعانق صديق المثقفين صاحب أقدم كشك لبيع الصحف والكتب ويلتقط صورة سيلفي مع مُقعد .
الرزاز، يسبح في مياه الهيدان لأغراض تشجيع السياحة، ثم يتحدث لسيدة عجوز داخل حافلة نقل عام عن هواتف محمولة وتطبيقات.
رئيس وزراء أردني للمرة الأولى في كل مكان: في المخبز وعند بركة البيبسي وفي «الأحوال المدنية» وفي المستشفيات وعلى الرصيف، وليس صعبا أن تراه قريبا في طابور استلام كوبونات .
يختلف الساسة في تناول هذه الظاهرة، منهم من يراها «شعبوية» تؤشر على عدم وجود عمل حقيقي وثقيل، ومنهم من يراها أنموذجا حيا للعمل الميداني، بدلا من المكتبي والترفي.
يصارحني صديق وهو يسأل بدون خبث: كيف يجد دولته وقتا للعمل العميق على الملفات وتوقيع القرارات والاجتماعات المغلقة؟
على كل حال لن نتسرع في الاستنتاج وعلى أهمية التواصل الاجتماعي مع القضايا مباشرة وبدون وزراء ووسطاء لا بد من منح الحكومة الجديدة فرصة.
وسننتظر العمل الحقيقي، بعيدا عن الكاميرات وعلى الملفات الأساسية ونزعم أن الشارع الشعبي، الذي حمل الرزاز وتجربته يجلس الآن مع العموم في رصيف الانتظار.
دولة… وقناة تلفزيونية
ما الذي أزعج حساد السعودية وخصوم الحريات العامة الفواحة فيها بعد المداخلات المتلفزة النارية للزملاء في قناة «العربية» حول نقد أوضاع نشطاء حقوق الإنسان في دولة مثل كندا؟!
نتحفظ ونستنكر تلك الحملة على محطة «قلب العروبة النابض»، لأنها بدأت تستفسر عن حقوق المرأة والطفل والأقليات في… كندا، حيث سجل «إجرامي للغاية» ضد حريات الفرد هناك، بدليل أن هندي سيخي أصبح وزيرا لهذه الدولة الفتية في مجال حريات التعبير، مقارنة بالأشقاء في المملكة العربية السعودية!
وهو وضع لا يمكن السكوت عليه بالنسبة للإعلام العربي – أقصد وزير هندي سيخي – لأنه يمكن أن يؤذي استقرار النظام الرسمي العربي بفتح أعين المواطنين من الدرجة الأولى الذين لا يستطيعون أصلا فتح أفواهمم إلا عند طبيب الأسنان.
إذا وافقنا نحن أمة العرب على ما تفعله كندا بنا وهي تختار هنديا في حكومتها مثلا، فكيف سنقنع شعوبنا من المحيط إلى الخليج بأن الله أنعم عليها بهؤلاء الحكام الذين يقطرون حنكة وخبرة ومعرفة ويحيلون أوطان العرب إلى مجرد مساحات فارغة لا معنى لها ولا تحتاج أصلا لنشطاء ولا لحقوق ولا لتعبير بسبب الإدارة وفقا لمنطق «البعير».
لماذا لا تنتقد «العربية» كندا بعدما نفضت الغبار للتو عن سجل ممارسات سجون النظام المصري وفضحت كل أنظمة الاستبداد والفساد في محيط وجوار مكة المكرمة؟!
لعله فيروس الكرامة المهنية يتسلل إلى شاشات الأمة.
كندا دولة يتسبب رئيس وزرائها في أطنان من «الخجل القومي» لأنه شاب فصيح ومثقف وميداني يحكم بخيار الصندوق ويرتدي جوارب قصيرة ويمتطي دراجة هوائية ويوزع على هذه الأمة المبتلاة أطنانا من «الشرعية» ولا يخشى الاسلام.
تلك طبعا ميزات لا أمل في تسربها إلى رموز الدول العربية، وفقهم الله وسدد مع الزملاء في محطتي «العربية» والمملكة الأردنية خطاهم.
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
7gaz
بسام البدارين