العرب أمة خارج التاريخ الإنساني المعاصر

حجم الخط
1

إذا أرادت الأمة العربية أن تتخطّى واقِعهَا المتخلّف ما عليها إلا أن تنهجَ أحد السّبيليْن اللذيْن نهجتهُما فرنسا في القرن السّابع عشر للميلاد، أوالصّين في مطلع القرن الماضي. تشترك الدولتان في رغبة كلٍّ منهما في الانطلاقة السليمة للرّقي بشعْبيْهما، وتختلفُ كلّ واحدة منهما عن الأخرى في طريقةِ ومنهج تلك الانطلاقة. بدأتْ فرنسا من نقطةٍ جوهرية تتلخّص في أنّ المعرفةَ هي جامع الكَلِم؛ أي أنَّ امتلاكَها يقودُ إلى القوَّة الاقتصادية والمعرفيةِ وما يَلحَق بهما من مُكوّناتٍ تقود إلى التقدّم والرّقي. ولتحقيق هذه الفلسفة، مالت فرنسا ميْلا عظيمًا إلى التراث الإغريقي: أدبًا، ونقْدا، وفلسفةً، ومْنطقا، وجعلته منطلقًا لنهضتها العلمية.
أمّا الصين فقد توجّهت إلى ذاتها؛ أي إلى تراثها القديم وقامتْ بغربَلتهِ والاكتفاء منهُ بما ينفعُ البلاد حاضرًا ومستقبلا، وأقصتْ كلَّ ما لا يُرْجى منه نفع.
هذان طريقان أو منهجان، ولكلِّ طريقٍ أو منهج فلسفةٌ تقِف وراء ستاره، ورغبةٌ صادقة في نقله إلى أرض الواقع بهدف تطبيقه والوقوف على جَنَى ثمَره. وها هي فرنسا والصِّين اليوم من الدول التي حَصَّنت نفسها في مجال المعرفة والاقتصاد وأصبحتا في مصَافّ الدول التي يُحسب لها حسابها في ميزان القوى العالمية. ففرنسا أصبحت عضوًا من أعضاء جسد المنتظم الدولي، وخليتها ضمن أنشط خلايا ذلك الجسد. أمّا الصّين؛ فإن منتجاتها الصناعية قد غزت العالم بأسره، ودخلت في كل صناعات الدنيا ولم يبق للصين سوى شيء واحد بعيد المنال وهو اقتحام سوق (الآخرة) بمنتجاتها. وقد يطول بيَ المقام لو أردت الحديث عن تجارب دولٍ ناشئة أصبحت اليوم ضمن الرواد مثل: ماليزيا، وسنغافورة، وكوريا، والبرازيل…
عندما نعود اليوم إلى واقع الأمّة العربية نجدها- أحبّت أو كرهتْ – جزءًا من التاريخ الأوروبي، غير أنها تمثّلُ الحلْقة الأضعفَ في هذا التاريخ لأنها عالةٌ على الغرب، ولا تستطيع أن تكون فاعلةً في المجتمع الدَّولي بالصورة التي توجد عليها الآن.
إذا أخذنا دول الخليج العربي – على سبيل المثال – سنجد أن الإنسانَ هناك من قنّه رأسِه إلى أخمصِ قدميْه بدءا بأطرافه العليا ووصولا إلى أطرافه السفلى، كلّه من إنتاج غربيٍّ. فالكُمّةُ (غطاء الرأس)، والدشداشةُ (لباس الرجل)، والعباءة (لباس المرأة)، والجزْمة (الحذاء)… كلّها من إنتاج غربيٍّ في مادَّتها الخام (أثواب)، أو المُصنعّة (الأحذية..)، فماذا ينتج الإنسان العربي؟
وإذا دخلت إلى أقسام الدراسة ستجدُ الطاولات والسّبورة، والأقلام، والأوراق، والممْسحة، والأجهزة العاكِسة، وكل ما يَمتّ إلى حقل التربية والتعليم من إنتاج غربي…
ويمكنك أن تقيس على ذلك كلَّ مظاهر الحياة من وسائل النقل، والمنشآت، والتجهيزات ..
وإذا عُدنا إلى ما تبقى لنا من لغةِ التخاطب والعقيدة الإسلامية في كل أقطار الدول العربية سنجد أنّ لغتنا العربية أصبحت- بلغة علماء العَروض- مُهلهلةً، ومنهوكَة، ومَشطورة… أمّا برامج التعليم فقد ضاعت بين مناهج كلاسيكية تقليدية لا تزال تتأرجح بين همزة القطع وهمزة الوصل، وأخرى حديثة لا يفقهها كثير من المحدثين. ومن المفارقات العجيبة أننا نجد من يُجيدُ النّطق باللغة العربية ممن ليسوا عَربًا، ولا نجد ذلك عند الكثير من أهلها، أو المحسوبينَ عليها.
أمّا الجامعُ لهذه الأمة، أعني به الدّين الإسلامي، فلم يَعدْ موحِّدًا فيما نراه اليوم، وإنّما أصبح مُفرقًا ومشتّتًا. لقد كثرت (الأديانُ الإسلامية)، وتعدّدَت بتعدّد القنوات العربية التي تتكاثر تكاثُر الأرانب في مرحلة الخصوبةِ، وأصبح الشّكل والمظهر الخارجيُّ هو المتحكِّم في نسبة تديّن الشخص، ولذلك حرص كثير من العرب على الاهتمام بتطويل اللِّحيةِ، والحرص على وضع سُبحة نفيسة تُداعبها أنامل اليد، و إذا أراد أن يتظاهر بالكمال؛ فإنه يُضيف إلى ذلك عودَ السِّواك « وإذا رأيتهم تعجبك…. مسنّدة» وصدق الشاعر المتنبي حين قال: أغايةَ الدِّينِ أن تُحفوا شواربَكم يا أمَّةً تضاحكتْ ما جهلها الأممُ لابد من العودة خطوة إلى الوراء بهدف القفز خطوتين إلى الأمام، والعودةُ ينبغي أن تكون مدروسة بعنايةٍ حتى تتحقّق خُطى المستقبل، فمواصفات الانطلاقة ينبغي أن تكون سليمة، وإلا عُدْنا إلى الزمن الغابر من حيث نعتقد أننا نتقدم.

أكاديمي/ جامعة محمد الخامس، المغرب

العرب أمة خارج التاريخ الإنساني المعاصر

أ.د. عبد المجيد بنجلالي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية