في نقاشٍ حامي الوطيس بيني وبين صديقٍ مناضلٍ فلسطيني عزيزٍ عليّ جداً، بصدد مقالٍ لي عن الصراع في اليمن، لامني على ما رآه تجنياً مني، إذ ساويت بين النظامين السعودي والإيراني في الرجعية بامتياز…
ولما كانت الثقة متبادلة بيننا في الدوافع والمشارب كوننا «قرأنا على شيخٍ واحد» بحسب المقولة الشهيرة، فالحمد لله لم يتدن الحوار الودي في أغلبه إلى معركةٍ نتراشق فيها تهم الخيانة والرجعية والعمالة، وفق عادة العرب المتأصلة والأثيرة لديهم. كنت أرى (وما زلت) في التمدد الإيراني انتقاصاً من نفــــوذ الدول العربية وتوسعاً على حسابها، والدليل الأنصع على ذلك العراق، لكنه رأى في ذلك تجنيا آخر، لأن إيران وهي البلد ذوالرؤية، غير مسؤولة عن فشل العرب وانعدام الرؤية لديهم وتهافتهم وانهيار أحلامهم وركضهم في ذيل أمريكا، وختم بأن علق على حالنا في تأسٍ لا يخلو من السخرية: «نحن العرب على باب الله».
علقت الكلمة في ذهني.. وباتت تحضرني كثيراً كلما راقبت صندوق العجائب، أو السيرك الذي هو حالنا.. وعنوانه الأبرز هو الأزمة السورية.. ما هو التعليق المتوقع أو الممكن حين نجد أنصار التدخل الروسي يعايرون أنصار التدخل الأمريكي- الغربي- التركي، بأن روسيا أثبتت فاعليتها الأكبر، أي مقدرتها الأكبر على التدمير والقتل؟ إن روسيا ستنجح في ما فشلت فيه دول المعسكر الثاني المذكورة، وستقضي على كل معارضي بقاء الأسد، ثواراً أو إرهابيين، مثبتةً الأسد على كرسيه المتهالك فوق كومة الركام والأطلال التي صارتها سوريا؟ بالطبع أكثرية الضحايا مدنيون عزل، ولكن هؤلاء لا يعنون شيئاً لدى النظام أو روسيا أو أمريكا أو مشجعي الفريقين، هؤلاء مجرد مادة للمزايدة، فإذا اعترض أحدٌ على كم التدمير والقتلى اللذين يتسبب فيهما القصف الروسي، يرد الطرف الآخر، بدون شبهة أسى، «وما بال الذين يفنيهم القصف الغربي والأمريكي المفترض»…هكذا إذن، صار الناس مجرد أرقام، بينما صارت البلاد مجرد رقع ممتدة تسيطر عليها سلالات حاكمة لا غرض لها على الإطلاق سوى الاستمرار والسيطرة واحتكار رأس المال ورفد المحاسيب منه… وكل النظريات والأيديولوجيات والمبادئ المزعومة والسرديات لا قيمة لها في الحقيقة سوى توفير غطاءٍ ومسوغٍ للقمع والاستمرار، في ممارسة أضحت نوعاً من العهر الفكري الأكثر ابتذالاً.
لا تفتش عن معنى فقط وإنما إبحث عن الرمزية والدلالة.. من ذلك مثلاً: هل من قبيل الصدفة أن سوريا، مهد الفكرة العروبية التي قدمت بعض أهم وألمع منظريها (بغض النظر عما قد يكون من آرائنا فيهم) من أمثال ساطع الحصري وزكي الأرسوزي وميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، هي الآن ساحة صراعٍ انحط به نظامٌ يزعم التحدر من فكرة العروبة الجامعة، وطالما زايد بها من دعوة إلى الحرية إلى صراعٍ طائفي يستدعي فيه النظام نفسه أطرافاً دولية بعدما أُنهك هو وحلفاؤه الإقليميون؟ أراه سؤالاً وجيهاً.
نعم يا رفيقي، العرب، شعوباً، على باب الله… بلا رؤية ولا مشروع، بلا كرامة ولا قيمة لديهم لأي شيء، ذابت المعاني وامحت الخطوط الحمراء والتبس عليهم الأمر بين الثابت والعابر الدخيل. ولعلنا يجب أن نمتلك الشجاعة لنعلن أن العروبة بتطبيقاتها وتجلياتها في صورة هياكل ودول قد أثبتت فشلها، وما سوريا سوى عنوان هذا الفشل.. فالخلاصة أن تلك الرؤية التي اكتسبت زخمها في مطلع القرن الماضي وكانت تهدف إلى تخطى التشرذم الطائفي، وما رأته تفتتاً في صورة أقطارٍ مختلفة، ومن ثم بناء وطنٍ قومي وهوية قومية عربية، تلك الرؤية منيت بضرباتٍ قاصمة…فقد اتسمت كل محاولات تطبيقها بالعجلة والقسر لتتكشف عن فوارق حقيقية بين الأقطار، وكانت المفارقة أن انتهى الحال بكثيرٍ من الأحزاب «القومية» «الوحدوية» التي وصلت للسلطة كحزب البعث في طبعته السورية أن صارت مطى للأقليات الدينية والطائفية لتخطي وضعها الأقلي… وانتهت التجارب والأحلام إلى كوابيس، فتم تعميق الطائفية والمناطقية والعشائرية، ولم يبق من مشروع الدولة الحديثة سوى هياكل سلطوية بشعة وقمعية تحافظ على وجودها بمنظومةٍ أمنيةٍ متضخمةٍ، باتت عتيدةً في الإجرام والدموية، وجهازٍ بيروقراطي متضخم بقدر ما هو مترهل بدوره… كل ذلك بالطبع على حساب المجتمع المدني والتعليم والصحة الخ.. وعلى رأس كل سلطة إما مومياء (بوتفليقة أنصع مثال) أو من يرثه سواءً بالدم أو التراتبية العسكرية، حيث تلفظ لنا هذه المؤسسة بصفة دورية إحدى فضلاتها بعقليةٍ منغلقةٍ قمعيةٍ متحجرة…ابتذلت الأحلام وطموحات التحرر وعلى رأسها تحرير الأراضي المحتلة في فلسطين والجولان وصارت الشقشقة العروبية عن الوحدة والعمل المشترك مجرد «طق حنك» على المقاهي ووسائل للمزايدة من أنظمة «الممانعة»… ولعل الجريمة الأفــــدح التي نعيش جرائرها الآن هوالتجريف أو التصحير الســــياسي والفكري، بما أدى إليه من إضعافٍ وإرهاقٍ للبدائل أو على الأقل دفع القطاعات الشعبـــية للعزوف عن احتضانها في وجه القمع الوحشي.
لقد وصلنا آخر المطاف، وفاض الكيل فتحرك الناس سلمياً في البداية في كل مكان، فلجأت الأنظمة إلى سلاحها الشهير: اتهام المعارضين بالتآمر… المؤامرة حليف الأنظمة العربية الأكبر… هم إما يسحقون الاستعمار أو يقعون ضحايا مؤامراته… أما الفشل كونهم خائبين وما قد يستتبعه من نقد الذات فاحتمالٌ غير وارد البتة.
لتتدخل روسيا هي أيضاً، فلم لا؟ تدخلت قبلها إيران وتركيا وأمريكا وسائر البلدان الغربية.. نحن بصدد صراعٍ جديد بين دولٍ رأسمالية ليست روسيا بأي حالٍ أقلها دمويةً أو شراسة.. العنوان هو الحرب على الإرهاب، ومن ناحية فعلية هو التقاسم والتحاصص وإثبات الحضور والقدرات العسكرية، ومن ثم مبيعات الأسلحة المختلفة للدول المعنية المشاركة. والمفارقة المضحكة- المبكية أن الذين نددوا بسايكس- بيكو وتقسيمها للدول العربية ويتحدثون عن سايكس- بيكو جديد هم أنفسهم يدافعون مستميتين عن الحدود نفسها التي رسمها سالفا الذكر سيئا السمعة!
نعم يا رفيقي، العرب على باب الله، وكل ما تبقى حديثٌ خجول فارغ عن التضامن وآخر فعلي أهم في صورة التنسيق الأمني لتثبيــــت الأنظمة الـــتي تسبــبت في هــــذه الكوارث، ونماذج الفشل والقمـــع التي يعييك البحث عن مثيلٍ لها في التاريخ… نوعٌ من «داوها بالتي كانت هي الداء».
أرى أنه بعد ما يقارب القرن على انطلاق المحاولات الفعلية في سوريا لتطبيق فكرة القومية العربية فلا بد من الاعتراف بالفشل، الاعتراف ومن ثم العودة إلى البداية، وربما يكون من الجائز الحديث عن مرحلة «ما بعد العروبة»… مع إدراكي التام لما قد تحيل إليه هذه الكلمة من معانٍ ومضامين سلبية تنبع من اقترانها في أذهان الكثيرين بـ»ما بعد الحداثة» و»نهاية التاريخ» التي أرفضها على المستوى الشخصي. ما أهدف وأدعو إليه هو إعادة بناء مشروعٍ آخر للنهوض بهذه البلدان وناسها الذين أرهقتهم الأنظمة القمعية ومازالت سترهقهم النزاعات والحروب الأهلية… مشروع يقوم على وعيٍ حقيقي وعلمي، غير مزيف، يحترم خصوصية البلدان والناس بتجمعاتهم ويتخطى صراعات الهوية واختراع القوميات ولا يعمد إلى التوحيد القسري… مشروع يقوم على الناس وبالناس وتنظيماتهم الإرادية، لا يعتمد على النخب وانقلابات الضباط ويطيح بصنمية الدولة… مشروع منفــتح على الإنسانية يفهم معنى الاستغلال والطبقية، مشروع يعيد إلى الكلمات المعاني وإلى المعاني الروح… الكرامة والاحترام وقيمة الإنسان الذي لا قيمة لوطنٍ أو بلدٍ أو سمِ ما شئت بدونه. لقد هدمت هذه الأنظمة كل شيء وعلى رأسها الإنسان.
أخشى ما أخشاه أننا بدون الوعي الحقيقي بواقعنا ومشروعٍ جديد سنبقى، نحن العرب، بلا رؤية ولا قيمة… بلا معنى لأي شيء لدينا، ننجر من حربٍ إلى أخرى مخلفين وراءنا حطاماً وراء حطام وبحراً من الدماء وفيضاً من المرارات والكره… سنبقى على باب الله.
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل