الثيمة هي القتل، ومن أوائل حكايات القتل في الذاكرة البشرية هي حكاية القتل الجماعي في مملكة هيرودس، الذي روعته نبوءة أن مولودا صبيا ولد في مملكته سيكبر وينازعه على الملك. أمر الملك هيرودس بقتل جميع مواليد المملكة من الصبيان، وبدأت المذبحة بكل ما يتبعها من الدنس والندم والعار، فالقتل فعلة شنيعة وبالأخص قتل الأبرياء العزل. القتل هو أحد الشرايين الرئيسة في ثيمة الموت. القتل طاقة كبيرة لأنه فعل تراجيدي يحمل في طبيعته تغييرا لا عودة منه، ويتجسد هذا التغيير الدامي في التحدي الأكبر للطبيعة البشرية، فهو اجتياز ما هو إنساني إلى منطقة موحشة. مسكونا بالعار والندم يعود القاتل عادة لتلك الفعلة الشنيعة، فتكون لتلك العودات/المحاكمات تجسدات مختلفة، لكنها دائما عنيفة وقاسية، وغالبا ما تودي بالقاتل لارتكاب مزيدٍ من العنف والقتل، وإن كان بعض ذلك موجها للذات (الانتحار فرديا أو جماعيا).
في عرض «نقي»، لن يكتفي مخرج ومصمم العرض باستعادة الأسطورة أو العمل على تنويعاتها، وإنما الخوض في بحر الدم الحي، في المذابح التي نعاصرها ونكون في أحيان كثيرة شهودا سلبيين عليها. كلنا أبناء هذا الإرث من التمادي المريع في قتل البشر والتشنيع بهم في عصرنا، الذي وسمته ووشمته المذابح البشرية، وأفكر هنا بـ«داعش» في العراق وسوريا تحديدا وهي ما زالت مستمرة.
البداية
يبدأ العرض من حكاية قتل ميثولوجية عن ملك قاتل ــ وهم كُثر ــ لينتقل إلى جنون القتل في عصرنا الذي نعيش، حيث يفتتح الأب الأكبر/الراوي الحكاية بقرار العودة لمحاولة إعادة سرد ما حدث، فيأمر برفع البوابة، حيث تبدأ ساعة ونصف الساعة من محاولة الاغتسال من أدران فعلة القتل تلك، فلا بد من محاكمات، ولا بد للقتلى والقتلة أن يحاولوا فهم هذا الفعل الشنيع، فكأن الضحايا من الأبناء يعودون مضرجين بدمائهم وعذاباتهم. وبمجرد إبرام العقد مع الجمهور حول إطار وطبيعة الحكاية، تتحول هذه المساحة السحرية ــ خشبة المسرح ــ إلى نسيج هائل من الطاقات التي تمتلك القدرة على التوالد المستمر والمتداخل من الحكايات عن بشر وأقدار ومصائر، تحاول إعادة بعض التوازن لعالم ولعصر دب السم في أوردته فصار القتل هوية له. تتحقق في هذا العرض حرية لا محدودة «لولادات مستمرة» للشخصيات، التي قد تتبادل الأدوار أحيانا فيصبح من كان أبا ابنا، ومن كانت أما ابنة ويتحول السجان أو الجلاد في هذا الصخب، وهذا العنف الدامي إلى ضحية. وقد يكون هذا دلالة على الشكل الدائري المغلق لفعل القتل عند البشر، فهو مستمر ومتكرر، وإن تنكر بأثواب مختلفة، منها السلطة أو الجشع أو العار أو الثأر أو الدين والأخير قد يكون الثوب الأشد دموية، والأكثر عنفا وبشاعة في عصرنا هذا.
الأداء الراقص ودلالته
«بيور» عرض راقص، وإن اعتمد الحوارات القصيرة في بعض المشاهد، والرقص هو الدراماتورجيا، التي يتأسس عليها العرض، الذي تجسد بمجموعة من الراقصات والراقصين من جنسيات مختلفة ولغات متنوعة، قصد المخرج/المصمم أن نسمعها على ألسنة المجموعة، كي يحيل إلى «شمولية» هذا الفعل المدمر الذي هو القتل الجماعي في عصرنا الراهن. في مشاهد غالبيتها ثنائية تتم محاكمات الأبناء (الضحايا) لآبائهم (القتلة)، وبلغات مختلفة تسود أغلبها إنكليزية مبسطة. يتخلى الآباء أو يتملصون عادة من واجباتهم تجاه أبنائهم، لأن شرا كبيرا ساد في البلاد، فلا حول ولا قوة للبشر في مواجهته، وهنا تتجسد هشاشة الإنسان الذي قد يتحول تحت وطأة هذا الشر إلى وحش. هنا ولإسناد صور هذا الشر المتفشي كوباء، يلجأ المخرج لعرض أفلام فيديو على خلفية الفعل المتدفق على الخشبة. هنا أيضا اعتمدت الأفلام جنسيات مختلفة، حيث تظهر مجموعة كبيرة من الأطفال المعتقلين، الذين يؤخذون غصبا وبعنف من أحضان أمهاتهم. هناك تركيز مبرر على أن فعل الأسر والقتل إنما يقوم به عادة الرجال تجاه الأطفال والنساء.
البناء الدرامي
لا يلتزم العرض بنيانا تقليديا فلا وسط ولا نهاية، بل يتجاوز ما قد نسميه في الدراما تصاعدا. يرسم العرض (حتى في السينوغرافيا) دوائر لا تنتهي، في دلالة واضحة على دوائر القتل والعنف التي تستمر، حتى أنها لا تتصاعد كي تُنبئ عن نهايات قريبة. في الجزء الأخير من العرض يحتل بعض الراقصين عراة الأجساد، مقاعد بين الجمهور وفي صفوف مختلفة ويهمسون لبعضهم بعضا بلغاتهم المختلفة، وكأنهم يستنجدون ببعضهم بعضا أو بنا نحن الشهود على هذه المذبحة، وهو مشهد موجع لأنه يذكر فعلا بكل مشاهد قتل الأطفال والأمهات، التي يبدو أنها أصبحت جزءا يوميا وعاديا في حياتنا اليومية التي تعج بالعنف. ينتهي العرض بمشهد لجلد عام متكرر يتناوب عليه المشاركون في هذا الجحيم الذي يبدو أنه يتقصد التكرار بوتيرة محسوبة إيقاعيا ومدعمة بموسيقى معاصرة، فتستمر إلى أن يسقط الجميع ويعلن الأب الأكبر/الراوي/الرائي، عن إغلاق بوابة هذا العالم الدامي، فينهي هذه المذبحة/المحاكمة الدامية ولو مؤقتا.
ذاكرة المغترب
إنها لتجربة خاصة وشخصية جدا، تتعلق بالولوج إلى فضاء جديد هو فضاء (الأوبرا الملكية) الارستقراطي والمعبأ بروائح ثياب كل الملوك الذين مروا وحطوا في مقصورات هذا (الصرح) الكبير، كما أن جدرانها وأروقتها تحمل أثر كل هؤلاء الحالمين من الفنانين الذين مثلوا وغنوا ورقصوا على خشبتها، التي هي جزء مهم من تاريخ وثقافة مدينة وبلد وشعب. هناك إذن غواية كبيرة في أن ألج هذا الفضاء الجميل والغريب تماما عني في آنٍ، كوني لا أدخل إلا بكامل «عدتي» الشخصية التي تتحرك لتخلق حوارا مع المكان، ومن ثم حوارا خاصا مع العرض في هذا المكان الذي لا تجمعني به ذاكرة مشتركة. هناك نسيج كثيف من الخبرات التي لا تنتمي لي والتي تحتاج إلى أن تفسح لها في نسيج هوياتك كمهاجر ومسرحي عربي، ومتلق يدخل إلى فضاء الفرجة بتوقعات معينة. هناك أمل ما خلال هذا الحوار المستمر مع المكان ومرجعياته، هو أن فرجة الليلة تحقق لك تجاوزا معينا للتاريخ الذي لست جزءا منه، فتكون في مساواة آنية مع الجمهور. وقد تسلم في أحيان معينة أن «عدتك» الشخصية قد تؤمن لك مشاهدة فريدة تماما تختلف فيها، كي لا أغالي فأقول تمتاز بها عن الآخرين، وفي هذا الحالة تقصد طبعا السويديين، الذين عاشوا بسلام احتفلوا بمرور مئتي عام عليه قبل بضع سنوات.
الوجود والفن
ألج انا إذن هذا الفضاء بكامل عدتي من نثار هائل ومتحرك من الخبرات والذكريات والمشاعر، فترفع بوابة عالم الموتى الثقيلة جدا لتبدأ حكاية العرض التي تشتبك مع جعبة كاملة من حكايات عن بلد ابتلى ولعقود طويلة بسيول هائلة من الدماء. بعد الدخول من بوابة جميلة، وإن كانت غريبة هي بوابة دار الأوبرا، يدخلني العرض في افتتاحيته من بوابة الموت لأمر بسلسلة من البوابات العسيرة في ذاكرتي البعيدة والقريبة. بوابات لم ولن تغلق، تنفتح كلها على مناطق حكمها وما زال، القتل اليومي. لا يمكن في أي حال من الأحوال أن تمحو صور وروائح كل تلك المدن المحروقة التي مررت بها، ولا يمكن أن تجلس محايدا بين مئات المتفرجين في صالة الأوبرا الشديدة الأناقة، بدون أن تتداخل صور من حيّك ومدينتك وكل المدن التي عشت فيها، والتي دمرت تماما على رؤوس ساكنيها كما حدث في بغداد والموصل، وما زال يحدث في أحياء الشام التي تحمل في جعبتك الكثير من حواريها وعطورها. قد يكون في طبيعة المسرح أن التلقي هو في حقيقته طاقة ونشاط ذهني متوقد يحفز خريطة كبيرة تتكون من خيوط دقيقة ذات محركات ذاتية، تتداخل مع الخيوط الممتدة من الخشبة/الفضاء العام للعرض، لتشكل نسيجا خاصا جدا وشخصيا جدا، هو نتاج اللقاء بالعرض. في حالتي حفزت محركات العرض خريطة عسيرة نسجت من شظايا ذاكرتي العراقية المحشوة بالألم والدم. القتل الجماعي وبالتحديد قتل الأطفال والعزل الذي جرى وما زال يجري، حاضر جدا في ذاكرتي، خاصة بعد المجازر التي ارتكبتها مجاميع التطرف والإرهاب في مدننا العريقة الجميلة. لم تكن هذه الفرجة موضوعا عامّا، وفرجة محايدة أبدا، بل كانت خوضا في نسيج متداخل ومتحرك من خرائط للدم ما زالت طازجة، تنتظر بدورها محاكمات من تلك التي تجسدت في العرض.
………..
العرض: (نقي)
دار الأوبرا الملكية في ستوكهولم
سينوغرافيا وكوريوغراف وإخراج: فيم فانديكيبوس
النص: ب. ف. ثوميسه وأولتيما فيز
الموســـيقى: دافيد أيــــوجين أدوارد وفاوســــتو روميتيللي
٭ كاتب عراقي
ضياء حجازي