أربيل ـ «القدس العربي» من مروان ياسين الدليمي: قبل كل شيء لابد من الإقرار بأن المسرح في العراق عموما وفي إقليم كردستان خاصة، بات يشهد خلال الأعوام الأخيرة ركودا واضحا في الإنتاج، كما لو أن هذا الفن لم يعد يمتلك ذاك البريق الذي كان عليه خلال العقود الثلاثة الأخيرة، أو أنه فقد مشروعية وجوده امام متغيرات كبيرة فرضها الواقع الرقمي والتطور الهائل في عالم الاتصالات، إلا أن الحديث بموضوعية عن أسباب هذا التراجع في الإنتاج المسرحي لابد أن يقودنا إلى أسباب أخرى جوهرية تقف في مقدمتها شحة الدعم المادي من قبل المؤسسات الرسمية، خاصة أن الكلفة الإنتاجية لأي عرض مسرحي ليس في استطاعة الفرق المسرحية الخاصة أن تتحملها، كما أن الفرق الحكومية التابعة لوزارة الثقافة تأثرت هي الأخرى من الوضع الهامشي الذي أصبحت عليه ميزانية وزارة الثقافة بعد عام 2003، خاصة في بغداد بالشكل الذي لم تعد هناك مهرجانات مسرحية ولا عروض يتم تقديمها إلا في فترات متباعدة خلال العام الواحد.
وبخصوص إقليم كردستان وإنْ كان حاله خلال العقد الأخير أفضل من بغداد، إلا أن الأعوام الخمسة الأخيرة لم تكن في وضع يبعث على الاطمئنان، أزاء الإنتاج المسرحي، فانعكست عليه أيضا الأوضاع الاقتصادية نتيجة سوء العلاقة بين أربيل وبغداد، حيث انحسر بشكل كبير وغاب العديد من الفعاليات والأنشطة التي كانت تستقطب عروضا مسرحية من دول عربية وأجنبية، إلا أن هذا الحال لم يمنع عددا محـــدود جدا من المسرحيــين من أن يحتفظوا بأحلامهم ويواصلوا العمل من أجل أن تبقى لغة الفن المسرحي تبتكــــر بلاغتها على الخشـــبة، مع إدراكهم صعوبة العمل في بيئة لم تعــــد مهــيأة لأن تفـــتح أبوابهـــا للإنتاج المسرحي، بناء على الأسباب التي أشرنا اليها، فواصلوا البحـــث عن سبل تمنحهم فرصة أن يتمكنوا من إدامة صلتهم مع الفن المسرحي ومع الجمهور، حتى لو كان ذلك في إبسط صور الدعم المادي، فالمهم بالنسبة لهم أن لا يغيب الفن المسرحي عن مشهد الحياة الفنية.
المخرج المسرحي رفيق حنا واحد من هؤلاء الفنانين الذين يرتبطون مع الفن المسرحي بحالة من العشق منذ ثلاثة عقود، ولم يرتكن طيلة هذه المدة إلى اليأس نتيجة انحسار الدعم المادي الرسمي. لذا تجده بين فترة وأخرى يحرص على أن يقدم للجمهور عرضا مسرحيا وإن بإمكانات مادية بسيطة، يحمل في خطابه الفني نزعته إلى التحدي الدائم لكل ما يجابهه من صعوبات. آخر ما قدمه في أربيل على قاعة جمعية الثقافة الكلدانية في عنكاوا في النصف الثاني من شهر يونيو/حزيران من هذا العام، عرض مسرحي باللغة السريانية حمل عنوان «سانتا بربارة والإرهاب» من خلال فرقة منتدى عنكاوا للفنون. اعتمد في تمويله على تبرعات حصل عليها من جهات غير حكومية معظمهم أفراد لا يربطهم بالفن المسرحي سوى احترامهم للعاملين في هذا الفن، وهذا ما أشار اليه في كلمته الموجزة قبل أن يبدأ العرض.
بنية النص
* النص المسرحي الذي تولى إعداده رفيق حنا اعتمد على مادة تاريخية محـــورها شخصية «سانتا بربارة « التي اكتسبت صفــــــة القديسة في الميثولوجيا المسيحية، وتشير الروايات بهذا الخصوص إلى أنها عاشت في أوائل القــرن الثالث للميلاد في مدينة «نيقوميــــدية» التي تقع في جمهورية تركيا الحالــــية، وهي الابنة الوحــــيدة لوالدها «ديوسقوروس» الذي كان يدين بالوثنــــية، إلا أن ابنته تحولت إلى المسيحـــية بدون علم والدهـــا، وبعــــدما عرف بهذا التحـــول ما كان منه إلاّ أن يتخذ قرارا بأن يطلب من الحاكم أن يأذن له بقطع رأسها بيده، فسمح له بذلك، لتتحول في ما بعد هذه الشخصية إلى قديسة في المرويات المسيحية ويتداخل الواقعي مع الأسطوري في تجليات الحديث عنها.
لم يكتف المعد والمخرج رفيــــق حنا بالمتن الحــــكائي المتداول، بل عمـــــل على بناء مـــتن مواز للحكـــاية الأصلية، بهدف إسقاط الحدث الـــتاريخي على الواقــــع المعاصر، سعيا منه لأن يكـــون العرض تجربة فنـــية يتم من خلالها الخروج من الأسطوري إلى ما هو واقعي، ليصبح المسار الذي واجهته بربارة متقــابلا مع الواقع الذي فرضته قوى الإرهاب في وقتنا الحاضر على الإنسان.
المشغل التخييلي الذي انطلق منه رفيق حنا في عملية الإعداد أخرجه من ذاكرة التاريخ وشطحات المخيلة الشعبية إلى بنية فنية تتصدى بالجدل لفكرة الإرهاب والتطرف الفكري وهذا ما استدعى منه أن يبتكر عددا من الشخصيات بهدف تطوير البنية الحكائية لأجل مسرَحَتِها، وعرض رؤيته الفنية التي كان يسعى فيها لتعرية منظومة الإرهاب الفكري التي تحاصر حرية الفرد في خياراته.
تقنيات العرض المسرحي
من الناحية الفنية لم يكن الشكل المسرحي الذي تم توظيفه في تقديم هذا العرض يخرج عن إطار السرد المسرحي الكلاسيكي، حيث توفرت في المنظومة البصرية والسمعية مفردات فنية ذات طرازية تاريخية، سواء على مستوى قطع الديكور أو الأزياء أو حتى الأداء التمثيلي، ولعل ذلك يعود إلى أن المخرج أراد أن يبقي على ذاك الخيط الرفيع الذي يجمع بين شخصية «بربارة» وحضورها الكثيف في المخيلة المسيحية الشعبية، إلا أن اعتماده على تقنية التسجيل الصوتي (بلي باك) في إيصال الحوار من قبل الممثلين، ربما أضعف إلى حدِّ ما مِن أهمية عنصر الزمن في تجربة العرض المسرحي، خاصة أن الإحساس بالزمن لدى المتلقي يحصل من خلال كثافة العلاقة التي تتحقق بشكل مباشر مع الأداء الحي للممثل. ولأن المخرج رفيق نوري لا يسعى إلى أن يكون أسير الطراز الكلاسيكي في العرض، حتى لو كانت الثيمة التي اعتمد عليها تتكئ على متن حكائي تاريخي، فقد ارتأى أن يوظف الفن السينمائي في هذه التجربة قاصدا بذلك أن يلغي المسافة الأسلوبية بين الفضاء السينمائي والمسرحي، محققا بذلك مواجهة بين وسائل تعبير مختلفة، وهذا يعني أن المخرج لم يكتف بالمفردات التقليدية في العرض المسرحي (الحوار والديكور والأزياء والإيماءات) بل اعتمد على مواجهة حواس المتلقي بمفردات فنية من خارج إطار التجنيس المسرحي.
الدين والمسرح
العلاقة بين الدين والمسرح علاقة تاريخية تعود إلى البدايات الأولى لنشوء الظاهرة المسرحية لدى الأغريق قبل الميلاد بعشرات الســـنين، إلاّ أن هذه العــــلاقـــة أخذت مسار تحــــوليّا عميقا بمـــرور الزمن، ولم يعد المسرح جزءا من الطقس الديني، بل دخلت العلاقة بينهما في إطار من التجاذب والافتراق، وفـــي النهاية خرج المسرح من التوظيف الديـــني والأسطوري إلى ما هو واقعي وإنساني، وقد تجلت أولى صور التمرد لدى كتاب الأغريق الأوائل (أسخيلوس، سوفوكلس، يوربيدس) خاصة لدى يوربيدس الذي حاول التمرد على الجانب القدري، كذلك عند أرستوفانيس في نصوصه النقدية الساخرة.
ثم عادت هيمنة الدين على المسرح مرة أخرى في العصور الوسطى، ليستوعبه خطاب الكنيسة بالشكل الذي أصبح جزءا من أدواتها القمعية في الهيمنة على المجتمع، إلاّ أن عصر النهضة الأوروبية شهد إعادة تأهيل للعلاقة من جديد لصالح الواقع وما يطرحه الخطاب الإنساني من أسئلة وتحديات في مواجه خطاب السلطة بكافة أشكالها. ويأتي هذا العرض المسرحي «سانتا بربارة والإرهاب» ضمن هذا المنظور في توظيف ما هو ديني في سياق ما يفرضه الفضاء المسرحي المعاصر من مواجهة مع الماضي بأسئلة الحاضر.
معظم العاملين في هذا العرض كانوا من الشباب الهاوي للفن المسرحي، وتباينت مستويات أدائهم للشخصيات بشكل واضح، فبعضهم كان يمتلك خبرة في الحركة على خشبة المسرح وآخرون بدوا في أولى خطواتهم إلا أن المخرج زجّ بهم ومنحهم فرصة في أن يكتسبوا خبرة في العمل على خشبة المسرح.