العرض المسرحي المغربي «هذه قصة أخرى»: من الذات إلى مساءلة التحولات الاجتماعية

حجم الخط
0

هانوفر: من إدريس الجاي: في إطار «السلسلة الدولية للعروض الزائرة» التي ينظمها القسم المسرحي للمركز الثقافي لمدينة هانوفر Pavillon ويشرف عليها المسرحي المغربي عبد الفتاح الديوري، جاء عرض العمل المسرحي المغربي «هذه قصة أخرى» لجمعية «إننا نمثل الفنون». العمل يقوم على سرديات أربعة أشخاص يوحد بينها المكان وبرهة من الزمن، حكايات ذات سمات ذاتية في ظاهرها، لكنها في العمق ترمي ظلالا على التحولات، التي يشهدها المشهد الاجتماعي المغربي المتوزع بين ما هو كائن وما هو متطلع إليه. أحداث تجري خلف أبواب مقفلة، داخل قاعة السينما، بعيدا عن مفهوم دورها المعتاد ودور المشاهد المألوف، الذي يمثل في غالب الأحيان المستهلك للحكايات برمة أحداثها. إن دور القاعة السينمائية هنا يتخطى مجال فسحة الخيال والتصورات، التي يكون المشاهد فيها متأثرا بالوقائع الجاهزة، ليصبح هنا ليس هو ذلك الطرف المستهلك لما هو مبث أمامه على الشاشة وخارج عن حيز التأثير في الحدث، بل المشاهد هنا يتحول إلى فاعل في المشهد، إلى جزء من الحدث العام للقاعة ويصبح الفيلم، الذي هو سبب لقاء هذه الشخصيات الأربع ثانويا إلى حد الغياب. فقاعة العرض تتحول هنا إلى فضاء، ركح للتطلعات والمعاناة الخاصة والعامة في علاقة مباشرة بما يدور داخل المجتمع.

تقنية الفضاء السينمائي

في «هذه قصة أخرى» يصبح الفضاء السينمائي مرآة تعكس غياهب الصراع الذاتي والموضوعي للأشخاص في المجتمع، الذي يعيش فيه الفرد حالة انفصام بين الواقع العاتي والميثالية السيكولوجية والدينية. في هذا المناخ المشحون بالترقب، والانفجار الداخلي حيال القيود والخطوط الحمر، التي يضعها قانون المُثل والأعراف، تنتقل الشخصيات الأربع عادل أبو التراب، هاجر الشركي، فريدة بوعزاوي وأمين ناسور، بين الضوء والظل، مجسدة مشاهد من الانفعالات القصوى تجاه الحدث، تارة بنوع من الكوميديا السوداء وأخرى بسريالية فاضحة. ففي الوقت الذي يتحول ظلام القاعة إلى فعل معبر عن تلك الانفعالات والتطلعات الممتنعة والممنوعة بمسطرة أخلاقيات مباحة لجماعة محظورة على الأخرى، يصبح الضوء كاتما لهموم ذاتية ولا يفشي مما يقال إلا اليسير، بل يصبح سدا مانعا لتلك العلاقات الإنسانية الفطرية المسيجة بالمحرمات الاجتماعية. فهناك الرجل المتدين، الذي يعيش في وهم فعل الخيرات، غير أنه يكتشف بعد ردح من الزمن إن فعله هذا ليس دافعه الورع والتقوى، بل حب عميق مستتر لامرأة حركت فيه أحاسيس دفينة وقوية، كانت دافعه الأساسي إلى قاعة السينما متعقبا أثرها، تلك المرأة، التي غيرت كل قناعاته المزيفة حيال الحب والحياة. وهناك المرأة، التي سبق وقبّلها رجل ما في ظلام قاعة السينما، ومنذ ذلك الوقت وهي تتردد على هذا الفضاء على أمل اللقاء به من جديد، وبأمنية مواصلة ذلك الشعور المتميز في ستار الظلام. وهناك المرأة التي من جراء دونية النظرة المجتمعية إليها، تلجأ إلى مشاهدة أفلام لمرات عديدة هروبا من واقع يلاحقها كقدر. وهناك الشخص المتوزع بين أنانيته ومفارقات الواقع، التي تجعل منه متسلطا لا يرى الانفلات من هذا الواقع إلا عبر الصراع مع الآخرين والهروب منه إلى استعراض العضلات. فهذه الشخوص تفتح أمامنا كوة نلاقي من خلالها أنفسنا أمام حكاياتهم الذاتية خارج فضاء القاعة وداخلها مسيجين بالكثير من التساءلات حول المجتمع الجديد ودور الإنسان فيه، المجتمع المتحرك بعلاقات حب وكره في الوقت نفسه، انتظار شيء ما يعلم الجميع إنه لن يحدث، لكن ذلك الأمل المشفوع بالخيالات يجعل من المعاناة متعة. إنها شخوص تعكس حكايات مجتمع بكامله. فمن خلال ذلك الفاصل بمفارقاته بين هويات وسمات الشخوص النفسية والاجتماعية، جعلت سارة الرغاي في سينوغرافيتها دوائر تسيج هذه الشخوص بهالة من الضوء، لتصبح إشارات توضيحية لتلك الشخصيات وهوياتها المتباينة والمتميزة عن غيرها. إنها تتحرك تارة كظلال لا علاقة لها بالواقع وتارة أخرى كجزء انفصل عن أحداث فيلم يمثل غطاء خارجيا للقاء هذه الشخوص الأربعة، شخوص هلامية ضائعة في متاهات توالي الأحداث.

تقنية الفعل المسرحي

يقول مخرج العمل محمود الشاهدي، في لقاء جمعه ومجموعة عمله مع الجمهور في نهاية العرض: «نضع الممثل في واجهة الحدث، فالممثلون لدينا هم الروافد، التي عليها تقوم كل أعمالنا خلال سيرتنا التي تمتد إلى اثنتي عشرة سنة». لقد جسد هذه القناعة بدور الممثل الأساسي، فاستطاع تأدية نص انبثق عن عدة ورشات عمل وارتجالات، حيث تجمع فيه الكثير من التجارب الذاتية والمشاهدات العينية للممثلين طالعة من مجريات أحداث يومية يعيشها المجتمع، فصهرها مؤلفو النص الثلاثة إيمان الرغاي، أحمد السبياع ومحمود الشاهدي في قالب تجريبي ينسجم والطرح الأدبي التصوري للمجموعة المسرحية. فالممثل هنا يحاول من خلال أدائه مقاربة مفوم المسرح البريختي، حيث يمكن للمشاهد خلق مسافة تباعد بينه وبين الشخصية ومجريات الأحداث. من ناحية أخرى جاءت الموسيقى كجزء أساسي من مقومات العمل المسرحي، فلم تقم بدور تكميلي للحدث بقدر ما كانت تمثل مشاهد مستقلة بذاتها وفاعلة في مسار الحدث الدرامي، إنها تملأ برهات الصمت وفسحات الظلام علاوة على مساهمتها الفعالة في خلق أجواء المكان والزمان العام للعمل المسرحي.
…………..
العرض: هذه قصة اخرى
فرقة: نحن نلعب للفنون
الممثلون: عادل ابا تراب، هاجر الشركي فريدة، بوعزاوي، امين ناسور
النص: إيمان الرغاي، احمد السبياع ومحمود الشاهدي
سينوغرافيا، انارة وديكور: سارة الرغاي
موسيقى: ياسر الترجماني واسامة بورواين
المحافظة العامة: محمد عسيلة ـ عامر المرنيسي
إخراج: محمود الشاهدي.

العرض المسرحي المغربي «هذه قصة أخرى»: من الذات إلى مساءلة التحولات الاجتماعية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية