العقاب الجماعي على طريقة ليبرمان

حجم الخط
0

وزير الدفاع افيغدور ليبرمان قطع أول أمس موسم الجفاف الإعلامي في ارشاد للصحافيين، حيث عرض خطة سياسية أمنية جديدة حول المناطق. في الخلاصة، ليبرمان يريد التمييز بين فلسطينيين «سيئين» و«جيدين». القرى التي يخرج منها المخربون لتنفيذ عمليات ستعاقب بشدة. والمناطق التي يوجد فيها هدوء أمني ستحصل على تسهيلات اقتصادية واسعة ويمكنها تنفيذ مشاريع لتحسين البنى التحتية. وأعلن وزير الدفاع ايضا أنه سيبحث عن طرق التفافية في الاتصالات مع الفلسطينيين. الجهاز العسكري، بتوجيه منه، سيتحدث ايضا مع جهات في السلطة الفلسطينية ولن يواصل التركيز على المحادثات مع رجال الرئيس محمود عباس (أبو مازن).
طريقة العصا والجزرة مثل البحث عن قنوات بديلة عن القيادة الفلسطينية، تبدو مثل العودة إلى السبعينيات والثمانينيات حيث الحكم العسكري في المناطق. إن امكانية نجاح الأفكار الجديدة مشكوك فيها.
والسؤال هو ماذا يفكرون في القيادة الوسطى ومكتب منسق شؤون المناطق، الجهازين اللذين طلب منهما في الأسبوع الماضي طرح الأفكار حول علاج الوضع. ليبرمان يدرك بشكل جيد ضعف عباس والصراع على وراثته في السلطة. ولكن تصعب رؤية كيف سيقوم باتصالات علنية مع جهات لا تعمل بتوجيه مباشر من الرئيس الفلسطيني، دون قيام عباس بالتشويش على ذلك. وبالنسبة للعصا والجزرة، إسرائيل تصرفت هكذا أصلا على المستوى المحلي خلال السنة الماضية في الضفة الغربية. إن اعلان قرية معينة هادئة على أنها «خضراء»، كما قال ليبرمان للتمييز بين القرى الجيدة والسيئة، من شأنه اظهار سكانها كمتعاونين مع إسرائيل، الامر الذي سيكون له رد فعل معاكس، حيث سيسعون إلى اثبات ولاءهم للنضال الفلسطيني بطرق عنيفة.
تم عقد المؤتمر الصحافي لوزير الدفاع بعد كبوتين محرجتين بالنسبة له. في البداية كان الهجوم على ادارة أوباما حول الخلاف في موضوع السلاح النووي، والمقارنة بينه وبين اتفاق ميونيخ مع المانيا النازية، حيث اضطر ليبرمان إلى التراجع خلال ثلاثة ايام. وبعد ذلك تسرب إلى «يديعوت احرونوت» بأن الوزير أمر رئيس هيئة الاركان غادي آيزنكوت بوقف تطوع الجنود في الجمعيات التي تساعد اولاد اللاجئين والعمال الاجانب في جنوب تل ابيب. في الحالة الاولى بقي السؤال حول معرفة رئيس الحكومة بالهجوم على الولايات المتحدة، وقد تنصل نتنياهو من صلته بهذا الموضوع. وفي الحالة الثانية يبدو أنه كانت هنا لعبة علاقات عامة صغيرة على ظهر رئيس الاركان. وقد بدت هذه اهانة ثانية لآيزنكوت بعد اخراج الاعلان ضد أوباما اثناء وجود رئيس الاركان في الطائرة عائدا من زيارة ناجحة في البنتاغون. اقوال وزارة الدفاع اظهرت موقفا سلبيا حاسما للجيش الإسرائيلي ضد الاتفاق، الامر الذي لا يعكس بالضرورة موقف رئيس الاركان. خلال فترات سابقة، على سبيل المثال، في فترة باراك ـ اشكنازي، يصعب التصديق بأن هاتين الحادثتين كانتا ستمران بدون أي رد.
أثبتت الاحداث امكانية وجود تشوش في العلاقة بين وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان. في حالة ليبرمان وآيزنكوت يتركز الأمر في الوقت الحالي في الـ 72 ساعة الاولى بعد تنفيذ عملية ـ الوقت الذي يطلب فيه الوزير من الجيش الإسرائيلي القيام بالعقاب الجماعي ضد الفلسطينيين. وعلى خلفية غضب الجمهور الإسرائيلي والجيش يطلب التأكد من عدم خروج الوضع عن السيطرة. ولحسن الحظ فقد حدث تراجع نسبي للإرهاب في المناطق، وتراجعت نسبة الحوادث. إن نتنياهو ينسب لنفسه افضلية هذا التراجع. وحسب قوله فإن ذلك حدث عندما لاحظ بأنه يتم دهس الجنود في المناطق لأنهم لا يهتمون بالتوجيهات الأمنية اثناء الحركة بالقرب من الشوارع.
استدعى نتنياهو سكرتيره العسكري وأشار إلى ذلك، فتحسنت الامور منذئذ.
إن اغلبية الهجمات، عمليا، كانت وما زالت عمليات طعن. ونقطة الضعف في عمليات الدهس تم علاجها في هيئة الأركان قبل أن يشير اليها نتنياهو. ولكن يبدو أن رئيس الحكومة، كسياسي عالمي، لا يهتم ولا يقلق بهذه التفاصيل الصغيرة.

لقاءات مع رئيس الحكومة

لقاء نتنياهو مع هيئة التحرير في «هآرتس» في هذا الاسبوع استكملت جولة من 8 لقاءات مع صحافيين اجراها رئيس الحكومة خلال ثلاثة اسابيع. وقد سبق هذا اللقاء، لقاءات مع مراسلين (عسكريين وسياسيين ومدونين وصحافيين من اليمين الديني) ووسائل إعلام اخرى (القناة 2 وصوت الجيش وسلطة البث و واللاه). ولم تصل بعد دعوة مشابهة لـ «يديعوت احرونوت». بالنسبة لاخبار القناة 10، يمكن أن تصل الدعوة في أي لحظة، عندما يتبين موعد عطلة رفيف دروكر. بتقدير معقول، يمكن القول إن نتنياهو خصص في الآونة الاخيرة 30 ساعة من وقته للالتقاء مع أكثر من 150 محرر ومراسل. وهذه مبادرة غير مسبوقة كما يبدو.
كان الامر ملفتا ومطولا جدا. وخلال هذه اللقاءات تحدث نتنياهو عن مسلسل الأسر الذي مر به كجندي في وحدة الاركان الخاصة (إنه يكثر من الحديث عن مغامراته في الوحدة الخاصة). صحيح أن رئيس الحكومة قد اظهر الكثير من الطاقة في اللقاءات والقدرة على التحمل، وكان يمكن للحظة تذكر الرئيس السوري السابق وموضوع المثانة، حيث اعتاد على تعذيب وزير الخارجية الأمريكي وورن كريستوفر في لقاءات القمة السياسية التي كانت تستمر سبع ساعات دون توقف.
ما الذي يريده نتنياهو؟ الحب والتقدير مثل الجميع. ولكن يبدو أن هناك شيء آخر في الخلفية. بعد اللقاء الاول مع المراسلين العسكريين، الذي خصص فيه وقتا كبيرا للاجابة على ادعاءات نفتالي بينيت ويئير لبيد حول عملية «الجرف الصامد» في قطاع غزة، يبدو أن نتنياهو أراد أن يسبق اضرار تقرير مراقب الدولة في قضية الانفاق من خلال الوثائق والاقتباسات من جلسات الكابنت. وفي لقاءات اخرى كرر مسألة الانفاق، لكنه فعل ذلك بحماسة أقل وركز أكثر على مواقفه السياسية وانجازاته. وتحدث قليلا عن التحقيقات الجنائية التي يتم طبخها ضده وضد أبناء عائلته.
ورغم ذلك، قد تكون هناك صلة. حينما تورط سلفه ايهود اولمرت بعدة قضايا منذ 2007 فصاعدا، أخرج مستشاروه ومقربوه دفاع نيكسون من السبعينيات. قيل إن رئيس الحكومة مثل الرئيس الأمريكي، هو الوحيد القادر على توجيه السفينة الإسرائيلية في المياه الأمنية والسياسية العاصفة. إن انجازاته تقزم الشبهات ضده، لذلك يجب الغاء التحقيق. في الوقت الحالي لا يطرح نتنياهو ادعاءا مشابها، ولكن بين السطور، فإن هذا الخط الدعائي مدوٍ.
يتحدث نتنياهو خلال اللقاءات عن نفسه وعن ماضيه ولا يتطرق تقريبا لخصومه في الحكومة وفي المعارضة أو وزراء الليكود. السطر الأخير في اقواله واضح جدا، ايضا بعد 3 ـ 4 ساعات: في الحياة بشكل عام، وفي الشرق الأوسط بشكل خاص، الأقوياء فقط هم الذين يصمدون. سياسته نجحت في ضمان النمو الاقتصادي لإسرائيل من خلال المخاطرة الأمنية المعقولة، مع مراعاة التهديدات المحيطة. إنه يتحفظ من الحروب وينجح في الوقت الحالي في ابعاد اغلبية الاخطار عن طريق شبكة حكيمة من المصالح، سواء مع الدول السنية في المنطقة أو مع الدول الأبعد، من شرق آسيا حتى شرق اوروبا. في اللقاءات مع الصحافيين من اليمين، شدد نتنياهو على أنه لم يتنازل عن شبر واحد من الاراضي، وأن الخطر من وجود دولة فلسطينية قد اختفى من برنامج العمل الدولي. ولليسار قال بشكل غير مباشر إنه لا زالت هناك فرصة لتقدم معين في المناطق فقط إذا كان ضبط للنفس. ولكن في جميع اللقاءات عاد نتنياهو وكرر شكوكه حول نوايا الفلسطينيين. وقال إن قيادة السلطة الفلسطينية لا يمكنها التوصل إلى اتفاق مناسب بسبب ضعفها وبسبب تمسكها بالايديولوجيا التي تنفي وجود إسرائيل. ومن وراء الزاوية هناك دائما أعداء أكثر خطورة، في البداية حماس وفيما بعد داعش.
في اختبار الزمن، التشاؤم الذي عكسه نتنياهو مع اندلاع الربيع العربي في نهاية عام 2010، أثبت نفسه بشكل دقيق. رئيس الحكومة ناور بشكل جيد في الرد الإسرائيلي حول التغيرات في سوريا ومصر، وامتنع عن التورط في حروب لا لزوم لها. بالتأكيد هو محق في شكوكه حول الفائدة التي قد تعود من الحوار مع السلطة الفلسطينية. ولكن حول استيعاب رسالته في الوسط واليسار، ما زالت هناك عقبتان، الاولى هي الارث التاريخي الذي بقي من فترة دخوله إلى السياسة (وخصوصا دوره في التحريض الذي سبق قتل اسحق رابين والذي تم ذكره مرة تلو الاخرى في الاسبوع الماضي على خلفية التهديدات الرمزية من قبل دونالد ترامب على حياة هيلاري كلينتون). الثانية هي طبيعته الشخصية والتي برزت في جميع اللقاءات: الحراك الذي لا يتوقف، رفع الصوت، الضرب على الطاولة. وهناك من خرج من هذه الاجواء ولديه انطباع كبير. والبعض تذكر اسحق رابين أو اريئيل شارون اللذين تحركا بصعوبة في الكرسي في لقاءات مشابهة ولم يبديا أي انفعالات عاطفية.

رسالة بارا­ك

لقد عكر صفو خطوة نتنياهو الإعلامية في هذا الاسبوع الشخص الوحيد القادر على جذب الانتباه المشابه، رغم أنه استقال من كل المناصب العامة، ومشكوك فيه أن يستطيع العودة في المستقبل. في خطاب مؤتمر حركة «طريقنا» في ريشون لتسيون، ركز ايهود باراك في هذه المرة انتقاداته على نتنياهو واتهمه بالحاق الضرر بالعلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة. كان لبراك ادعاءان اساسيان. الاول، أن سلوك نتنياهو بعد التوقيع على الاتفاق النووي بين إيران والقوى العظمى كلف إسرائيل تقليص المساعدات الأمنية التي خططت ادارة أوباما لمنحها. الثاني، أنه من وراء الكواليس هناك احداث قد تضع إسرائيل أمام خطر آخر في العلاقات مع الأمريكيين و»تعريضها لتحد امني مركزي». باراك رفض التفصيل، سواء في الخطاب أو في الرد على اسئلة الصحافيين فيما بعد. ولكن يبدو أن هذا اتهاما خطيرا من رئيس حكومة ووزير دفاع سابق، وهذا الامر يلزم بظهوره أمام اللجنة التابعة للاستخبارات في الكنيست. وهذه الجهة سيكون باراك مسرورا بالتحدث أمامها.
بالنسبة للمساعدة الامنية، باراك هو اول من تحدث بشكل علني عن المبلغ الدقيق الذي اتفقت عليه الاطراف مبدئيا، 3.8 مليار دولار سنويا، 38 مليار خلال عقد، مقارنة مع 3.1 مليار سنويا حسب الاتفاق الحالي. الضربة الاستباقية لباراك شوشت فرحة نتنياهو حول الاعلان والتوقيع المتأخرين منذ أكثر من اسبوع رغم الاتفاق على التفاصيل. إن الخط الدعائي لمكتب رئيس الحكومة يقول إن هذا هو مبلغ المساعدة الاكبر الذي تحصل عليه إسرائيل. المشكلة كما يقول باراك هي أن هذا المعطى يصلح كعنوان وليس كجوهر، حيث إن الامور تتضح عند الدخول في التفاصيل. الانتقاد الشديد للاتفاق يركز على ما كان يمكن الحصول عليه لو أن الاتفاق تم توقيعه من قبل. صحيح أن نتنياهو ورجاله ينفون بشدة، لكن باراك وقادة آخرين في الاجهزة الأمنية والعسكرية، في الماضي والحاضر، على قناعة بأنه لو أن نتنياهو توقف عن المعركة الخاسرة ضد الاتفاق النووي عند توقيعه في فيينا في تموز 2005، ولم يصمم على مواصلة الصراع لبضعة اشهر، لكان بالامكان استغلال ذلك وزيادة المبلغ بشكل كبير، حيث قد يصل إلى 4.5 مليار دولار سنويا.
إن تفاخر رئيس الحكومة بحجم المبلغ يتغاضى عن جانبين آخرين. غلاء سعر السلاح، الامر الذي يضائل قيمة المساعدة. وعمليا، في أعقاب إضافات اخرى منحتها الادارة والكونغرس في كل سنة من السنوات الاخيرة، فإن مبلغ المساعدة قفز إلى 3.6 أو 3.7 مليار دولار كل سنة، حيث تطلب الادارة الأمريكية تعهدا إسرائيليا بعدم التوجه إلى الكونغرس وطلب مساعدات اخرى. ونتنياهو راض ايضا عن أنه رفض القرار الأمريكي حول وقف الشراء المتبادل، ربع اموال المساعدة السنوية التي كانت إسرائيل تستطيع استغلالها من اجل الشراء من الصناعات العسكرية الإسرائيلية. عمليا قام بتأجيل النهاية. الدولتان اتفقتا على أن هذا المبلغ سيتم تقليصه بالتدريج حتى الغائه مع انتهاء السنة السابعة للاتفاق الجديد.

هآرتس 19/8/2016

العقاب الجماعي على طريقة ليبرمان
عاد للاهتمام بالموضوع الفلسطيني وفي حوزته خطة تسعى لخلق قيادة فلسطينية بديلة ومقبولة من إسرائيل
عاموس هرئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية