إن محاولة إعادة التفكير في حال اليسار، واقتراح نشاطات تنجح في حرفه عن مسار الفشل، تثير الجدل والمعارضة القوية. ولكن الميل إلى العودة إلى ما هو معروف، أمر مزعج. بصفتهم مؤيدين للموقف العقلاني، يجدر بمن يؤيدون اليسار توسيع أفقهم والبحث عن حلول أخرى.
إن الناجحين لا يحتاجون إلى النصائح، لكن من يخسرون لصالح اليمين، ونتيجة ذلك يتدهور المجتمع الإسرائيلي نحو الهاوية، يفضل أن يفحصوا اسباب فشلهم. لا حاجة إلى الشعور أنهم محقون وأنهم مصابون، بل أن يصمموا على القيام بخطوة اخرى من الشيء نفسه، بل والتطرف في المواقف. المعارضون على أنواعهم يجب عليهم أن يقرروا، يمكن أنه حان الوقت لتجربة أشياء اخرى يمكن أن تؤدي إلى نتائج افضل وبثمن يمكن تحمله من الناحية الايديولوجية.
هذا الموقف الذي هو أقل عاطفية وأكثر عقلانية يتطلب من اليسار وضع سلم للاولويات. أولا، يجب القول بوضوح إن حل مشكلة المناطق وانهاء السيطرة على الفلسطينيين، أهم شيء. ومن يعتقد أنه يجب على اليسار التركيز على الشؤون الاجتماعية والاقتصادية، فهو يعرقل المهمة. هم مثل الاشخاص الذين يتواجدون في غرفة علقت فيها جثة بحبل في السقف، لكنهم يتجاهلونها ويتحدثون عن ثمن الكوتج ومركزية البنوك.
لا توجد فرصة لإسرائيل بأن تكون مجتمعا طبيعيا بدون حل مشكلة الاحتلال. لذلك يجب اتخاذ قرار أن هذا هو جوهر الصراع إلى أن يتم حله.
ثانيا، على اليسار الفهم أن موضوع المناطق والأمن، ولا سيما بقاء دولة إسرائيل، كل ذلك يثير لدى الجمهور مخاوف ترتبط بالذاكرة اليهودية الجماعية والشخصية ايضا. وبدلا من الموافقة على هذا الوضع، ينجر الكثيرون من اليسار إلى تعبيرات العداء الصعبة والزائدة ضد الهوية اليهودية بحد ذاتها: هذا العداء الذي يزداد بسبب رغبة اليسار الراديكالي بالتخلص من فكرة الدولة اليهودية. وكأن ذلك هو دفاع عن الشعب اليهودي مع اعطاء تعبير جماهيري مشترك لذاكرة تاريخية وثقافة يهودية، بما في ذلك عادات يهودية منتشرة بقيت طوعية فقط، هذا الدفاع هو سياسة مرفوضة وغير تقدمية.
من الجيد رؤية أن اقتراحي بخصوص محتوى الهوية اليهودية في إسرائيل («هآرتس»، 12/8) قد أقنع ايضا علماني يساري مثل روني شوكن («هآرتس»، 29/8)، رغم أنه بالخطأ نسب لي المطالبة بـ «إلزام الدولة» في الاطار التطوعي، لكن الجدل بيننا، الذي انتقل فجأة من انتقاد اليسار إلى هجوم على اليهودية، أبرز المشكلة: من اجل النجاح يجب على اليسار أن يفصل تماما بين اليهودية وبين قيم اليمين. الامران غير المتماثلين. يتضح أنه من الضروري الفصل بين قوانين الدولة وتعاليم الدين، وما زال ضروريا الفهم بأن الصلة مع اليهودية هي الخط الاكثر مركزية في الوعي الشخصي لاغلبية سكان إسرائيل، وهذا الشعور القوي بالانتماء لم يولد بالأمس أو قبل مئة عام مع الصهيونية.
إن الحاجة الملحة لتجنيد الجمهور من اجل انهاء الاحتلال تفرض على اليسار مراعاة وجود مشاعر القلق والولاء للهوية اليهودية، وليس التنكر والانتقاد المسموم. الحرب التي لا حاجة اليها، التي يديرها اليسار الإسرائيلي ضد اليهودية، تضر بالهدف الاسمى الذي يقف أمام اليسار، وتحول أفعاله إلى استعراض لعدم العقلانية. ليس غريبا أن يئير لبيد المتضامن مع الرموز اليهودية ينجح في الحصول على تأييد الكثيرين ممن يريدون الحلول لإسرائيل ـ لكن ليس بثمن فقدان هويتهم التاريخية والثقافية.
هآرتس 19/9/2016