بغداد – «القدس العربي»: حاول الأدباء والفنانون العراقيون منذ مطلع القرن العشرين، تقديم طروحاتهم الفكرية والفلسفية بمشروعات عديدة، ربما تميز الشاعر جميل صدقي الزهاوي «1863- 1936» ببحثه في العلوم وتقديمها للقارئ بأساليب مبسطة وشعرية، فأصدر «الجاذبية وتعليلها» و»الفجر الصادق» و»الدفع العام» وغيرها من الكتب، هذه المشاريع التي كان على رأسها دفاعه عن المرأة وتحررها مثلما فعل قاسم أمين في مصر. ومن ثمَّ كان لكتاب معروف عبد الغني الرصافي 1875- 1945 «الرسائل والتعليقات»، ومن ثمَّ كتابه «الشخصية المحمدية» الذي رفض نشره حينها، وكتب في وصيته أن ينشر بعد وفاته بخمسين عاماً، وغيرهما الكثير، وربما كان قبله صفي الدين الحلي ومحمد سعيد الحبوبي من أوائل الداعين لمجتمع مدني، على الرغم من انتمائهما للمؤسسة الدينية.
وعلى الرغم من المساعي الحثيثة للمفكرين العراقيين الأوائل على تقديم العلم على الأدب، والمعرفة على المنجز الشخصي، إلا أن هذه المساعي لم تأت ثمارها في العقود التي تلت، فكان المنجز العراقي منجزاً أدبياً بحثاً وليس فكرياً، رغم بروز علي الوردي في خمسينيات القرن الماضي وغيره من الباحثين، فاهتم العراقيون بالشعر والسرد مبتعدين عن التنظير والبحث في المفهوم والتنقيب عن المعرفة..
فلماذا ابتعدت الثقافة العراقية عن التنظير واتجهت إلى الإبداع؟ يتضح هذا في أزمة النقد العراقي، مقابل ما ينتج من نصوص شعرية وروائية، فهل يمكن أن تنطبق مقولة إمبرتو إيكو «ما يستعصي على التنظير، ينبغي سرده» على مجمل ثقافتنا العراقية؟ وهل تنطبق فعلاً الفكرة القائلة إن الثقافة البدوية تنتج نصاً شعرياً في حين تنتج المدينة نصاً فكرياً على وعينا؟
مساحات فارغة
يشير الكاتب والقاص حسن كريم عاتي إلى أن النظرية الأدبية ما زالت تعد النقد ثالث ثلاثة بعد تاريخ الأدب والأنماط الأدبية المنتجة فيه. والتنظير أبرز سمات نقد النقد، سواء على مستوى المناهج أو على مستوى الأساليب أو على مستوى القوانين الكلية المنظمة لعملية الخلق الأدبي، أو على مستوى تفحص الجزئيات المتفرقة بكليات جامعة للخواص الفنية في منجز إبداعي فردي أو جمعي.
مضيفاً أنه لا تختلف التجربة العراقية كثيراً عن غيرها من تجارب الشعوب، إلا في جوانب تفصيلية تمثل خصوصية الثقافة العراقية، وطبيعة المرحلة التي تمارس نشاطها فيه، فالتنظير يتطلب: وجود قدرات فردية تتميز باستعدادها لاستنباط الظاهرة ودراستها في النص الأدبي. ويتطلب وجود مادة أدبية تخضع للدراسة؛ وكذلك الحاجة إلى بيئة معرفية قادرة على محاورة الرأي ومحاكمة الظاهرة؛ والى بنية اجتماعية وفكرية تؤسس لحرية المختلف، بل المضاد أحياناً للسائد من الرؤى والأفكار في مجال الأدب أو في غيره من النشاط المعرفي. التنظير مهمة تمثل ذروة معرفية ليس من اليسير الوصول إليها بالتمني أو بالتحريض.. أما على مستوى التجربة الأدبية العراقية المعاشة.. فيمكن القول: نحن أمام هوس الإنتاج الأدبي، وفي أوج عطائه، الذي قد ينحسر بعد حين، وهي المادة الأدبية التي تخضع للتنظير والدراسة. وقد تكون هناك أنماط بعينها تحظى بالعناية على مستوى الإنتاج وعلى مستوى الاهتمام النقدي. ويحاول أصحابها حفر أسمائهم في المدونة النقدية العراقية. وربما يبدو ذلك واضحاً في عدم استجابة الكثير من الكتاب الذين كانوا يمثلون مشروعاً حقيقياً للإبداع والتنظير، إلا أنهم فعلياً لم يقدموا مشاريع حقيقية في ما بعد، ولم تقدم مشاريع حقيقية لتقويم وتقييم هذا المنجز على مستوى الكم على أقل تقدير؛ ناهيك على المستوى الفني فيه. فلم تبرز حتى الآن أسماء مماثلة لعلي جواد الطاهر أو عبد الإله أحمد أو علي عباس علوان وغيرهم ممن غادرونا؛ وإن كان مجايلوهم من الأسماء المهمة ما زالوا يبذلون جهدهم في ميدان النقد الذي حققوا منجزهم فيه بجدارة في تلك المرحلة. ويبدو أنهم اكتفوا بها. فلم نسمع أصواتهم بوضوح في المنجز الحالي بالغ الحساسية.
ويثير عاتي إشارة مهمة، وهي أن النقد ترك مساحات واسعة من تاريخ المنجز الإبداعي العراقي من دون مراجعة جدية، منذ أدب الحرب، وأدب الحصار، والأدب المستنسخ في تسعينيات القرن الماضي؛ والأدب المعارض الذي أنتج خارج الوطن، ومفهوم الأجيال الذي كرسه النقد بوصفه مسلمة طوال تاريخه… كل هذه المفاصل مرت وكأنها مساحات فارغة خارج الثقافة العراقية، فلم نحصل على تقويم للجزئيات المتفرقة بكليات جامعة تمثل سمات أو خصائص أو فوارق أو مشتركات في تلك المساحات من تاريخ الثقافة العراقية.
ويعيد عاتي أسباب ذلك إلى أن مرده قد يكون إلى أن المخضرمين في النقد لم يتمثلوا بعد حجم المنجز الكبير والمتغيرات المهمة التي حدثت فيه، أو أن الشباب الخارجين من مشاريع النقاد في طور اكتمال أدواتهم المعرفية. ولا يعتقد عاتي أنه يستطيع أن يراهن على ظهور التنظير في النقد الأدبي العراقي إلا على الزمن المقبل، وأن أي محاولة لتفسير الظاهرة تدخل في خانة التبريرات، فالقصور ينم عن تراجع مريع.. ولا يمكن تداركه إلا بمواجهة المشكلة ووضوح الموقف منها.
كسل فكري
إلا أن الابتعاد عن التنظير في مجال الثقافة عموماً والأدب بشكل خاص علامةُ كسلٍ فكري ودليلُ أزمةٍ معرفية حادة؛ بحسب تعريف حسن سرحان، إذ يجب الاعتراف بأنّ لدينا أزمة خطيرة في التنظير والدراسة الأدبية، أدّتْ إلى أن يفقد النقدُ استقلاليته وخواصه وسلطته الابستيمولوجية. ويبين سرحان أن النظرية أداة النقد ومادته وروحه وأساس وجوده من دونها لا وجود لنقد يحترم نفسه ويدرك الفرق بين السؤال عن النص ومساءلته والكلام عنه «النص» والكلام فيه، والاكتفاء بتناول موضوعه والحديث عن طريقة تنظيم مكوناته.
ويضيف سرحان أن عدم الإقرار بأهمية النظرية في الممارسة النقدية يعني إعادة النقد إلى مرحلة سانت- بوف، حيث المزاج هو المعيار في الحكم على النصوص. كل ممارسة تحمل تعليقاً من أي نوع كان على نتاج أدبي أو فني ما لا تستند إلى منهجية علمية واضحة ليست من النقد في شيء. هذا النوع من النقد أسميه نقداً متطفلاً، إذ لا نقد بلا نظريات. ميلُ ثقافتنا الراهنة إلى السرد على حساب التنظير ظاهرة جديدة ينبغي الوقوف عندها ودراستها بجدية تتناسب وخطورتها.
ويظن سرحان أن منشأ هذه الظاهرة مرتبط بشكل كبير بعجز العقل العراقي الراهن عن الاستنتاج والاستدلال والحفر وركونه إلى إعادة إنتاج بعض أسئلة الحداثة المرحلية التي طرحها مفكرو القرن العشرين وتجاوزها بمراحل كبيرة منتجو فكر زماننا الحالي… التلازم بين الثقافة والمكان الذي تُنتج فيه جدلي، ذلك أن المكان فضلاً عن كونه دالةً جغرافية فهو أيضاً دالة ثقافية لها وظيفة نسقية تعطي النتاج مديات كثيرة ومتعددة تستمد أثرها من بنية النص وبيئته التي تفرزها مساحة ثقافية حركية تقع ضمن إطار معرفي خاص يمارس فعله المؤثر في نوعية التجربة الفنية. من خلال المعطيات التي يفصح عنها وجوده داخل النص، يكتسب المكان سلطة محدِّدة ومقيِّدة لطبيعة الواقع المتخيَّل تسقط نفوذها وسيطرتها على شكل النص ونوعية خطابه، إلى الحد الذي من الممكن أن تتحول فيه هذه الهيمنة إلى علة وجود الأثر الأدبي برمَّته. لذا يصعب فصل طبيعة النص وسمات طروحاته عن فضاء ولادته، حيث أنه «أي النص» يتسع باتساع فضائه ويمتد بامتداده وينحسر بانحساره. ثقافتنا رهينة بالمكان الذي تولد فيه ووعينا مرتبط بشدة بطبيعة الخطاب الذي يؤسسه فينا الفضاء والتغييرات التي يحدثها فينا.
تحرّي الصدق
التنظير- من وجهة نظر الناقد عبد الغفار العطوي- فعالية عقلية معرفية لضبط الفكر، تكون مرجعية لتحليل الواقعات وموضعتها مع النشاط العقلي، بعيداً عن تقصي العقل وتعطل فاعليته باﻻعتماد على التخيل واللغة واسقاطاتها، لهذا فإننا نسعى لإنتاج معرفة عقلية تساهم في الإجابة على تساؤﻻت الواقع..
ويؤكد العطوي على أننا أمة مبتدعة وليست مبدعة، إذ أنها لا تنفك عن اقتفاء آثار الآخرين، فضلاً عن أننا لا نعتمد على البنية الثقافية الحية التي تتكئ على العقل، لهذا لم ندخل طور العقلانية بعد!
ويعلق العطوي على كلام إيكو السابق، قائلاً إن للسرد قوانينه التي فهمها إيكو، وهي في صلب البنية العقلية التي أردنا إعادة إنتاجها، فالسرد يحمل في طياته المعارف جميعاً، حتى إن كان حكاية خالصة، فنحن ﻻ ننتج أواليات ثقافتنا، بل نأخذها جاهزة، فنمضعها في كتاباتنا، بعبارة أخرى إنها مغتربة عنا ونحن كذلك مغتربون عنها. من جانب آخر، يسمى غادامير الثقافة التي ﻻ تعمل بالميتة أو البكماء، ويقصد الثقافة التي لا تؤول، لأن الهيرمنيوطيقا تتيح للثقافة أن تتحرى الصدق في فهم الواقع.
فاعلية الحياة
الباحث محمد عبد الله يرجع الأمر إلى عدم وضوح الأسس الفكرية والفلسفية والحضارية لجماليات العمل الإبداعي، ومن ثم تخلف النقد عن تفهم الأعمال الإبداعية، كما يقول رمضان بسطاويسي في كتابه جماليات الفنون في فلسفة هيغل الجمالية. وعلى الرغم مما تشهده الثقافة في العراق والواقع الثقافي فيه من أزمات وتحديات، ما يزال المبدع العراقي فاعلاً ويقدم تجربته الإنسانية المعبرة عن حقيقة ما يمر به المجتمع من مخاضات على كل الأصعدة، التي هي غاية الفن في أسمى معانيه، ألا وهي الحقيقة، الحقيقة التي تسهم في تطور الوعي الإنساني في المجتمعات، وهناك في الفن السينمائي والفن التشكيلي والشعر والرواية والقصة القصيرة نماذج إبداعية تستحق أن نفخر بها وبمنجزها الإبداعي الجمالي، ومنتجو هذه الثقافة ليس لديهم هم إلا إشاعة الجمال والحياة، هؤلاء المبدعون وهم يقدمون ذلك الوجه الناصع للحضارة والثقافة العراقية الأصلية، التي عرفت بريادتها للإنسانية والثقافة والفن، لا بد من حركة نقدية تكون في مستوى هذه الأعمال الإبداعية، ولأن الإبداع والنقد وجهان لعملة واحدة، غايته تطور الوعي الإنساني وعلى مستوى النقد الفني التشكيلي العراقي، تبدو المفارقة واضحة بين عطاء مبدعيه من الفنانين الرواد الذين أسهموا في تكوين شخصيته المتفردة، ووصلوا به إلى قمة نضجه الفني وريادته للحركة التشكيلية في العالم العربي، ودوره في معالجة القضايا الإنسانية الكبرى وتماهيه مع الفكر العالمي وطروحاته الإنسانية في «حب الحياة والكفاح في سبيل النظام الطبيعي، حب الحياة والأشياء البسيطة التي تنسينا الموت»، كما عبر عنها فنان العراق جواد سليم في أربعينيات القرن الماضي، وبين الكتابات النقدية لتلك المرحلة وبنظرة سريعة غير متفحصة لما كتب عن حركة الفن التشكيلي العراقي، يتبين لنا وبوضوح أنها لا توازي على الإطلاق هذا العطاء الفني الخالد، وينطبق الأمر على الأجيال الفنية اللاحقة، ناهيك عن عدم دراسة الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عانى منها الوطن، وأثرها على المجتمع وقيمه.
صفاء ذياب