لندن ـ «القدس العربي»: حتى اللحظة كانت حصة الأسد من إلغاء العقوبات الاقتصادية على إيران بفعل تنفيذ الاتفاق النووي، للدول الرئيسية في المحور اللاتيني أي إيطاليا وفرنسا، دون أي تعقيدات أو شروط سياسية مسبقة تذكر. بينما كانت باريس أكثر تشدداً في معارضة إبرام الصفقة الغربية مع إيران خلال الفترة التي تسمى، فترة المفاوضات النووية، وأخرّت فرنسا مسار مفاوضات دول مجموعة 5+1 مع إيران في لحظات حساسة ومصيرية وتسببت بتأجيل الموعد النهائي للإعلان عن التوصل للاتفاق، من خلال إثارة موضوع ملف الأبعاد العسكرية المحتملة لبرنامج طهران النووي وتفاصيل أخرى تتعلق بالموضوع. والخاسر الرئيسي حتى الوقت الراهن هو روسيا والصين بصفتهما الشريكين الرئيسيين للجهورية الإسلامية الإيرانية خلال فترة العقوبات والقطيعة الاقتصادية بينها وبين الغرب، لأن العقود التي أبرمتها وستبرمها طهران مع الدول الغربية، ستقلل حصة بكين وموسكو في الاقتصاد الإيراني.
بينما دول المحور الانغلو سكسوني الداعمة للاتفاق النووي وإلغاء الحظر الاقتصادي ضد طهران وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا والمملكة المتحدة البريطانية، تشترط تحسين علاقاتها الاقتصادية وتنفيذ الوعود لاستثمار مبالغ كبيرة في إيران بما تصفه هذه الدول بـ «اعتراف طهران برسمية إسرائيل كدولة». ما أكده نائب المستشارة الألمانية ووزير الاقتصاد والطاقة، زيغمار غابريل، بعد توقيع الاتفاق النووي، حيث أعلن استعداد بلاده للوساطة بين إيران وإسرائيل، ووضع الاعتراف بالكيان الصهيوني كشرط أساسي لإنشاء علاقة دائمة بين إيران وألمانيا والغرب، وشدد على أن «كل من يبحث عن علاقة دائمة ومستقرة معنا، لا يمكن له أن يرفض شرعية وجود إسرائيل». وبعده، صرح وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند من طهران أن إيران لا تشكل تهديدًا لإسرائيل وأنها غيّرت مواقفها تجاه تل أبيب «قليلاً» وشدد على أن بريطانيا ستُقيِّم إيران على أساس «أفعالها وسياستها» من إسرائيل. ووعدت بعض دول المحور الانغلو سكسوني الجمهورية الإسلامية بوعود مغرية واستثمارات كبيرة جداً خلال فترة المفاوضات النووية وبعد التوصل إلى الاتفاق. ومنها تحدثت بعض وسائل الإعلام الغربية عن استعداد ألمانيا وبريطانيا لاستثمار 180 مليار و100 مليار دولار في قطاعي النفط والغاز الإيرانيين، وأيضاً أكدت الولايات المتحدة للجمهورية الإسلامية جهوزيتها لاستثمار ما يقارب 350 مليار دولار خلال اللقاءات التي تمت بين مسؤولي غرفتي التجارة والصناعة للبلدين في واشنطن بعد توقيع الاتفاق النووي.
شروط سياسية
لكن تصريحات أحد المتحدثين باسم منظمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» تظهر أن وضع شرط «اعتراف إيران بإسرائيل» من قبل لندن وبرلين لبناء علاقات دائمة ومستقرة مع الغرب، هو مجرد غطاء ومسرح جديد لتأطير التعاون الإيراني السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني لصالح المحور الانغلو سكسوني، والمقابل الذي ستحصل عليه الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو مفاتيح إدارة المنطقة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً على حساب العرب. كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة 12 عاماً من المفاوضات الماراثونية النووية لتأطير تعاون طهران في ملفات عدة منها ملف العراق. وفي تصريحات مفاجئة هي الأولى من نوعها، أشار الممثل الخاص للأمين العام للحلف الأطلسي في القوقاز وآسيا الوسطى، جيمس اباثوراي، إلى أن الناتو يعير أهمية واحتراماً كبيرين لإيران بصفتها بلداً تاريخياً عظيماً، وأعلن استعداد الحلف للتعاون العسكري مع طهران. وشدد على أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية بإمكانها أن تعلب دوراً إيجابياً للغاية في المنطقة، وأنه يجب إتاحة فرصة أكبر لطهران حتى تبرز دورها البنّاء، وأعرب عن أمله أن يتحقق ذلك.
وأعلنت الإدارة الأمريكية في 19 شباط/فبراير الحالي موافقتها أن تبدأ شركة بوينغ مفاوضاتها التجارية مع إيران لشراء ما يقارب 100 طائرة، ولا تزال واشنطن لم تنفذ عملياً إلغاء بعض عقوباتها المفروضة على المبادلات المالية وتأمين سفن النقل البحري من وإلى إيران. وشكك موقع الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية في مقال عنوانه «بوينغ بإمكانها أن تبيع طائرتها لإيران، لكنّ هل طهران تريد ذلك؟»، في قرب عقد صفقة الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة على غرار ما حصل في صفقة شراء طهران 118 طائرة من إيرباص الفرنسية. اشترت إيران معظم طائراتها من طراز بوينغ قبل ثورة عام 1979، ولديها واحد من أقدم أساطيل الطيران المدني في العالم، حيث شهدت البلاد أكبر عدد من الحوادث الجوية بين بلدان العالم أجمع خلال العقود الـ3 الماضية. وعلى الرغم من العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية منذ 1979، فإن طائرات بوينغ الإيرانية واصلت تحليقها في السماء طوال كل هذه السنوات بفضل تسريب قطع الغيار وباقي المعدات اللازمة من خلال الشركات الواسطة والسوق السوداء. وإيران وبوينغ في طريق العودة إلى تعاونهما القديم، وكجزء من الاتفاق النووي سُمح لشركة بوينغ مرة أخرى بيع طائراتها، استجابة لمحاولات طهران المستميتة لاستبدال أسطولها الذي يعاني من الشيخوخة، بطائرات حديثة تستطيع المنافسة في السوق الواعد للنقل الجوي.
لكن لا يوجد أي أفق واضح حتى الآن لعقد صفقة، وأكد المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، غوردون غوندرو، أن شركة بوينغ التي تتخذ من شيكاغو مقراً لها، لن تسارع الهرولة إلى طهران، وأن «هناك العديد من الخطوات يجب على إيران أن تتخذها، قبل بدء بيع الطائرات، ونحن حالياً نواصل تقييم الوضع». وقال نائب رئيس مجموعة «أفيتاس» الاستشارية في قطاع الطيران الأمريكي، آدم بيلارسكي، إنه ينبغي عليهم أن يكونوا حذرين في أي اتفاق مع إيران، وإن بوينغ تحتاج إلى توضيح عدد من الأمور قبل بدء العمل للتوصل إلى صفقة. وأضاف «على سبيل المثال وليس الحصر، هناك العديد من المسائل القانونية المعقدة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار في الصفقة المحتملة من خلال العديد من المحامين». بينما توجد منافسة شرسة بين بوينغ وإيرباص في جميع أنحاء العالم للمبيعات، لكن بيلارسكي يؤكد أن ليس هناك حاجة لبوينغ أن تهرول للحصول على الفوز في إيران، وأوضح أن من الطبيعي بالنسبة للبلد الذي يشتري طائرات، أن يضع الشركتين قبالة بعضهما البعض من أجل الضغط لتحسين الأسعار في المفاوضات، وأنه ينبغي على بوينغ أن تعمل بهدوء. وشدد على أن طهران لا تستطيع الاستغناء عن الطائرات الأمريكية في أي حال من الأحوال.
صفقة إيرباص
بالنسبة للصفقة الكبيرة التي تمت بين طهران وباريس لشراء 118 طائرة من شركة إيرباص، توجد قضايا غير محسومة وعراقيل مالية ستؤثر على الصفقة، فضلاً عن الإمكانيات التقنية المتأخرة والبنية التحتية الضعيفة للمطارات الإيرانية التي يستغرق تحديثها عدة سنوات ويحتاج إلى استثمارات كبيرة. ودفعت هذه الأمور المسؤولين الإيرانيين للحديث عن احتمال إلغاء شراء طائرات إيرباص A ـ 380 العملاقة. وبعض الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها مع فرنسا، ووثائقها ليست محددة ونهائية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تمويل صفقة طائرات إيرباص يمثل تحدياً كبيراً للجانبين، لأنه لابد من القيام به دون استخدام النظام المالي الأمريكي. ولا تزال بنوك الولايات المتحدة تمتنع عن المبادلات المالية والتجارية مع إيران. ومن جانب آخر معظم البنوك الأوروبية لديها شراكات مع البنوك الأمريكية. وهناك فرق بين الإعلان عن الصفقة مع إيرباص وإبرام عقد في متناول اليد وجاهز للتنفيذ، وما حصل بين طهران وباريس يشبه مذكرة تفاهم. وحاجة إيران الكبيرة والملّحة للاستثمار في إعادة البنية التحتية شبه المنهارة في قطاع النفط وضرورة تحديثها في القريب العاجل، ستدفع طهران باتجاه استخدام أسلوب الاستئجار التمويلي للحصول على طائرات جديدة بدلاً من شرائها. ما أكده وزير النقل الإيراني، عباس آخوندي، خلال جلسة مساءلة مجلس النواب حول زيارة الرئيس الإيراني، حسن روحاني، إلى فرنسا وإيطاليا، حيث أوضح أن تمويل شراء الطائرات الفرنسية والإيطالية سيتم على أساس عملية الاستئجار التمويلي، وأنهم سيدفعون 15 في المئة من سعر الطائرات في البداية وسيتم دفع باقي المبلغ خلال 8 سنوات.
وتظهر التقديرات أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحتاج إلى ما يقارب 600 طائرة جديدة لتحديث أسطولها الجوي الذي يقدر معدل عمر طائرتها بـ 23 عاماً، وصفقتها مع إيرباص التي تم التفاوض عليها مع شركة «إيران إير» لفترة 18 شهراً، تشكل ما يقارب 20 في المئة من احتياجاتها فقط. والامتيازات المالية التي اعطتها فرنسا خلال الصفقة هذه لإيران، عقدت الأمور بشكل كبير بالنسبة لشركة بوينغ لعقد صفقة مع طهران. وبالنسبة للمنافسة بين شركتي بوينغ وإيرباص، تفوقت الشركة الأوروبية التي باعت 1022 طائرة خلال العام الماضي، على نظيرتها الأمريكية التي لم تتمكن من بيع أكثر من 743 طائرة في 2015. لكن نظراً لبنية مطارات إيران التحتية، هناك تفوق لطائرة بوينغ 747 من طراز 800 على منافستها الأوروبية إيرباص A ـ 380، وبإمكان العديد من المطارات الإيرانية أن تستوعب الطائرة الأمريكية، بينما المطارات التي تستوعب A ـ 380، لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. في الوقت نفسه، لا تستطيع طائرات بوينغ من أي طراز أن تنافس طائرة إيرباص A ـ 330 للرحلات متوسطة المدى، نظراً لحاجتها الفنية والتقنية والكلفة الاقتصادية وإمكانيات مطارات إيران الحالية. وأكد الرئيس التنفيذي لشركة «إيران إير» فرهاد برورش، أنه وفقاً للتوافق مع فرنسا، إذا لم تستطع إيران توفير الظروف اللازمة في مطارات البلاد لهبوط إيرباص A ـ 380، سيتم استبدالها بطائرات إيرباص A ـ 350. ما يعزز فرص شركة بوينغ لبيع طائرة 747 من طراز 800.
وفي السياق أعلن عضو المجلس التنفيذي لشركة «إيران إير» محمد رضا خوشنويسان، أن طهران تدرس شراء طائرات بوينغ من طراز 737 و777و787و 747 ـ 800، وأكد أن أفضل طائرة بوينغ لأسطول إيران الجوي هي 737 ماكس. وتعتبر بوينغ 737 ماكس أكثر أمناً بين الطائرات الحديثة عالمياً، وتنقل بين 120 إلى 240 راكبا حسب التصميم وأنواعها. وتستهلك الوقود بنسبة 8 في المئة أقل من منافستها الأوروبية إيرباص A ـ 320NEO. وأفادت وكالة بلومبرغ الأمريكية أن من الوارد جداً أن تشتري إيران طائرة بوينغ 777 التي تعتبر الأولى بين الطائرات البعيدة المدى في المسافة والأمان، وتقطع مسافة 17 ألف كيلو متر خلال رحلة واحدة. وحجم محرك واحد من محركاتها هو بحجم طائرة بوينغ 737.
وحسب الصفقة الإيرانية الفرنسية، لن يتم تسليم أول طائرة إيرباص A ـ 350 لإيران قبل عام 2021، وهذا الموضوع يمنح شركة بوينغ الفرصة لتسويق طائرة 787 المنافسة للطائرة الأوروبية، إذا يتم تسليمها لإيران قبل عام 2021. لكن تكاليف تشغيل إيرباص A ـ 350 أرخص وتستهلك الوقود بنسبة أقل من نظيرتها الأمريكية. فضلاً على الميزات الفنية، إذ تتمتع بوينغ بحظوظ أكبر من إيرباص للحضور في إيران بسبب رضاء الشركات الإيرانية عن طائرات بوينغ بعد 40 عاماً من الطيران ضمن الأسطول الجوي للبلاد. ما قاله الرئيس التنفيذي لشركة «إيران إير» انه «استخدمنا طائرات بوينغ في أسطولنا منذ سنوات عديدة وقبل انتصار الثورة، ونحن راضون عنها، ومؤخراً سمحت الإدارة الأمريكية لبوينغ أن تدخل السوق الإيرانية».
محمد المذحجي