الدوحة ـ «القدس العربي»: العلاقات البحرينية ـ الإيرانية التي تتميز بالجمود الدائم على خلفية توتر مزمن بينهما بسبب ترسبات عوامل تاريخية وسياسية واجتماعية شهدت مؤخرا منحى متصاعدا زادت من حدته الأزمة المشتعلة بين الرياض وطهران. الخلاف الأساسي بين البلدين الجارين تعود بداياته إلى سبعينيات القرن الماضي حينما بادرت إيران في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1972 بإثارة موضوع تبعية البحرين لها في عصبة الأمم وأكدت في المذكرة التي قدمتها إلى المنظمة الدولية في ذلك الوقت أنها كانت المسيطرة على البحرين في معظم عصور التاريخ. ومع صدور قرار مجلس الأمن في 11ايار/مايو 1970 الذي قضى بحق شعب البحرين في الانتماء لدولة مستقلة ذات سيادة بادرت البحرين بإعلان استقلالها في 14 اب/أغسطس 1971. وباستثناء فترة ود قصيرة سجلت خلالها العلاقات بين البلدين هدوءا نسبيا مع انتخاب هاشمي رافسنجاني رئيسًا لإيران ولقائه بأمير البحرين الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة على هامش قمة عدم الانحياز في داكار في السنغال في كانون الاول/ديسمبر عام 1991 وقرار البلدين خلالها رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما إلى مستوى السفراء بعد أن كان على مستوى القائم بالأعمال، تظل بالرغم من ذلك السمة الغالبة على العلاقة التوتر. ومؤخرا شهدت العلاقات البحرينية الإيرانية، المتأزمة أصلاً، تدهوراً متسارعاً تمثّل في قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وذلك بعد ساعات قليلة من قرار المملكة العربية السعودية قطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران.
المنامة بررت قرارها بـما وصفته: «استمرار وتفاقم التدخل السافر والخطير من الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليس في شؤون مملكة البحرين فحسب، بل وفي شؤون دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وكذلك الدول العربية الشقيقة، دون أدنى مراعاة لقيم أو قانون أو أخلاق، أو اعتبار لمبادىء حسن الجوار أو التزام بمبادىء الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، ما يؤكد إصراراً على إشاعة الخراب والدمار وإثارة الاضطرابات والفتنة في المنطقة عبر توفير الحماية وتقديم الدعم للإرهابيين والمتطرفين وتهريب الأسلحة والمتفجرات لاستعمالها من قبل الخلايا الإرهابية التابعة لها في إزهاق الأرواح وقتل الأبرياء».
الاعتداء على السفارة
وتغيير قواعد اللعبة
اعتبرت المنامة أن الاعتداءات التي تعرضت لها سفارة المملكة العربية السعودية ـ حليفها الاستراتيجي والبلد الذي ترتبط به ارتباطا كبيراـ في طهران واستهداف قنصليتها في مدينة مشهد، «انتهاك للاتفاقيات الدولية وتجسد نمطاً شديد الخطورة للسياسات الطائفية وتستوجب وعلى الفور ضرورة التصدي لها بكل قوة ومواجهتها بكل حسم، منعاً لحدوث فوضى واسعة وحفاظاً على أمن واستقرار المنطقة بكاملها وعدم تعريض مقدرات شعوبها لأي خطر».
احتجاجات مستمرة
السلطات البحرينية كثيرا ما وجهت استدعاءات للقائم بأعمال السفارة الإيرانية في المنامة، وذلك للاحتجاج على التصريحات التي تصدر بشأن دعم إيران للمعارضة الشيعية في البحرين. غضب الدولة الخليجية استعر أكثر مع إعلان وزارة الداخلية البحرينية عن إحباط عملية تهريب عن طريق البحر لكميةٍ من الموادِ المتفجرة شديدة الخطورة، بجانب عددٍ من الأسلحةِ الآلية والذخائر مصدرها إيران. الوزارة كشفت أيضا أن أحد المقبوض عليهم كان قد تلقى تدريباتٍ عسكريةً في آب/أغسطس 2013 في إيران، وخضعَ لتدريبات مكثفة على كيفية صناعة واستخدام الموادِ المتفجرة (C4)، كما تم تدريبه على الغوص وطرق تنفيذ عمليات التفجير تحت سطح البحر، بالإضافةِ إلى الرماية باستخدام سلاح الكلاشنيكوف، وذلك بمعسكرات الحرس الثوري الإيراني تحتَ إشراف مدربين إيرانيين. الاحتجاج الأخير للسلطات البحرينية لم يكن الأول في الفترة الأخيرة، فمع اندلاع الاحتجاجات الشيعية في المملكة الخليجية مطلع عام 2011، وجهت المنامة أصابع الاتهام في تحريك جمعية الوفاق المعارضة لإيران وقامت بإخمادها بمساندة من قوات درع الجزيرة التي تقودها السعودية.
تراشق دبلوماسي
بعد تولي الرئيس الإيراني حسن روحاني مقاليد الحكم شهد البلدان تراشقا إعلاميا في أيلول/سبتمبر2013، على خلفية تصريحات لمسؤولين رسميين تعليقا على أحداث شهدتها البحرين آنذاك. ونشرت وكالة الأنباء البحرينية تقريراً عممته على وسائل الإعلام أبرزت فيها ما وصفته تاريخ التصريحات «والتدخلات الإيرانية» في الشأن البحريني منذ عام 2011 حتى الآن. ووفق التقرير فإن عدد التصريحات والمواقف التي صدرت عن جهات رسمية في طهران خلال عامي 2011 و2012 بلغت 42 موقفاً وتصريحاً صدرت عن جميع المسؤولين، بدءاً من المرشد الأعلى وصولاً إلى الرئيس السابق، أحمدي نجاد، فمجلس الشورى ووزارة الخارجية. كما اعتبر التقرير أن «التصريحات العدائية» زادت خلال العامين الأخيرين إلى أضعاف هذا الرقم، بالتوازي مع زيادة حدة هذه التصريحات. السلطات البحرينية لم تتوقف في إبراز دوافع قطع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران على خلفية تصريحات مسؤوليها، بل اعتبرت أنها تواجه مخططات متواصلة تستهدف أمنها القومي. وقامت قبل أشهر بإسقاط الجنسية عن 5 مواطنين «أدينوا بالتآمر مع إيران» لتنفيذ هجمات داخل المملكة، كما حكمت عليهم بالسجن المؤبد. وقبلها بأيام اعتقلت وزارة الداخلية البحرينية 47 عضوا في خلية قالت إنها «مرتبطة بعناصر إرهابية في إيران» و»تخطط لشن هجمات» داخل البحرين.
وللاقتصاد نصيب من المقاطعة
الخلافات التي شهدها البلدان لم تتوقف عند الجانب السياسي فقط بل امتدت مؤخرا لتشمل القطاعات الاقتصادية والتبادل التجاري. وأعلنت هيئة شؤون الطيران المدني في مملكة البحرين عن وقف الرحلات الجوية من إيران وإليها. ويأتي القرار بعد يوم من إعلان الهيئة العامة للطيران المدني السعودي، «أنها وجهت هيئة الناقلات الوطنية وجميع الشركات بتعليق ومنع جميع رحلاتها من وإلى إيران». واستثنت المنامة من قرارها الرحلات الجوية من المدن الإيرانية إلى البحرين التي تقل مواطنيها لتسمح بعودتهم إلى بلادهم. وليست هذه المرة الأولى التي تقوم بها البحرين بوقف حركة الملاحة الجوية مع جارتها إذ قامت بخطوة مشابهة في العام 2011 بعد توتر العلاقات السياسية بينها وإيران، إلا أن حركة الملاحة استعيدت قبل نهاية 2012 مع تحسن العلاقات مع إيران وتولي حسن روحاني رئاسة الجمهورية.
وعلى الصعيد الاقتصادي تؤكد بيانات رسمية كشفتها إدارة الجمارك البحرينية، أن إجمالي صادرات إيران إلى البحرين من كانون الثاني/يناير حتى تشرين الأول/أكتوبر من العام 2015، بلغت نحو 6.8 ملايين دينار ما يعادل (18 مليون دولار)، ومنها 25 في المئة عبارة عن أغنام وضأن. ووفق البيانات الرسمية فإن معظم الصادرات الإيرانية إلى البحرين، عبارة عن سلع ومنتجات غذائية استهلاكية، إلى جانب سلع ومنتجات منزلية مثل السجاد وأدوات المطابخ. وحتى تستوي المحاولات المضنية التي تبذلها أطراف دولية على غرار سلطنة عمان في وقف حدة الأزمة الأخيرة بين إيران والسعودية وحلفائها يتوقع أن تشهد حدة التبعات استقرارا في المنحى بعد استنفاد كل السبل وصولا للقطيعة الدبلوماسية والاقتصادية.
سليمان حاج إبراهيم