الدوحة ـ «القدس العربي»: لا تكاد العلاقات التي تربط دول مجلس التعاون الخليجي بجارتهم الشمالية تسجل هدوء حذرا حتى تشهد توترا من جديد على خلفية الاتهامات التي توجهها الدول الست إلى طهران بسبب محاولات التمدد إلى محيطها الإقليمي وإثارة البلبلة والسعي إلى خلق أجواء من الاضطراب في المنطقة. وتشهد العلاقات بين الطرفين في الآونة الأخيرة سجالا أخذ منحى تصاعديا مع تصريحات علنية وشبه رسمية انتقدت بشكل مباشر التدخلات الإيرانية في المنطقة. ومؤخرا أعربت وزارة الخارجية الكويتية عن»أسفها الشديد ورفضها لأحد البيانات الصادر من السفارة الإيرانية لديها بسبب ما اعتبرته تجاوزه لأبسط القواعد والأعراف الدبلوماسية» على خلفية ما يعرف بقضية «خلية العبدلي». ويأتي التصريح الأخير اثر إعلان النيابة العامة الكويتية انتهاءها من التحقيق والتصرف في قضية جنايات أمن دولة حول ضبط مجموعة من الأشخاص لحيازتهم كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمتفجرات حيث أسندت النيابة الاتهام في هذه القضية إلى 26 متهما جميعهم كويتيو الجنسية عدا متهم واحد إيراني الجنسية. الحادثة الأخيرة والتي تحدثت فيها النيابة الكويتية عن تهم المساس بوحدة وسلامة أراضي الدولة والسعي والتخابر مع إيران، وحزب الله الذي وصفته بالجماعة التي تعمل لمصلحتها للقيام بأعمال عدائية ضد الكويت كانت المنعرج الخطير في العلاقات الثنائية بين الطرفين. ومنذ ضبط الخلية الأخيرة في الكويت توالت التصريحات العلنية التي بدأت تســمي الأمـــور بمسمياتها في إعتبار طهران خطرا على أمن دول المنطقة.
في سابقة جديدة لم تعهدها دول المنطقة التي كانت أكثر حذرا في تصريحات مسؤوليها تجاه إيران واستخداما في الأدبيات الرسمية لغة دبلوماسية، خرج رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الكويتي إلى العلن ليعلن صراحة «أن إيران هي (العدو الحقيقي) لدول الخليج العربية»، ودعا إلى تعزيز التنسيق الأمني بين هذه الدول.
تصريحات المسؤول الكويتي جاءت ردة فعل إضافية بعد أزمة الخلية على التفجير الإرهابي الذي استهدف مملكة البحرين مما أدى إلى توجيه المسؤولين أصابع الاتهام مجددا إلى طهران.
المنامة بدورها دخلت على خط المواجهة ليتهم وزيرها للإعلام عيسى الحمادي، إيران بسعيها لزعزعة الأمن في بلدان الخليج العربي، وأنها تعمل على ذلك مستعينة بـحرسها الثوري وحزب الله اللبناني. التصريح جاء في معرض تعليقه حول اعترافات لأشخاص ألقت قوات الأمن البحرينية القبض عليهم، بتهمة قتل شرطيين وأكدوا أن لهم علاقة مباشرة بالتمويل والتدريب مع الحرس الثوري الإيراني، وفق وزارة الداخلية البحرينية. الوزير البحريني ذهب بعيدا ليحذر «من وجود تطور نوعي فيما يتعلق بـ (التكتيكات والمتفجرات والأسلحة المستخدمة) للقيام بـ (الأعمال الإرهابية).
من جانبه وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، دخل في خط المواجهة المباشرة ليعتبر «أن هزيمة الحوثيين في اليمن وتدهور وضع بشار الأسد في سوريا وتقديم التنازلات في الاتفاق النووي، وراء التصريحات الإيرانية العدائية وغير المسؤولة المتعلقة بتدخلات طهران في الشأن الداخلي لدول المنطقة، والتي تؤكد نهجها العدواني في المنطقة، وإن هذه التصريحات العدوانية الكثيرة والمتصاعدة غير مقبولة ولا تعبر عن نوايا بلد يسعى إلى إقامة علاقات جيدة».
وتصاعدت مجددًا حدة الخلافات إلى جانب التوترات الأمنية على ضوء النزاع المستجد حول حقول النفط والغاز بين إيران والكويت وهذا التوقيت يحمل دلالات خاصة حيث يكشف عن إتجاه طهران للتلاعب بورقة النفط والغاز وإحياء الخلافات ربما لاستفزاز دول الخليج بعد توقيعها الاتفاق النووي مع مجموعة «5+1» والذي سيؤدي لرفع العقوبات الدولية المفروضة على صادراتها من النفط والغاز.
وبالرغم من هذه التحولات فإن دول مجلس التعاون الخليجي عبرت في أكثر من مناسبة عن رغبتها في إرساء دعائم حوار بناء مع طهران مبنية على حسن الجوار والاحترام المبادل بعيدا عن أي استفزازات تجسر هوة الخلافات بينهما.
وشدد المسؤولون الخليجيون في أكثر من مناسبة على أن نهج دول مجلس التعاون ثابت وواضح ومعلن أنها «دول مسالمة لا تضمر شرا لأحد، وتسعى إلى تعزيز الترابط والتكامل فيما بينها في مختلف المجالات، وتعمل على الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها، وتسعى إلى بناء علاقات تعاون مع جميع دول المنطقة والعالم». وتعتبر دول مجلس التعاون أنها يفترض أن تجد معاملة بالمثل من قبل جارتهم حينما أعلنت عن موافقتها للاتفاق النووي الذي وقعته طهران مع الدول الغربية. وسبق لوزير الخارجية القطري خالد العطية أن أكد في وقت سابق أن «الاتفاق مع إيران، مثَّل أفضل الخـــيارات من أجل استقرار المنطقة».
وجاء حديث العطية بعد محادثات مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، الذي زار الدوحة لطمأنة حلفاء الولايات المتحدة في الخليج بشأن الاتفاق النووي مع إيران. ودعا العطية الذي تترأس بلاده دورة مجلس التعاون الخليجي إلى ضرورة «الاضطلاع بحوار جديّ مع جيراننا الإيرانيين لكي نطرح على الطاولة كل ما يساورنا من قلق ونحاول إيجاد حلول للمشكلة معا». وأوضح أن التعايش بسلام مع طهران يجب أن يتم في إطار «آليات معينة نحددها معا. فحسن الجوار يضمن عدم التدخل في شؤوننا ويساعدنا على مواجهة الإرهاب».
من جانبها تحاول طهران مقابل ارتفاع حدة لهجة دول التعاون الخليجي تجاهها أن تضبط إيقاع هذا الحراك وتدعو إلى تهدئة علنية ترسلها من خلال إشارات تلقيها أذرعها الإعلامية نقلا عن مسؤولين كثر. فالرئيس الإيراني حسن روحاني أعلن أن بلاده تريد علاقات جيدة مع جميع دول الجوار، مضيفا أن «المشكلات التي ظهرت في اليمن بددت أجواء الأمل بسعي دول الجوار نحو علاقات جيدة» معربا عن أمله في أن يهيئ المسؤولون في السعودية لعلاقات جيدة. وأعلن حسين عبداللهيان، مساعد وزير الخارجية الإيراني، أن بلاده ستجري حوارا مع دول الخليج العربية، وأن المفاوضات مع «ممثلي» الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية ستشمل الأوضاع في سوريا واليمن، وتم تحديد ايلول/سبتمبر موعدا للقاء، على أن يعقد في واحدة من دول المنطقة. وإن كانت سلطنة عمان رحبت من دون تردد على الخطوة مشيرة إلى أهمية وجود حوار بين دول مجلس التعاون الخليجي مع إيران يقرب من وجهات نظر الطرفين في الكثير من القضايا العالقة في المنطقة، فيما لم تسجل الكويت والدوحة موقفا رافضا للحوار، وبدا أنها لا تمانع من إجرائه، أما السعودية والإمارات والبحرين فكانت لديها تحفظات عميقة على إقامة مثل هذا الحوار. وتعتبر أنه من الصعب القيام بذلك في وقت لا تزال طهران تواصل مساعيها في التدخل في الشؤون الداخلية للدول الخليجية، إضافة إلى استمرار سياستها العدوانية ضد جيرانها حيث لا تزال الآراء من العواصم الخمس الأخرى متباينة. وبالرغم من هذه التطمينات فإن طهران تمضي في مسار سعيها لفتح نافذة تواصل معها.
وتأتي الدعوات الإيرانية لحوار مع دول الخليج في وقت كشفت فيه قواتها البحرية بأنها ستجري مناورات مشتركة مع نظيرتها الهندية في مياه الخليج العربي. وتشير القراءات الحالية إلى أن التوتر بين الطرفين سيظل قائما ما لم تزل مغذياته والعوامل التي تكرس من نمائه حيث تعكس الخلافات الاستراتيجية بين الجارين نفورا يحتاج لمزيد من الجهود التواصل لاستئصال جذورها.
سليمان حاج إبراهيم