في الحروب والصراعات المختلفة غالبا تتم الموافقة بين طرفي الاشتباك كل لأسبابه وخلفياته الأمنية أو السياسية أو الاجتماعية والدينية على وقف المعارك لفترة زمنية مـحــددة إما قصــيرة أو مـتـوســـطة أو طويلة. وغالبا الطرف الأقوى في معادلة الصراع هنا أو هناك يملي اشتراطاته.
وعلى جبهة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تم الإتفاق على العديد من الهدنات منذ سبعينيات القرن الماضي، وحتى إتفاقات أوسلو السياسية، هي بشكل أو آخر بمثابة هدنة طويلة، أطلق عليها المرحلة الانتقالية كشرط طلبه أو أملاه العدو الإسرائيلي على قيادة منظمة التحرير لاختبار النوايا والممارسات الفلسطينية، كمقدمة للدخول في مرحلة البحث والتفاوض على الملفات الإستراتيجية للصراع: اللاجئين، القدس، المستعمرات، الحدود، الأمن، الثروات الطبيعية والأسرى وصولا للسلام المنتظر.
وبعد انقلاب حركة حماس على الشرعية الوطنية في قطاع غزة أواسط العام 2007 تم الإتفاق على أكثر من هدنة بينها وبين دولة إسرائيل الاستعمارية في أعقاب الحروب الثلاثة، التي شنتها الدولة المحتلة للأرض الفلسطينية على محافظات الجنوب، التي تمت في 2008/2009، و2012 و2014، كان لكل طرف أهدافه، ففي الوقت الذي وضعت فيه إسرائيل خلفيات أهدافها على البعدين السياسي والأمني، قصرت حركة حماس غاياتها على البعد الأمني والفئوي الضيق بعيدا عن مصالح الشعب والقضية والأهداف الوطنية.
ومن أبرز الهدنات، التي حظيت باهتمام محلي وعربي وإسرائيلي كانت هدنة 2012، و2014 وكلاها رعتها القيادات المصرية المتعاقبة، فالأولى تمت تحت رعاية نظام الرئيس محمد مرسي، والثانية تحت رعاية نظام المشير السيسي، وتميزت بسمة أساسية، هي أنها تمت بعيدا عن وجود الشرعية الوطنية، لأن حركة حماس شاءت التقرير في هذا الأمر بمفردها، لتكريس دورها المتنفذ والمسيطر على قطاع غزة. رغم ان عام 2014 شهد ولادة إعلان الشاطئ (نيسان/أبريل)، الذي تشكلت في أعقابه حكومة الوفاق الوطني برئاسة الدكتور رامي الحمدالله مطلع حزيران/يونيو من العام ذاته.
ولم تكن إسرائيل بعيدة عن رغبة حركة حماس، لأنها كانت تريد تحقيق هدفين يخدمان توجهاتها التكتيكية والإستراتيجية، الأول الاستفراد بحركة حماس بعيدا عن قيادة منظمة التحرير، وفرض الأجندة الإسرائيلية عليها، وهو ما تحقق في الهدنتين، عندما وافقت حماس على اعتبار أعمال المقاومة الفلسطينية جزءا من الأعمال «العدوانية»، وكانت فضيحة كبيرة لها ولمن توافق معها. فضلا عن موافقتها على الشرط الإسرائيلي، الذي يسمح لها باستهداف أي هدف تعتقد انه يهدد أمنها، مضافا لذلك فرضت إبعاد أذرع فصائل المقاومة أو حتى مزارعين عن الشريط الحدودي الفاصل بين القطاع وإسرائيل مسافة 500 متر، ليس هذا فحسب، بل طلبت من أجهزة الحركة الأمنية حراسة الحدود لحمايتها؛ والثاني تعزيز سيطرة حركة حماس على القطاع لتعميق الانقسام في المحافظات الجنوبية، وبالتالي توسيع هوة التنافر والتناقض بين جناحي الوطن للحؤول دون بلوغ هدف المصالحة، والانتقال خطوة نوعية جديدة على طريق تصفية القضية الوطنية من خلال الدفع بمشروع غيورا أولاند ( توسيع إمارة غزة في سيناء على حساب المشروع الوطني) لسطح المشهد والعملية السياسية، في الوقت، الذي كانت وما زالت إسرائيل تسارع الخطى لتهويد ومصادرة وأسرلة الأرض الفلسطينية في الضفة الفلسطينية وفي مقدمتها القدس، العاصمة الفلسطينية، للإطباق على عنق القضية الفلسطينية، وخنق الأهداف الوطنية، وفي الوقت ذاته بلوغ الهدف الاستراتيجي الثاني من المشروع الإسرائيلي الكولونيالي، ويتمثل بإقامة دولة إسرائيل الكاملة على كل فلسطين التاريخية. وما صفقة القرن الترامبية، وإقرار وتشريع «قانون الأساس القومية» العنصري مؤخرا في الكنيست الإسرائيلي سوى تتويج لتلك السياسة الاستعمارية.
الهدنة من أجل الهدنة
الملاحظ في تجربة حركة حماس، انها ارتضت الإقدام على التوقيع مع حكومات إسرائيل المتعاقبة على الهدنات المختلفة بشكل منفرد، ودون أخذ موافقة القوى الفلسطينية الفاعلة، وما الاجتماعات، التي عقدتها مع القوى الفلسطينية في محافظات الجنوب بعد عودتها من القاهرة، وإبلاغها ما تم الإتفاق عليه، وليس الاستماع لرأيها ومواقفها إلا تجسيدا لفرض فرديتها وهيمنتها على القرار. وحتى حركة الجهاد الإسلامي، التي كانت معها في القاهرة للمشاركة في المفاوضات على الهدن لم تخرج عن سقف حركة حماس. أضف إلى ذلك انها وقعت عليها بعيدا عن الحاضنة الوطنية الأعم، منظمة التحرير وسلطتها الوطنية؛ كما أن الهدن كانت بعيدة عن العملية السياسية، وجل ما تمسكت به حركة حماس، هو حماية رأسها، والمحافظة على سيطرتها في القطاع، رغم انها عمليا تصب في مصلحة إسرائيل ومخططها الاستعماري. وبالتالي تمت الموافقة عليها لأهداف فئوية خاصة بحركة حماس دون سواها، ولم تكن جزءا من رؤية وطنية شاملة تربط بين السياسي والأمني، وجاءت متناقضة مع عملية المصالحة الوطنية.
الهدنات الأخيرة تكريس ذات السياسة:
ولم تكن الأفكار المتداولة بشأن الهدنة مع دولة الاستعمار الإسرائيلية مؤخرا منذ تموز/يوليو الماضي وحتى وقتنا هذا، تخرج عما أقامت عليه حركة حماس ركائز علاقاتها مع دولة الاستعمار الإسرائيلية. فرغم ان الحوارات، التي جرت وتجري في القاهرة بين قيادة جهاز المخابرات المصرية وقيادة حركة حماس برئاسة صالح العاروري، نائب رئيس الحركة لبحث عدد من الملفات منها: الهدنة والمصالحة والمشاريع وصفقة تبادل الأسرى، ثم سماح القيادة المصرية وبموافقة وضمان حكومة نتنياهو الإسرائيلية حياة أعضاء وفد حماس (إقليم الخارج) بالدخول للقطاع يوم الخميس الموافق الثاني من آب/أغسطس الحالي لعقد اجتماع لكل أعضاء المكتب السياسي بهدف بلورة رؤية تستجيب لمصالح طرفي الاشتباك (حماس وإسرائيل)، وأيضا للفريق الراعي للمفاوضات غير المباشرة.
وفعلا بقي الوفد برئاسة العاروري مدة اسبوع في القطاع، وعقد سلسلة من الاجتماعات على كل المستويات التنظيمية والسياسية والأذرع العسكرية والأمنية للحركة أولا، ومع ممثلي القوى السياسية الأخرى ثانيا. ورغم مواصلة قيادة حركة حماس الحديث عن «الشراكة» في الدم والقرار، وأنها لا تريد الإنفراد بالقرار لوحدها، وأنها معنية بالربط بين مختلف الملفات، غير ان الحقيقة، التي نتجت عن اللقاءات الحمساوية الداخلية، وما رشح وتجلى بوضوح في أعقاب التصعيد المحسوب يومي الأربعاء والخميس الماضيين، تبين أنها قبلت التوقيع على الهدنة من أجل الهدنة، ولم تربط بين الهدنة وأي ملف آخر. والأمر، انها وهي تجري الحوار مع الراعي المصري بشأن الهدنة، كانت أيضا تناقش ملف المصالحة، وسجلت ملاحظاتها على الاقتراحات والآليات المصرية، ووضعت رؤيتها ومواقفها في هذا الشأن، ومع ذلك فصلت بين المصالحة والهدنة، ولم تحرص على الربط بين الملفين.
وهو ما يشير إلى ان حركة حماس غير معنية ببلوغ شاطئ المصالحة، لأنها لو كانت معنية بالحد الأدنى على تجسير الهوة بينها وبين قيادة حركة فتح، وعمليا قيادة منظمة التحرير لعرضت المطروح عليها من قبل الإسرائيليين عبر الوسيط المصري على قيادة الشرعية الوطنية، وتدارست معها الممكن والمقبول وطنيا، وأيضا لكان تم الربط بين الهدنة والعملية السياسية برمتها، وليس المصالحة الوطنية فقط، وبالتالي إخراجها من دوامة الحسابات الفئوية الضيقة. لاسيما وأن الحوار يجري لضخ دم جديد في عروق المصالحة. فعن أي مصالحة يمكن الحديث في الوقت، الذي تنفرد به في الموافقة على هدنة لا تمت بصلة للمصالح الوطنية العليا.
وبدا واضحا أن كل هم الحركة حماية الرأس الحمساوية، وضمان سيطرتها على قطاع غزة، ومواصلة سياسة المناورة والتسويف والمماطلة لكسب الوقت، وتفويت الفرصة على بناء ركائز مصالحة وطنية هادفة وجادة تعيد الاعتبار للوحدة الوطنية، والتي تحتاج إلى موافقة واضحة وحاسمة من قبل حركة حماس على التالي: أولا تسليم الحكومة كامل مهامها في محافظات الجنوب دون مماطلة، ولذلك عليها تسليم ملفات: الضرائب والقضاء وسلطة الأراضي والقبول بعودة الموظفين القدماء لوزاراتهم والأمن والمعابر؛ ثانيا عدم التوقيع على أي هدنة دون التوافق مع قيادة الشرعية وحكومتها برئاسة الحمدالله، لأنها هي التي ستتحمل تبعات أي هدنة تم التوقيع عليها، وبالتالي لا يجوز الفصل التعسفي بين الهدنة والمصالحة إن كان هناك نية صادقة للتقدم في الملفين المذكورين؛ ثالثا الإقرار بأن المرجعية الوطنية، هي منظمة التحرير الفلسطينية وحكومتها الشرعية. وهي العنوان الرئيس للشعب الفلسطيني؛ رابعا كما لا يجوز إقرار أي مشاريع تنموية مع أي جهة عربية أو إقليمية أو دولية، لان صاحب الولاية والشرعية، هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب، منظمة التحرير الفلسطينية.
دور الراعي المصري في العملية:
وهنا لا يجوز ان يغيب عن الذهن، ان على الراعي المصري دورا أساسيا في تجسير الهوة بين حركتي فتح وحماس ووفق المعايير الفلسطينية العامة، وبما يخدم التوجهات والأهداف الوطنية، بعد أن تم الاتفاق الأممي والإقليمي على انها الطرف الوحيد الموكل بملف المصالحة، والهدنة وحتى تبادل الأسرى.
بتعبير واضح لمصر دور مركزي في دعم الشرعية الوطنية، وهذا الدعم لا ينتقص من مكانة حركة حماس كشريك في القرار السياسي، ولكن ليس على أرضية المحاصصة مع حركة فتح، بل على أرضية الأهداف السياسية العامة.
كما أن الضرورة تملي على القاهرة الانتباه لخطورة تبسيط الأمور عند الحديث عن المشاريع التنموية والعلاقات التجارية التبادلية بينها وبين محافظات الجنوب الفلسطينية. لا سيما وان الولايات المتحدة وإسرائيل الاستعمارية تسعيان بشكل خبيث لربط القطاع بجمهورية مصر العربية، بتعبير آخر، تريد من خلال توسيع دائرة التشريك مع محافظات غزة (في المطار، الميناء البحري، محطات الكهرباء والمياة والمشاريع) توريط مصر فيما لا تسعى إليه، ومن جانب آخر يتم لاحقا ذات الشيء بين المملكة الأردنية وما يتبقى من الضفة الفلسطينية. وللأسف هناك بعض المراكز الفلسطينية، ومقر إقامتها في العاصمة الأردنية، عمان تتساوق مع هكذا توجه. الأمر الذي يفرض على القيادة الشرعية الانتباه لدور تلك المراكز، التي لا يعتقد المرء، ان القائمين عليها يجهلون تبعات ما يقومون به. وبالتالي على الراعي المصري لعب دور حيوي وضاغط لبناء صرح المصالحة الوطنية وضبط إيقاع حماس في ملف الهدنة، وتوجيهها الوجهة الصحيحة، بهدف المزج بين المصالحة والهدنة والعملية السياسية برمتها.
11HAD
عمر حلمي الغول