إن الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية في بداية عام 2010، المتمثلة بقيام حركات التغير في بعض البلدان العربية بالمطالبة بتغير الانظمة وتطبيق الديمقراطية، كما في سوريا وليبيا، استغلت من قبل الولايات المتحدة ووظفت حلف الاطلسي من اجل القيام بعمليات عسكرية ضد الجيش الليبي، ومساندة قوة المعارضة المسلحة الليبية. ما أدى الى تعميق النفوذ (الأورامريكي) في شمال أفريقيا، والعمل على ايجاد قواعد عسكرية امريكية فيها، والسيطرة على النفط والغاز الليبي الذي يصل حجم احتياطيه المؤكد إلى 44 مليار برميل من النفط و54 تريليون متر مكعب من الغاز، في احصاء عام 2012، فضلاً عن إبعاد نفوذ الدول الكبرى كالصين وروسيا خارج المنطقة الليبية، من أجل فرض السيطرة على مصادر الطاقة النفطية هناك، بحكم قرب المنطقة الجغرافية من الاسواق الاستهلاكية الاوروبية.
أما على صعيد الأحداث في سوريا، فيمكن القول إن دور حلف الاطلسي في هذه الازمة متخف تحت الدور التركي، من خلال تخويل الجانب التركي ادارة الازمة ودعم قوى المعارضة. ولكن دور حلف الاطلسي في الازمة السورية يختلف كثيراً عما كان دوره في ليبيا، بحكم الدعم الروسي للنظام السوري والوجود الروسي في ميناء قاعدة طرطوس البحرية في سوريا، ما يعني تخوف دول الحلف من القيام بعمليات عسكرية مشابهة لما حدث في ليبيا، لذلك اعتمدت استراتيجية الحلف في ادارة الازمة السورية على اتباع عامل الردع من خلال نصب (صواريخ باتريوت) في الاراضي التركية، فضلاً عن إمداد المعارضة السورية بسلاح عبر تركيا، وتقديم الدعم السياسي لها من أجل استنزاف قدار الجيش السوري، وتجنب قدر الامكان المواجهة مع الجانب الروسي في هذه الازمة.
ويمكن استقراء العقيدة الاستراتيجية الجديدة للحلف، التي ترتكز على التوسع وإدارة الأزمات خارج النطاق الإقليمي لدى الحلف، ومن ثم إنشاء قواعد مهمات مشتركة بين الحلف وبعض الدول، التي أصبحت قوات الحلف تنتشر فيها، أو صارت تحت اهتمام الحلف مباشرة، وما يترتب على هذه الدول من تعهدات في تسهيل مهمة هذه القوات والتنسيق معها، من أجل تنفيذ أهداف الحلف خارج حدوده الجغرافية.
كما يمكن تفسير اهم التداعيات الناتجة عن توسع حلف الاطلسي وعملياته في النظام الدولي بما يأتي:
1ـ التدخل في شؤون بعض دول العالم، مثل افغانستان وليبيا وسوريا وغيرها.
إذ اصبحت مظلة الناتو هي العقيدة العسكرية الطاغية على المنظومة الغربية، فاليوم لا يمكن القول إن هناك قانونا دوليا ولا أي هيبة قانونية لمنظمة الامم المتحدة فأصبح الناتو بمثابة قوة شرعية تحظى بمقبولية دولية وتحمل أغصان الزيتون على رؤوس الصواريخ.
-2 التدخل في دول منطقة الخليج وما يجاورها جغرافياً، في إطار تحقيق أمن الخليج وأمن الممر المائي التجاري المهم، وضمان تدفق النفط من هذه المنطقة إلى دول أوروبا واليابان، فالناتو اليوم يحظى بعلاقات قوية مع دول المنطقة المتمثلة بدول مجلس التعاون وشمال افريقيا، إذ عمدت الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة إلى تعميق علاقاتها العسكرية مع بعض الدول العربية، من أجل إفساح المجال أمام توسع هذا الحلف على حساب الامن القومي للمنطقة، فعلاقة الناتو مع الدول العربية علاقة براغماتية تقوم على أساس الحفاظ على أمن الطاقة والممرات المائية.
3- التدخل بذريعة منع حركات العنف والتطرف، كما في أفغانستان، فالمنظومة الغربية المتمثلة بحلف الناتو تستطيع ان تقوم بأي عمليات عسكرية في أي دولة في العالم تحت ذريعة محاربة التطرف، ولكن لو قرأنا ما بين السطور لوجدنا ان منظومة الناتو تعمد إلى تنفيذ سياسات ضيقة تحت عنوان محاربة التطرف، وتعمد إلى شن عمليات عسكرية من أجل تنفيذ استراتيجيات بعيدة المدى تنصب لمصلحة القوى الغربية المهيمنة.
4- التدخل في إطار حماية حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية، سياسات لطالما اعتدنا عليها من ابواق القوى الاوروبية وامريكا، فالناتو اليوم يحمل شعارات محاربة الاستبداد ونشر الديمقراطية الغربية، لبعض القوى غير المختلفة معها، فالعمليات العسكرية في افغانستان وليبيا كانت تحت شعار نشر الديمقراطية وحقوق الانسان المزعومة، وهي تمثل اكبر تهديد للسلام والامن الدوليــــين، فاليوم الناتو يســـتطيع القيام بأي عملية تحت هذه الشعارات، ويستطيع تدمير أي دولة تحت ذريعة حماية حقوق الانسان ونشر الديمقراطية. القوى الاوروبية تقوم بدفع الناتو نحو الحدود الشرقية لأوروبا تحت شعارات انسانية، ولكن يقرأ هذا الموقف من منظور التوسع والهيمنة نحو الشرق.
5- تهميش دور الأمم المتحدة، وإعادة صياغة ادوارها، بما يتناسب والوضع الجيوسياسي الجديد، لمصالح دول الحلف، فاليوم معروف لكل علماء القانون الدولي ان منظمة الامم المتحدة معطلة على ارض الواقع، وهي لا تحظى بأي احترام قانوني من قبل القوى العالمية المهيمنة، فالقانون الدولي يجري تطبيقه على الدول الضعيفة فقط، وباتت منظومة الناتو تسوق نفسها كمنظومة قتالية أمنية تحظى باهتمام دولي ومقبولية دولية لما تقوم به من أدوار (انسانية) فالناتو اليوم يقوم بعمليات فاقت حدود اوروبا، والمتعارف عليه، وهو أمر يهدد أمن الدول والمجتمعات، خصوصاً في الشرق الاوسط الذي يعد بوابة اوروبا وتصفيات الحسابات الدولية.
6- الاتفاقيات العسكرية التي تأخذ على عاتقها قيام دول، ليست طرفا في حلف الاطلسي بتقديم المساعدات العسكرية واللوجستية، مقابل تقديم ضمانات بتقديم المساعدات لهذه الدول، وقد كانت اتفاقيات حلف الاطلسي في ما يخص المنطقة العربية مع كل من «مصـــر، الأردن، تونس، المغرب وموريتانيا والكويت والامارات وقطر واسرائيل»، وبموجبها تكون هذه الدول التي تتمتع بصفة مراقب في نشاطات الحلف، وملزمة بتقديم تسهيلات عسكرية وإدارية وخدماتية لقوات التحالف، إذا ما اضطرت للقيام بعمليات عسكرية في المناطق القريبة من هذه الدول، والقيام بمناورات وتدريبات مشتركة لكي تتأقلم قوات التحالف مع البيئة الجغرافية للمنطقة، لضمان إمكانية النجاح لأي مهمة مستقبلية فيها.
وبالتالي، فإن استراتيجية الحلف الجديدة المتضمنة التدخل والتوسع، يمكن أن تتطلب بعداً جغرافياً أوسع من اوروبا، مما يقلل أكثر فأكثر تركيز الحلف التقليدي على وسط أوروبا، وسيفتح فرصاً جديدة لنشاطه وتدخلاته في العالم، وفي المنطقة العربية بالتحديد، وتحت يافطات مزعومة مؤداها انتشار أسلحة التدمير الشامل، والدفاع عن حقوق الإنسان، ونشر الديمقراطية، الذي ينعكس سلباً على أمن واستقرار المنطقة، فالناتو اليوم استغل قيام حركات التغير في الدول العربية (ثورات الربيع العربي) من أجل القيام بعمليات عسكرية تحمل في طياتها أجندات غربية غايتها السيطرة والهيمنة وزرع الفوضى في المنطقة، وازاحة القوى المناهضة لها من خلال القيام بتغيير الخريطة السياسة والعسكرية في المنطقة، وبالتالي فإن نتاجات تحرك الناتو قد خلقت ارهاصات سياسية وأمنية انصبت بالدرجة الاولى على مصلحة الولايات المتحدة والقوى الاوروبية وانعكست سلباُ على حركات التغيير في المنطقة العربية.
٭ كاتب عراقي
علي زياد