■ شاركت خلال الأشهر الماضية في عدة مؤتمرات وورش عمل وندوات حول الشؤون المصرية في الولايات المتحدة الأمريكية. مؤتمر أكاديمي في جامعة دنفر (ولاية كولورادو)، وورش عمل حاضر بها خليط من الأكاديميين وباحثي مراكز الأفكار والمسؤولين في جامعة برنيستون (ولاية نيو جيرسي) وفي وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن)، وندوات قدمت بها المداخلة الرئيسية في جامعة ستانفورد (ولاية كاليفورنيا) وجامعة رايس (ولاية تكساس). لن أدخل بتفاصيل محاضراتي أو مداخلاتي، فهي لم تبتعد عن مجمل ما أسجله في هذه المساحة توثيقا لانتهاكات حقوق الإنسان في مصر وتفنيدا للأوهام التي تروجها السلطوية الحاكمة وهي تقايض الأمن والخبز بالحرية وتعصف بسيادة القانون وهي تواجه الإرهاب.
الأهم اليوم هو أن أنقل لكم، ومن واقع آراء المشاركين من المسؤولين والأكاديميين الأمريكيين، كيف تنظر الإدارة الأمريكية الحالية إلى مصر وكيف يقرأ المتخصصون حالها اليوم. وأملي أن يساعد القليل من التحليل الذي تتضمنه النقطتان أدناه على تفكيك «حديث المؤامرات» الذي يطغى على نقاشاتنا العامة في مصر، وأن يقدم دليلا على أن الرفض المبدئي للسلطوية الحاكمة ولممارساتها القمعية لا يعني أبدا غياب حرص المعارضين على المصالح الوطنية الحقيقية أو امتناعهم عن توعية الرأي العام بشأن قضايا ذات ثقل. ففساد المنطق والجوهر يغلف التخوين البائس للمعارضين والتشكيك في وطنيتهم.
1. ملف المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر: أظهرت آراء المشاركين الأمريكيين وجود توافق بين إدارة أوباما وبين الكونغرس بمجلسيه وبحزبيه الجمهوري والديمقراطي على توجيه المساعدات العسكرية إلى مجالات الحرب على الإرهاب وتأمين الحدود في سيناء وفي الصحراء الغربية. وفي جميع الأحوال، ثمة توافق على ضرورة أن تحصل حكومة الولايات المتحدة على ضمانات رسمية مصرية بشأن الامتناع عن «توريط» السلاح الأمريكي في توظيف مفرط للقوة أو انتهاكات لحقوق الإنسان أو إجراءات عقاب جماعي ضد السكان، وبشأن إقرار قائمة بآليات للمراجعة الدورية لاستخدامات المساعدة العسكرية.
أما بين الأكاديميين وخبراء مراكز الأبحاث، فيغلب التقييم السلبي لملف المساعدات العسكرية ولوم الإدارة على استئنافها ورفع الحظر الذي فرض عليها في صيف 2013. والعوامل التي تساق لذلك تتفاوت من اضطراب الأوضاع الداخلية في مصر إلى غياب مسار تحول ديمقراطي وتراكم المظالم والانتهاكات.
2. ملف الأوضاع الداخلية في مصر: لا تملك إدارة أوباما ترف عدم التعاون مع الحكومة المصرية، ولهذا السبب دفعت الإدارة باتجاه استئناف المساعدات العسكرية والعودة إلى «صيغة ما» للحوار الاستراتيجي بين الحكومتين.
غير أن المشاركين الأمريكيين في المؤتمرات وورش العمل والندوات التي شاركت بها عبروا عن: أ) القلق من استمرار التعثر الاقتصادي الراهن، ب) الخوف مما قد تفضي إليه المظالم وانتهاكات حقوق الإنسان من تقلبات راديكالية داخل جماعة الإخوان المسلمين وبين الطلاب والشباب القابعين وراء أسوار السجون وأماكن الاحتجاز، ج) التشاؤم بشأن غياب رغبة وقدرة السلطوية الحاكمة لجهة التفكير في ضرورة الموازنة بين قمع المعارضة والضغط الأمني المستمر عليها وبين تمكينها من المشاركة الجزئية في إدارة شؤون البلاد والتراجع التدريجي عن العصف بسيادة القانون والتورط في الانتهاكات، د) توقع أن تتواصل هيمنة المؤسسات النظامية القوية والنخب الاقتصادية والمالية المتحالفة معهم على الحكم في مصر. وفي جميع الأحوال، تظل الأولوية الأمريكية هي ضمان بقاء الحكم الراهن والاكتفاء بخطاب المعايير المزدوجة بشأن حقوق الإنسان.
لا مؤامرات أمريكية، إذن. بل تعاون مع السلطوية الحاكمة في مصر وفقا لشروطهم وفي إطار سياسة إقليمية تستهدف مواجهة الإرهاب وضمان أمن إسرائيل. تعاون وفقا لشروطهم، وبعض الشروط هذه ينتقص من السيادة الوطنية وبعضها الآخر يتنصل عملا من خطاب الولايات المتحدة حول دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
إما نحن في مصر، فإذا كنا نريد الدفاع الفعلي عن سيادتنا الوطنية، فالأجدى هو أن نفكر في سبل ناجحة لمواجهة الإرهاب تمزج بين العسكري والأمني والمجتمعي وفي فرص استعادة مسار تحول ديمقراطي على نحو يوقف المظالم والانتهاكات ويخلصنا من السلطوية.
٭ اكاديمي مصري
عمرو حمزاوي